تمثل عودة السودان وجنوب السودان الى طاولة المفاوضات تطورا أيجابيا في حد ذاته كون الحوار يمثل في نهاية الأمر الوسيلة الوحيدة لحسم الصراع في غياب أمكانية الحسم العسكري أو أرغام الطرف الآخر على رفع الراية البيضاء. وتكتسب هذه الحقيقة أهميتها من كونها تعني أعترافا ضمنيا بما ذكره المبعوث الأمريكي برنستون ليمان الأسبوع الماضي عند مخاطبته المؤتمر السنوي لجمعية الدراسات السودانية في جامعة أريزونا، وهو الملتقى الذي أشرف على تنظيمه الدكتور عبدالله جلاب، اذ قال انه نصح الطرفين بعدم تعويل أي منهما على أزاحة الطرف الآخر من السلطة مضيفا أنهما يعيشان حالة من الأنكار للوضع الذي أوجدا فيه نفسيهما وبلديهما على الجانبين الأقتصادي والعسكري وتبعاتهما السياسية.
ومع ان ليمان أعطى الأنطباع بشىء من التشاؤم عن مآلات الأوضاع، الا انه فيما يبدو يرمي بثقله على النشاط الديبلوماسي المتوقع من الأتحاد الأفريقي ومجلس الأمن خاصة بعد قراراتهما الصادرة بالأجماع ودفعهما الى الضغط على الطرفين لتنفيذ ما هو مطلوب منهما، ومن هنا كانت اشارته الى ان لجنة الأتحاد الأفريقي التي يترأسها ثابو أمبيكي تحتاج الى أن تركز أكثر على جانب التطبيق لا الوساطة وذلك أتساقا مع أسمها الرسمي. African Union High Level Implementation Panel (AUHLIP)
وهذا في تقديري تحول أساسي. فالتقليد الديبلوماسي السائد في الوساطات انها تقوم على قناعة الطرفين الى حد ما برغبتهما في التوصل الى أتفاق، والعبارة الرائجة في هذا انه لا يمكن فرض السلام من الخارج. وكل الذي يفعله الوسطاء شىء من الضغط مخلوطا بشىء من الحوافز لدفع الطرفين الى أبرام الأتفاق الممكن والمعقول الذي له حظ في البقاء والأستمرار وليس بالضرورة الأتفاق العادل، ومن باب أولى لا يلبي مثل هذا الأتفاق مطالب كل طرف، لأن الأمر يقوم على مفاوضات وتنازلات من هنا وهناك.
دخول مجلس الأمن المسرح مسلحا بالفصل السابع يجعل هذه الجولة مواجهة بعدة تحديات تطال الوسطاء الى جانب الطرفين طبعا. فأهمية قرار مجلس الأمن تتمثل في صدوره بالأجماع وتهديده بعقوبات تحت الفصل السابع حال عدم الأستجابة، وهو ما يطرح التحدي الأول المتمثل في كيفية الحفاظ على هذا الأجماع ومتى يمكن الأنتقال الى مرحلة العقوبات ونوع العقوبات التي ستطبق وكيفية التطبيق. فسجل الأمم المتحدة في هذا الجانب ليس مشرقا دائما. ويمكن اضافة التساؤل حول قدرة المجلس على أنفاذ قراراته. ودوننا القرار الخاص بأبيي وقوات الأمم المتحدة هناك التي أصبحت مكونة من الجنود الأثيوبيين فقط رغم انهم رسميا يعتمرون القبعات الزرقاء للأمم المتحدة التي يفترض انها تشرف عليهم.  وتكتسب هذه النقطة أهمية كون بعض القضايا المختلف عليها والتي يفترض حلها وفق القرار هي في الأساس قضايا تجارية مثل النزاع على رسوم عبور النفط، ومن ثم فهي تقع في أطار الصلاحيات السيادية لأي دولة و لايشكل عدم حلها تهديدا للأمن والسلم الأقليمي، وهو التبرير الرئيس لأعمال الفصل السابع الذي يجيز أستخدام القوة. فهل يصل الأمر بمجلس الأمن الى استخدام العقوبات لأرغام السودان على تصدير نفط الجنوب عبر أراضيه مثلا؟
