عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رقمان يلفتان النظر في الكتاب الأحصائي لشركة بي.بي لعام 2009 الصادر في العاشر من الشهر الحالي، أحدهما يتعلق بالسودان والآخر عالمي، وبينهما أكثر من علاقة. (بي.بي أشارة الى شركة بريتش بتروليوم وحافظت على الحرفين الأولين بعد تغيير أسمهما الى ما وراء البترول). الكتاب الذي يعتبر من المصادر المهمة الخاصة بالصناعة النفطية في العالم، وضع حجم الأحتياطي النفطي المؤكد في السودان في حدود ستة مليارات و 700 مليون برميل في نهاية العام الماضي وهو نفس الرقم الخاص بحجم الأحتياطي المؤكد الذي كان عليه في العامين السابقين، مما يشير الى استمرار التعويض عن الأنتاج المستخرج بالأكتشافات الجديدة والحفاظ على معدل الأحتياطي رغم المتاعب التي تحيط بالصناعة النفطية السودانية.

 

أما الرقم الثاني فيتعلق بالأستهلاك العالمي للطاقة حيث تخلفت ولأول مرة في التاريخ نسبة أستهلاك الدول الصناعية الكبرى التي تضمها منظمة التنمية والتعاون الأقتصادي وتقدمت عليها مجموعة الدول خارجها التي أصبح نصيبها أكثر من 51 في المائة. وتتصدر هذه المجموعة الصين. وبما ان الطاقة تعتبر من أفضل المؤشرات على النشاط الأقتصادي، فأن أنتقال الثقل الأستهلاكي النفطي يعطي أشارة الى نوع التحولات التي تشهدها الساحة الدولية بكل أبعادها الأستراتيجية.  

 

ولم يتأخر ورود الأشارات الدالة على هذه التحولات. فبعد بضعة أيام من صدور التقرير المشار اليه أستضافت روسيا قمة لدول "البريك"، والكلمة منحوتة من الأحرف الأولى باللغة الأنجليزية للبرازيل، روسيا، الهند والصين. وهذا التجمع بدأ يتحدث بلهجة مختلفة لم يعهدها العالم من قبل مستفيدة من حقيقة ان أقتصاداتها بدأت في الأنتعاش والخروج من عباءة الأزمة المالية قبل رصيفاتها الغربية. فدول "البريك" الأربعة أصبحت تطالب بدور أكبر في صنع السياسة العالمية كما نادت بضرورة أصلاح صندوق النقد الدولي، وعبرت عن رغبتها في تحويل بعض أحتياطياتها بالعملات الصعبة، أو الدولار بصورة رئيسية، الى سندات صندوق النقد.

 

فللصين وحدها مشتروات من سندات الخزانة الأمريكية بقيمة ترليون دولار، وبعد الأزمة المالية الأخيرة تحدث المسؤولون الصينيون بجرأة عن أنهم يريدون تأكيدات انهم لا يحتفظون بأوراق لا قيمة لها. والصورة أتضحت أمام العالم ان القطب الوحيد بدأ رحلة الأنحدار لأنه ببساطة ينفق أكثر مما ينتج وأنه يعتمد على الأقتراض الخارجي لسد العجز.  

 

مع بروز الصين قوة مؤثرة على المسرح العالمي في طريقها لتجاوز منافسيها الغربيين يبدو السودان وكأنه أتخذ القرار السليم بالأتجاه شرقا منذ مطلع العقد الماضي، رغم ان ذلك القرار جاء أضطرارا أكثر منه أختيارا بسبب سد منافذ التعامل الديبلوماسي والأقتصادي الغربي أمام نظام الأنقاذ الذي أنقلب على حكومة ديمقراطية وشهدت بدايات عهده تصاعدا في وتيرة الحرب الأهلية في جنوب البلاد.

 

العلاقة الأستراتيجية التي بدأت في ميدان النفط دخلت مرحلة جديدة بالدخول الى مجال الزراعة وذلك عبر مذكرات التفاهم السبع التي تم التوقيع عليها الأسبوع الماضي ويتوقع أكتمال توقيعها بصورة نهائية في خواتيم هذا العام.

