عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

يبدو الأتفاق الذي تم في واشنطون الاسبوع الماضي بالعمل وبصورة منسقة بين المؤتمر الوطني، الحركة الشعبية والولايات المتحدة والأمم المتحدة لضبط اي أنعكاسات على صدور قرار محكمة لاهاي بخصوص أبيي وكأنه بروفة لقادمات الأيام حيث متواليات الأستحقاقات لتخطي ما بقي من عقبات في الفترة الانتقالية  تفسح الطريق أمام الأنتخابات من ثم حق تقرير المصير وذلك لضمان عدم تجدد العنف ومن ثم العودة الى مربع الحرب مرة أخرى. الجديد في هذا التوجه عودة العامل الدولي للبروز مرة أخرى، ومع أهميته الا انه يتحرك في ذات الأطار المحدود والتعامل مع طرفي أتفاق نيفاشا، مع ان المطروح مختلف هذه المرة.

 

الأنتقاد الرئيس الموجه الى أتفاق السلام انه ليس شاملا وذلك لأقتصاره على طرفين فقط، هما من كانا يحملان السلاح، بل وحتى بالنسبة لحملة السلاح لم يشمل متمردي دارفور. وكان رد فعل الوسطاء ان المطلوب بداية وقف العنف والتوصل الى أتفاق يفتح الطريق أمام التحول الديمقراطي. تجربة السنوات الأربع الماضية أوضحت بجلاء ان ما حدث عبارة عن وقف لأطلاق النار، أكثر منه أندياح فعلي لثقافة ومناخات السلام على أرض الواقع، كما ان عامل الثقة بين طرفي الأتفاق، ناهيك عن القوى السياسية الأخرى، لا يزال متدنيا، ولهذا تتكرر الأزمات في كل منعطف ويتم اللجوء الى الوسطاء الخارجيين.

 

وهذه كلها تعتبر مظاهر لعامل أهم وهو تقنين حق القوة. فالأنقاذ أعلنت صراحة ومنذ يومها الأول انها لن تفاوض الا حملة السلاح، والحركة الشعبية بادلت ذلك الأعلان ودا بود فلم تستصحب معها حلفاءها في التجمع الوطني الديمقراطي، وجاء الموقف الدولي عبر الوسطاء بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج داعمة لهذا الموقف، مما أدى الى تحقيق أول أختراق في المفاوضات عبر اتفاق مشاكوس الأطاري في يوليو 2002، وهذا ما يفسر في تقديري، ولو جزئيا، توقيت الأنفجار الرسمي للتمرد في دارفور وهو مارس 2003، أي بعد سبعة أشهر على أتفاق مشاكوس، عندما أصبح واضحا وجليا ان المجتمع الدولي يؤمن على عامل القوة ويستمع الى حامل البندقية رغم رايات الديمقراطية والعمل السلمي التي يرفعها.

 

أتفاق السلام مع الجنوب، المستند في جوهره على عامل القوة، تم أستنساخه في أتفاقيات مشابهة بصورة أو أخرى في دارفور والشرق. وأصبحت الرسالة واضحة ان البندقية هي الوسيلة المعترف بها داخليا وخارجيا للحصول على جزء من الكعكة. ولهذا لم يكن غريبا ان يشتكي وزير الطاقة للبرلمان من الأعتداءات التي تقع على بعض العاملين في الصناعة النفطية بل والتهديد بأتلاف بعض الآليات مالم تتم الأستجابة الى بعض المطالب المحلية. فالصغار تعلموا من الكبار كيف يلفتون الأنظار.

 

الأنتقال الى مربع العمل السلمي بالممارسة وعن قناعة هي المهمة التي تنتظر مختلف القوى السياسية ومعها الوسطاء. فالأنتخابات في نهاية الأمر وسيلة، تكمن قيمتها في القبول بنتائجها بعد تهيئة الأجواء الملائمة لذلك، الأمر الذي يمهد للشرعية التي يفترض أن تقوم عليها أي سلطة. ولهذا يبدو أن أيران تتجه الى حالة من الشرخ تطال شرعية نظامها لأحساس نسبة مقدرة من الناخبين انها سلبت حقها الديمقراطي رغم انه من الواضح أن الرئيس أحمدي نجاد فاز في الأنتخابات ولو بنسبة أقل مما أعلن فعلا.

 

النقطة الأيجابية التي يمكن الأنطلاق منها ان مختلف القوى السياسية التي جربت تجارب متباينة أحرقت فيها أكثر من أصابعها توصلت الى قناعة انه لا يمكنها الأستئثار بالسلطة وحدها، وأن اللجوء الى القوة العسكرية المحضة سواء عبر الأنقلاب أو التمرد سينتهي عاجلا أو آجلا الى الوقوع في حضن القول المأثور انه يمكن عمل أي شىء بالحراب الا الجلوس عليها.

 

لكن هذه القناعة تغرف من ينبوع الأرهاق والتعب والفشل الذي وسم الحياة السياسية لأكثر من نصف قرن من الزمان، وهو ما يحتاج الى أستثماره في تعميق مفاهيم وممارسات المجتمع المدني التي يمكن للعامل الدولي أن يسهم فيها بسهم وافر. فعمليات أعادة الدمج والتسريح للمقاتلين السابقين تحتاج الى الكثير من الموارد والخبرة للأنتقال من حالة العسكرة التي كانوا عليها الى وضعية جديدة تصب في نهاية الأمر في أطار قبول الآخر والتركيز على البناء، لا الهدم. وهناك أيضا بناء القدرات السياسية والأعلامية والتنفيذية الى جانب تجربة الأنتخابات التي تمثل مناسبة للتثقيف وأعادة التثقيف حول العملية الديمقراطية وطرح البرامج ووضع مختلف القوى السياسية أمام تحد الأتصال بالقواعد لكسبها. فطوال العشرين الماضية كانت الأنظار شاخصة الى أعلى، حيث السلطة والتعيينات والقرارات التي تتنزل منها الى أسفل. الأنتخابات المقبلة ستعكس الوضع ليصبح منبع السلطة من أسفل حيث يكتسب رئيس الجمهورية والولاة وحكوماتهم المختلفة شرعيتهم من ثقة الناس لا الرئيس الموجود في القمة.

 

القانون الذي ستجري على أساسه الأنتخابات وتفرده عبر دوائر جغرافية وفئوية ونسبية وآليات ضبط الحياة السياسية عبر مجلس الأحزاب تعتبر نقلة نوعية مقارنة بما كان سائدا تماما مثل مفاهيم قسمة السلطة وتنزيلها الى مستويات أدنى وقسمة الثروة التي تعطي للمناطق المنتجة لها حصة، على ان القاعدة الذهبية في العمل السياسي أن نجاحه يعتمد على الممارسة لا التنظير والتنصيص، كما انه يتطلب الصبر على البناء خطوة خطوة. فالتجارب السابقة توضح انه لم يتح قط لأي برلمان منتخب أكمال دورته التشريعية وتسليم السلطة الى جهة تنفيذية جديدة منتخبة، الأمر الذي أدى الى غياب التدريب وتراكم الخبرات.    

 تكثيف جهد السلطة والقوى الأخرى خلال ما تبقى من الفترة الأنتقالية وحفز المجتمع الدولي على ترجمة تعهداتها الأخيرة في واشنطون الى برامج عمل محددة في ميادين دعم التحول الديمقراطي هي القمينة بالا يكون القبول الحالي بالعمل السياسي السلمي أستراحة محارب فقط تنفجر بعدها دورة العنف بصورة أقوى.