في السابع من مايو الحالي أعلنت شركة "تللو" البريطانية عن أكتشافاتها النفطية الثانية في غضون شهرين في أقليم التوركانا الكيني القريب من الحدود الأثيوبية. رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينقا تحدث بحذر واصفا الأكتشافات انها أخبار طيبة، وذلك على عكس رئيس الجمهورية مواي كيباكي، الذي وصف الأكتشاف النفطي الأول في مارس انه يمثل عملية أختراق كبرى وبداية لرحلة طويلة لجعل كينيا دولة مصدرة للنفط.
حذر أودينقا يعود الى ان كينيا قامت بحفر 31 بئرا خلال السنوات الخمس الماضية كانت كلها جافة، ثم ان التحديد النهائي لحجم الأحتياطي واذا كان يمكن بناء صناعة نفطية عليه ينتظر نتائج قاطعة من البرنامج المكثف للمسح الزلزالي والأستكشاف والتطوير الجاري فعلا. على ان أي أكتشاف للنفط  يمكن أستغلاله يعتبر بلا شك خبرا جيدا لكينيا التي أنفقت في العام الماضي أكثر من أربعة مليارات من الدولارات لأستيراد نحو 100 ألف برميل يوميا لمقابلة الأستهلاك المحلي.
الأعلان عن هذه الأكتشافات ساعد في تسليط المزيد الأضواء على ما يجري في منطقة شرق أفريقيا في جبهة النفط والغاز وبكل ما يمكن أن يكون لها من أنعكاسات سياسية وأقتصادية سواء في العلاقات الداخلية بين دول الأقليم أو مع الخارج.
فلأكثر من نصف قرن من الزمان ظلت شركات النفط والغاز تنشط في هذه المنطقة بصورة ما وبدون تحقيق أكتشافات ناجحة أو ذات أهمية تذكر. وتشير السجلات انه حتى دخول شيفرون السودان جاء نتيجة لملاحظات بعض الجيولوجيين لصور الأستشعار من على البعد التي أشارت الى وجود أخدود يمتد بين كينيا والسودان ويمكن أن يحتوي على صخور رسوبية، تعتبر في العادة مكامن للنفط.
وفي العام 2006 حققت شركة "تللو" أكتشافات نفطية في يوغندا في حوض أخدود بحيرة البرت ويعتقد انها يمكن أن يكون بها أحتياطي يتراوح بين مليارين الى ستة مليارات برميل من النفط، لكنها لا تزال تنتظر التطوير والأنتاج ربما لنحو 200 ألف برميل يوميا، ثم أعقبتها أكتشافات للغاز بعد ذلك بأربع سنوات في كل من تنزانيا وموزمبيق وحتى في مدغشقر كذلك، بل والصومال حيث يجري التخطيط لبدء الحفر في أرض الصومال "بونت لاند". وهكذا وخلال السنوات الست المنصرمة بدأت تتوالى الأخبار التي رسخت الأنطباع بوجود أحتياطيات  كبيرة من النفط والغاز في هذا الأقليم الذي ظل بعيدا عن دائرة الأهتمام لعقود طويلة، وأسهم في زعزعة القناعة السابقة عن ضعف الأحتياطيات في هذه المنطقة. ففي ميدان الغاز الطبيعي كان التركيز على نيجيريا التي تشير الدراسات الموجودة الى أن بها ما يتجاوز 180 ترليون قدم مكعب من الغاز، بينما بقية أفريقيا جنوب الصحراء لا تتجاوز أحتياطياتها من الغاز 42 ترليونا. على ان التقديرات الأولية أصبحت تعطي تنزانيا لوحدها أحتياطيات من الغاز الطبيعي 60 ترليون قدم. وتقول بعض الشركات انها تخطط لأستثمار نحو 50 مليار دولار خلال فترة السنوات الخمس المقبلة لتطوير أحتياطيات الغاز الطبيعي في شرق أفريقيا.