 

ومع هذه التحولات، الا انه من المبكر جدا أصدار شهادة بوفاة التأثير الغربي في الساحة العالمية سياسة وأقتصادا وتقنية. فما يجري يعتبر في أفضل الأحوال من مؤشرات مرحلة أنتقالية ليس واضحا متى تكتمل، وأهم من ذلك انها تكون مصحوبة بالكثير من الصراع والعنف بين القوى البازغة وتلك التي على طريق الأنحدار.

 

ثم ان فترة الهيمنة الغربية تبلورت في نهاية الأمر في مجموعة من القيم مثل حقوق الأنسان، والتداول السلمي للسلطة والحريات وغيرها، التي أصبحت قيما أنسانية كونية أسهمت فيها مختلف الحضارات والثقافات بصورة ما، لذا فمن خطل الرأي التركيز على أستخدامها السىء من قبل بعض الممارسات الغربية لتبرير التدخل في شؤون الآخرين للطعن في هذه القيم وحاجة مختلف المجتمعات لها لأنها تسمح بالتطور السلمي الطبيعي الذي يوازن بين حاجات الفرد والمجتمع ويحد الطريق أمام تفرد بعض المؤسسات بالسلطة، وفوق هذا آلية تصحيح المسار أو تجديد الثقة عبر صندوق الأنتخابات كل بضع سنوات. هذا الى جانب الأسهام الغربي في ميدان رفع القدرات وبناء مؤسسات المجتمع المدني كما هو حادث حاليا في الأعداد للأنتخابات.

 

يبقى القول ان الدخول الصيني بصورة أستراتيجية في الميدان الزراعي يمثل تحديا كبيرا للسودان وللأسلوب التقليدي الذي تدار به الأمور. فعلى غير الساحة النفطية حيث العمل محكوم بتكثيف الأستخدام التقني والأستثمار المالي مما يجعله محصورا في دائرة ضيقة، فأن الميدان الزراعي هو المجال الأرحب، الذي يوفر فرص عمالة لقطاعات كبيرة من السكان. لكن النقلة المتوقعة ستفرض طرح قضايا مثل ثقافة الأنضباط في العمل ورفع الأنتاجية وترتيب الأولويات وحشد الطاقات لتحقيق النتائج المخطط لها الى غير ذلك من قضايا ظلت غائبة عن ساحات النقاش الجاد الذي يتبعه التنفيذ.

 

أن من أكبر الكوارث الناجمة عن حالة الأحتراب وعدم الأستقرار السياسي طوال العقود الماضية تركيز الجهد على المناطحة مع النظام القائم بصورة تعيد الى الأذهان شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. ولهذا فما أن يحدث شىء من الأنفراج وتتراجع حالة المجابهة حتى تتجلى عورات القصور في مختلف صورها. يصدق هذا على الأحزاب السياسية في حالة تشظياتها المتتالية وفي الصحافة وبروز ضعفها المهني وغيرها. والدور الآن على القصور في الأداء السوداني العام الذي يمكن أن تكشف عن مثالبه الشراكة الصينية المقبلة في الميدان الزراعي، وهو ما يحتاج الى مجابهة صريحة وراشدة.

 يروي أحد الذين عملوا في النظام المايوي في فترته الأولى أنه أقتنى مزرعة في أطراف الخرطوم وقام بتشغيل ثلاثة من المصريين فيها الى جانب المزارعين السودانيين. وفي أحد أعياد مايو ذهب لزيارة مزرعته تلك، وكان قد تم أعفاءه من موقعه الرسمي. وعندما وصل وجد العمال المصريين فقط في المزرعة، وعندما سألهم عن رفقاهم السودانيين، قالوا له ان الرئيس أنور السادات سيصل اليوم الى مطار الخرطوم وان السودانيين ذهبوا الى أستقباله!