التحدي الثاني يطال طرفي النزاع في الخرطوم وجوبا والى أي مدى أسهمت تجربة الأشهر الماضية في الدفع بأتجاه مراجعة الحسابات وأستعادة شىء من العقلانية والمسؤولية تجاه شعبيهما الذين يئنان تحت وطأة العبء الأقتصادي الناجم عن الصراع وتبعاته العسكرية. فالتجربة أثبتت قدرة الطرفين على أيذاء بعضهما البعض وعدم قدرة أي منهما على تسديد الضربة القاضية للآخر. ثم انه بالنسبة لجوبا فأن عنصر المفاجأة جاء من قبل الأدانة الكاملة للمجتمع الدولي على أحتلال هجليج وشعورها بفقدانها التعاطف من قبل المجتمع الدولي الذي تراكم طوال سني الحرب، ومساواتها بالخرطوم. وأهم من هذا ان الحديث عن بناء خط أنابيب بديل أصبح يضعف يوما بعد يوم لأسباب عديدة على رأسها عدم توفر التمويل حتى الآن بعد رفض الصين الأسهام في ذلك قائلة انها بنت خطا في السودان يمكن للجنوب أستخدامه كما أوضح محافظ البنك المركزي لجنوب السودان كورنيليو كوريوم ماييك في حديثه المهم الى صحيفة "الفاينانشيال تايمز" يوم الأربعاء الماضي. وتنبع أهمية الحديث في كشفه لحقيقة ان زيارة سلفا كير الى الصين تمخضت عن قرض بمبلغ 170 مليون دولار فقط وليس ثمانية مليارات كما راجت بعض التصريحات الرسمية في البداية، وأشار المحافظ أيضا الى ان الأحتياطيات الموجودة من النقد الأجنبي تبلغ مليار ونصف المليار دولار وهي تعتبر كافية لتغطية احتياجات البلاد لفترة سبعة أشهر. وتبدو هذه التصريحات وكأنها موجهة الى الداخل لرسم صورة واقعية لما يجري. أما السودان فأن أشتعال الحرب على طول ألفي كيلومتر من الحدود أصبح يشكل تهديدا للوضع السياسي برمته مع أضافة البعد الأقتصادي وتزايد حالة الصراع مع أنتقال الوساطة الى مجلس الأمن حيث الأصدقاء قلة ولن يخاطروا بمصالحهم وأولوياتهم من أجل السودان كما دلت التجارب عدة مرات وآخرها قرار مجلس الأمن الأخير.
ما هي فرص نجاح هذه الجولة؟ بداية يمكن الأشارة الى تخفيف حالات التعبئة الأعلامية وأعلان الطرفين أنسحابهما من أبيي في مسعى لتحسين صورتهما أمام المجتمع الدولي قبل بداية المفاوضات، وهذا تطور حسن. لكن يبقى من الصعب توقع حدوث أختراق رئيسي وذلك بسبب حالة عدم الثقة المتجذرة المستمرة بين الطرفين وجعلت من سنوات أتفاقية السلام الست الأنتقالية أستراحة محارب أعقبتها حروب بالوكالة ثم مباشرة، وهي ما يهدد السلم الأقليمي حقا ودفع الأتحاد الأفريقي ومجلس الأمن للتدخل بحسم. ولهذا ستظل قضية الفرقتين التاسعة والعاشرة كرتا لدى جوبا ستسعى جهدها للحفاظ عليه لضمان عدم تغول السودان عليها، كما ان السودان سيسعى الى جرجرة رجليه عند تناول قضية رسوم عبور نفط الجنوب لأن الوقت ليس في صالح جوبا، وكما قال ليمان فأنه حتى لو تم الأتفاق على الرسوم فهناك حاجة الى فترة ستة أشهر ليبدأ الضخ الفعلي للنفط في الأنابيب.
ولهذا ستعود الكرة مرة ثانية الى ملعب الشركاء الدوليين وما يمكن أن يقدموه من حوافز للطرفين لتحقيق أختراق والوصول الى أتفاق. 
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]