وتحتوي قائمة الشركات النشطة في المنطقة على أسماء العلامات الرئيسية للصناعة النفطية في العالم أمثال أيني الأيطالية وستات أويل النرويجية وشل الهولندية وأكسون/موبيل وأناكاركو الأمريكيتين وغيرها، التي استفادت من التقدم التكنولوجي لتحقيق أختراقات مهمة للوصول الى نتائج عاجلة وتقليل التكلفة بصورة مؤثرة. وسجلت زيارة وزير الخارجية البريطاني وليام هيج الى الصومال في فبراير الماضي أشارة الى الأهتمام السياسي بما يجري.     
وأسهمت بعض ممارسات الشركات الصغيرة في زيادة حجم الأهتمام بما يجري. ففي يناير الماضي مثلا قررت شركة بريطانية صغيرة تدعى "كوفي للطاقة" عرض حصتها البالغة (8.5 في المائة) للبيع في كونسورتيوم تمكن من تحقيق بعض الأكتشافات في حقل موزمبيق بأحتياطيات تقدر بنحو 15 ترليون قدم مكعب، أي أكثر مما يوجد لدى النرويج. عرضت شركة شل مبلغ 1.6 مليار دولار لشراء هذه الحصة، وزايدت عليها شركة تايلندية مملوكة للدولة برفع عرضها الى 1.7 مليارا، وتردد أن شركة النفط والغاز الهندية تدرس أيضا التقدم بعرض لشراء ذات الحصة بمبلغ ملياري دولار. على ان الأمر استقر في نهاية الأمر على عرض شل بعد أن رفعته ليساوي العرض التايلندي وتمكنها من الحصول على موافقة حكومة موزمبيق، ومستفيدة في ذات الوقت من كونها شركة عالمية مرموقة وسجلها أفضل من تلك التايلندية.
هذه الأكتشافات من النفط والغاز تثير شهية الشركات كونها توجد في منطقة بكر، كما انها لها أبعادا أستراتيجية كونها توفر بديلا لمنطقة الشرق الأوسط من ناحيتين بتجاوزها لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، كما ان مجرد أحتمال وجود أحتياطيات من النفط والغاز في تلك المنطقة يعزز من الأهتمام الغربي عموما باللجوء الى مصادر أمدادات أخرى مثل أفريقيا وبعيدا عن نفط الشرق الأوسط.
على ان الأمر ليس بهذه البساطة فهناك فجوة ما بين تأكيد الأحتمالات بوجود أحتياطيات من النفط والغاز، وتحويل تلك الأحتمالات الى واقع مؤكد ثم توفير الأموال اللازمة المقنعة للمستثمرين الذين تحركهم في الأساس دوافعهم التجارية والسياسية. وكنموذج على هذا حقل سونج سونج الذي أكتشف تنزانيا منذ العام 1974، لكنه لم يدخل ميدان الأستغلال التجاري الا في 2004. أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التأخير متاعب الجغرافيا وغياب البنية الأساسية. فمعظم هذه الأحتياطيات توجد في مناطق نائية تفتقر الى البنية الأساسية من طرق وخطوط نقل أخرى.
ليس هذا فحسب وأنما العديد من الدول الأفريقية تشهد نقاشا حول أين تكون الألوية لمقابلة الأحتياجات المحلية كما يستعر الجدل السياسي في يوغندا تخفيفا لعبء أستيراد 15 ألف برميل يوميا مثلا أم التركيز على التصدير حتى تستطيع الشركات الأجنبية أستعادة أستثماراتها علما ان السوق المحلية في العادة صغيرة حتى اذا لم تكن هناك مشكلة في الدفع لهذه الشركات بالعملات الصعبة، وناهيك عن تأثير هذه التطورات على العلاقات الداخلية بين الدول مثل هل يستمر مشروع مصفاة يوغندا أو يتم تركه لصالح رصيفتها الكينية.
(الأسبوع المقبل انعكاسات ما يجري في شرق أفريقيا على السودان)
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]