من أزمة منطقة اليورو الى تباطؤ الأقتصاد الصيني لأول مرة منذ ثلاثة عقود من الزمان الى المتغيرات التي تشهدها الساحة النفطية العالمية بأتجاه مركز الثقل الذي بدأ في الانتقال نحو المحيط الباسفيكي بدلا من منطقة الشرق الأوسط وذلك لأول مرة منذ أكثر من 70 عاما، فأن العالم فيما يبدو يتجه الى ولوج حقبة من التحولات ذات الأبعاد الأستراتيجية التي يمكن أن تلقي بظلالها على مختلف بقاع العالم حتى في المدى الزمني المتوسط.
ففي أقل من أسبوعين سيتجه الناخبون اليونانيون الى صناديق الأنتخابات، ونتيجة تصويتهم قد تقرر الى حد بعيد مستقبل منطقة اليورو، لأن الأنتخابات ستكون الى حد كبير بين خياري القبول بالأجراءات التقشفية التي تقود لوءاها المانيا، وبين الرفض وفي هذه الحالة تخرج اليونان من منطقة اليورو بكل تبعات هذه العملية السياسية والأقتصادية، خاصة والموارد المالية قد لا تكفي دولتين مرشحتين للوقوع في دائرة العجز والديون. وأهم من هذا ان عدم قبول اليونان بالأجراءات التقشفية يمكن أن يشكل مخاطر للعديد من البنوك الألمانية التي أقرضت اليونان وتنتظر أستعادة أموالها تلك. على ان جوهر المشكلة يتلخص في جانبها السياسي، وعدم قدرة أو رغبة الطبقات السياسية الاوروبية في القيام بالأجراءات المطلوبة.
أما التحول الثاني المثير للأهتمام فهو توقع حدوث تباطؤ في الأقتصاد الصيني يمكن أن تكون له أنعكاساته السياسية والأقتصادية على المستوى العالمي كذلك. التباطؤ المتوقع يعتبر بصورة أساسية ضحية للنجاح الذي حققه الأقتصاد الصيني نفسه بالنمو المتواصل في حدود (9.5 في المائة) سنويا على أمتداد ثلاثة عقود من الزمان متتالية، وهو تكرار لظاهرة عرفتها اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من قبل بسبب نمو الطبقة الوسطى نتاج هذه الأنتعاش الأقتصادي. ويظهر هذا في سكان المدن تجاوز لأول مرة سكان الريف في العام الماضي، وهو ما أثر بصورة مباشرة على حجم القوة البشرية المهاجرة الى المدن، ووفقا للتقديرات السائدات حاليا فأن حجم طبقة الريفيين المهاجرين الى المدينة تراجع من 90 مليون نسمة في العقد الماضي الى نحو خمسة ملايين حاليا. أهمية هذه النقطة تتمثل في ان تلك الطبقة توفر عمالة رخيصة أسهمت في قوة تنافسية السلع الصينية على مستوى العالم لرخص أسعارها، وهو ما أصبح مفتوحا على التغيير. على ان أهم من ذلك ان الصين لا تبدو متحمسة لتكرار الدور الذي قامت به أبان أزمة 2008 المالية العالمية عندما ضخت 570 مليار دولار في شرايين الأقتصاد الغربي وساندت اليورو بما جعله يحافظ على قوته.
التطور الثالث يتلخص في تحول مركز الثقل في جانب الطاقة في ميدان النفط والغاز الى منطقة المحيط الباسفيكي بدلا من منطقة الشرق الأوسط التي أحتلت هذه المكانة وبسببها أهتمت الولايات المتحدة بالمنطقة التي تحتوي أراضيها على أكبر جائزة أقتصادية تتمثل في المخزون النفطي الضخم وعبرت عن ذلك الأهتمام لقاءات الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود في البحيرات المرة عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة. التحول الذي حدث يعود الى أسباب ثلاثة يقول مؤرخ الصناعة النفطية المعروف دانييل يرجن انه لا رابط بينها ولم يتم التخطيط لها وان أرتفاع الأسعار كان المحرك الأساسي لها: وهي بروز نفط الرمال في كندا وتقنية أستخراج النفط من الصخور عبر الحفر الأفقي في بعض الولايات الأمريكية مثل داكوتا الشمالية وتكساس، وكذلك تقنية العمل بكفاءة في عمق المياه في الطبقة القبل الملحية كما هو الحال في البرازيل.
ويتوقع في أقل من عشر سنوات أن تضيف هذه التطورات قرابة عشرة ملايين برميل مما يقلل من الأهتمام الأمريكي ببقية العالم من الجانب النفطي على الأقل. ولهذا بدأت الولايات المتحدة ومنذ ثلاث سنوات في خفض وارداتها من دول الأوبك بنحو 20 في المائة، بل وتصدير شىء من البنزين، كما ان أنتاجها من الغاز في تصاعد مما قد يؤهلها للتصدير الى بعض الدول الأوروبية والآسيوية. على ان أهم تطور يتمثل في ان ظاهرة نمو الأستهلاك المحلي وتدهور الأنتاج يبدو انها في طريقها الى التغير. فهذه الظاهرة أدت تلقائيا الى النمو في الواردات الأجنبية، وبرزت بصورة واضحة في حرب أكتوبر 1973 بين العرب وأسرائيل وصحبها الحظر النفطي الذي دفع الرئيس الأمريكي وقتها ريتشارد نيكسون الى أعلان سياسة خفض أعتماد الولايات المتحدة على النفط الأجنبي، وهي السياسة التي أتبعها كل الرؤساء الذين خلفوه جمهوريين كانوا أو ديمقراطيين ولم تحقق نجاحا يذكر الا مؤخرا. فالأنتاج المحلي من النفط الذي كان في حدود (4.9) ملايين برميل  في 2008 متراجعا من (9.6) ملايين برميل في 1970، قارب الستة ملايين برميل حاليا ويمكن أن يصل الى 7 ملايين برميل يوميا في 2020.
و لايعني هذا ان الولايات المتحدة ستصبح مكتفية ذاتيا، فهي ستظل محتاجة الى كميات تصلها من الخارج، لكنها أقل من السابق، كما ان حلفاءها الأوروبيين سيظلون معتمدين الى حد كبير على نفط الشرق الأوسط، ولو ان هذا الأعتماد سيظل متأثرا بمدى الأزمة الأقتصادية في دول الأتحاد الأوروبي ومدى عمقها والوقت الذي ستستغرقه. ومن الأشياء اللافتة للنظر ان صندوق النقد الدولي أصبح مشغولا وهموما بالأنقاذ الأقتصادي لدول أوروبا المتقدمة بعد ان كانت مهمته شبه قاصرة على دول العالم الثالث الآسيوية والأفريقية.
على ان التراجع في الأهمية الأستراتيجية للمنطقة بسبب المتغيرات التي تشهدها الساحة النفطية ستكون له أنعكاساته في العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة من ناحية والدول الخليجية تحديدا وبقية الدول العربية من ناحية وبينها وبين أسرائيل من الناحية الأخرى.
تأتي هذه التطورات في الوقت الذي تمخضت في ثورات الربيع العربي عن بروز لظاهرة الأسلام السياسي لتطرح أمامها تحديات من جانبي طرح حلول للمشاكل التي تعاني منها مجتمعاتها  في الوقت الذي يتجه فيه العون الأجنبي الى الأضمحلال، كما ان العالم قد يكون أقل أستعدادا للأنغماس  الطويل والمعمق في قضايا المنطقة. ولعل في انذار مجلس الأمن الأخير للسودان وجنوب السودان الصادر بالأجماع مؤشر على هذا.


Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]