يتصاعد الجدل حول كيفية التعامل مع قرار مجلس الأمن الأخير بشأن السودان وجنوب السودان، واذا كان من الصالح الألتزام به، أو التصدي له على أساس انه رأس حربة في مؤامرة تستهدف البلاد. ومع ان وزارة الخارجية مسنودة بالقيادة السياسية قررت المضي قدما والتعاطي مع القرار من باب تجنب المواجهة مع المؤسسة الدولية خاصة والقرار صدر بالأجماع، أي بمشاركة كلا من الصين وروسيا وهما الذين يعتمد عليهما السودان ديبلوماسيا، الا ان الجدل لا يزال مستعرا خاصة ومعسكر الرافضين وجد سندا له في البرلمان الى حد ما.
وقبل الدخول في أي نقاش حول التعامل مع القرار هناك حاجة ماسة لتناول قضية المؤامرة التي تستهدف السودان. ويمكن القول بداية انه لا توجد دولة على الكرة الأرضية لا تشعر بتهديد ما أو مؤامرة تجاهها حقيقية كانت أو متوهمة مع الفارق طبعا. وحتى اسرائيل المتهمة انها وراء كل مؤامرة تتعرض هي نفسها الى استهداف ما في شكل مؤامرات سواء من الفلسطينيين الذين أغتصبت أراضيهم أو غيرهم. ونفس الشىء عن الولايات المتحدة، التي تستهدفها مؤامرات تنظيم القاعدة ناهيك حتى عن حلفاءها من الذين يتآمرون لسرقة أسرارها التقنية والعسكرية  والأقتصادية. ولهذا فمن الطبيعي أن تتصرف كل دولة على أساس انها مستهدفة بمؤامرة ما في كل زمان ومكان، لأن المؤامرات بهذا الشكل تصبح من طبيعة الأشياء وتكاد تكون من حقائق الكون.
والأمر كذلك فأن الحصافة تقتضي الأستعداد لمواجهة شلال المؤامرات المتدفق هذا، لا اللجوء فقط الى الشجب ورفع العقيرة بالصياح والتحذير. وأول ما يعنيه هذا المنهجية في كيفية اتخاذ القرار من ناحية طرح القضية المعنية  ووضعها على طاولة النقاش المفتوح حتى يمكن بلورة موقف موحد من خلال النقاش الثر بما يجعل الجميع على بينة من تبعاته، ويسهم من الناحية الأخرى في بناء مؤسسات الدولة المختلفة وتقوية مشاركتها في أتخاذ القرار.
وكمثال على غياب هذه المنهجية  القرار المفصلي في تاريخ البلاد الذي لا يزال يلقي بتبعاته وآثاره على السودان وهو موافقة الدولة رسميا على حق تقرير المصير بغض النظر عن صوابية الفكرة من عدمها. وعلى قدر ما بحثت وسألت وأستقصيت لم أحصل على أجابة شافية عن الكيفية التي تم بها أتخاذ هذا القرار اذ لا يوجد سجل واضح ومحدد على ان القضية تم نقاشها على أي من المستويات السياسية أو التنفيذية المؤسسية سواء في الحكومة أو البرلمان قبل أن تجد طريقها الى أتفاق فرانكفورت وبعده في أتفاق السلام من الداخل مع الفصائل المنشقة عن الحركة الشعبية وتصبح من ثم من الأدبيات السياسية التي أصبحت واقعا ملزما للدولة مما يجعل من التراجع عنها أمرا مستحيلا سواء من قبل عناصر أخرى داخل الحكم أو من أي قوة سياسية بغض النظر عن موقفها من النظام القائم.
وساعد على أستمرار هذا النهج غياب المسائلة، فقوة أي نظام سياسي لا تعتمد على مدى الفضائل الشخصية التي يتمتع بها قادته، وأنما قبل ذلك وجود المؤسسات القادرة على المسائلة ومراقبة بعضها البعض، ولهذا جاءت فكرة الفصل بين السلطات حتى تشكل كل واحدة عينا على الأخرى. وفي غيابها تتكرر الأخطاء وتشخصن القضايا وهو ما شهدناه في هجليج الأولى والثانية وقبلهما في مصنع سكر النيل الأبيض.
الموقف من قرار مجلس الأمن يوفر فرصة لأعادة تصحيح مسار التناول المنهجي للقضايا الوطنية العامة كون الجهاز التنفيذي يتبنى موقفا مغايرا للذي تتبناه مجموعات مقدرة في الجهاز التشريعي، كما ان قوى المعارضة تتخذ موقفا أقرب الى الموقف الرسمي. وليس هناك ما يمنع من طرح القضية للنقاش العام رغم ان السودان أعلن رسميا قبوله بالقرار، الا ان التفاصيل والمفاوضات التي يفترض أن تجري تتيح هامشا للحوار وتبادل الرأي بما يمكن أن يعزز في نهاية الأمر من الموقف التفاوضي للبلاد خاصة اذا أستصحب معه قوى المعارضة بما يعطي اشارات مطلوبة عن وحدة الجبهة الداخلية.
وهذا ما ينقل النقاش الى جانبه السياسي، فأكبر حاجز أمام المؤامرات والتعامل مع العالم الخارجي بمؤسساته أنما يتمثل في وحدة الجبهة الداخلية لا قوة المنطق فقط. فالقضايا لا تكسب في مسرح السياسة الدولية بعدالتها أو قوة منطقها، وأنما بتماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على حشد أمكاناتها خلف أهداف متفق عليها، وهو ما يعطي ما جرى في هجليج أهمية أستثنائية.
فعملية أنفصال الجنوب أدت الى خروج أكبر أنجازين حققتهما الأنقاذ من المعادلة وهما السلام والنفط مما أدى الى اشتعال الحرب مرة أخرى مصحوبة بصدمة أقتصادية لم يجر الأستعداد لها مسبقا علما ان الكتابة كانت واضحة على الجدران كما يقول الفرنجة، لكن دخول قوات الحركة الشعبية  الى هجليج أدى الى رد فعل قوي تلقائي ومعاكس تجاوز النظام القائم والرأي فيه الى الوطن وضرورة مساندته بعيدا عن العصبيات السياسية، لأن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها السودان الى مواجهة عسكرية تصل الى حد الأشتباك في معارك مع دولة أجنبية.
ورغم الألتفاف حول قضية هجليج، الا ان ما جرى فتح من ناحية أخرى كوة وفرصة لتناول قضية الشرعية المزمنة وغيابها وهي التي قعدت بالدولة السودانية بمختلف تقلباتها عبر الأنظمة المدنية والعسكرية ولم تفلح البرلمانات الثلاث على قصرها في التأسيس لها ولا الأنظمة العسكرية المتطاولة في حسمها عبر أنجاز سياسي أو عسكري أو أقتصادي بما يعطيها قبولا عاما وسط الناس. فهذا هو المنبع الذي تشكلت و لاتزال تتشكل فيه كل أزمات السودان، ولن يكون مفيدا تناول ظواهر الأمور والأقتصار عليها فقط، الأمر الذي يعيد أنتاج الأزمة مرة أثر أخرى.
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]