في الحادي عشر من هذا الشهر شهد الأيجاز الصحافي اليومي في وزارة الخارجية الأمريكية تبادلا في الأسئلة والأجوبة بين فيكتوريا لولاند المتحدثة الرسمية بأسم الخارجية وأحد الصحافيين فيما يتعلق بالسودان يستحق التسجيل:
سؤال: أنتم تتحدثون عن أدانة للجيش الشعبي اليوم؟
فيكتوريا: نعم
سؤال: وهذا أمر غير معهود؟
فيكتوريا: نعم
سؤال: هل اكتشفت الولايات المتحدة خطأ مساندتها المتواصلة للجيش الشعبي وجنوب السودان لسنوات عديدة، وأتضح انه لا يمكن الوثوق بهم للألتزام بالأتفاقيات المبرمة؟
مجرد طرح هذه الأسئلة في منبر مثل الخارجية الأمريكية يشير الى شىء من التحول أحدثته خطوة حكومة الجنوب بأحتلالها منطقة هجليج، وهو ما وجد صدى له في بيانات الأدانة للخطوة من الأتحاد الأفريقي والخارجية الأمريكية ومجلس الأمن والأتحاد الأوروبي. فلفترة طويلة تمتعت الحركة الشعبية بتعاطف على أساس انها تمثل الطرف المعتدى عليه في الحرب الأهلية، لكن جاء التصعيد عبر خطوة احتلال هجليج لتحدث نقلة وتضع الدولة الحديثة التي لم تكمل عاما بعد وقيادتها السياسية في مواجهة مع المجتمع الدولي.
بغض النظر عن تفسير خطوة جوبا واذا كانت لا تزال تعيش في ذهنية الحركة المتمردة التي يمكنها أحتلال أي منطقة جغرافية، فأن ما جرى يعتبر أول هجوم عسكري وأحتلال لمنطقة جغرافية لجزء من السودان مما أستدعى مواجهة سياسية وعسكرية. فحتى حلايب لم تشهد مثل هذه المواجهة، ويعود ذلك الى أن أحتلال هجليج ضرب على وتر حساس وهو أستهداف الوطن، الأمر الذي دفع حتى بالكثير من القوى المعارضة الى الأصطفاف وأدانة العدوان. وسيعطي القوات المسلحة دافعا أضافيا للقتال وهو الدفاع عن أراضي الوطن المعتدى عليه، بينما في السابق كان القتال بين أبناء الوطن الواحد بسبب خلاف سياسي.
على ان الأدانات الدولية لن تكفي وحدها لحسم الموقف. فالقانون الدولي في نهاية الأمر غطاء لتوازن القوى على الأرض. ويحتاج السودان الى الحفاظ على التعاطف الديبلوماسي الذي حصل عليه حتى الأن ومن ثم تطويره عبر نقل البيانات الرئاسية من مجلس الأمن مثلا الى قرارات ملزمة ومن ثم توفير الأطار السياسي الذي يساعده على حسم الأعتداء، لكن هذا الحسم يحتاج أولا وأخيرا الى جبهة داخلية تجمعها قواسم مشتركة في أطار الوطن والعمل السلمي مع حق الأختلاف في أي قضية كانت. فهذا التنوع والأختلاف هو الذي يقوي من الجبهة الداخلية، لا الوحدة المتوهمة عبر خط أو برنامج سياسي واحد ومفروض مهما أدعى من وجود أغلبية الى جانبه. ومن هنا فأن أنطلاق صيحات التخوين لمن يتبنون مواقف مختلفة لا يخدم هذا الهدف، وأنما ينبغي أن يتركوا للمحاسبة السياسية شعبيا.
الأعتداء على هجليج أعاد الى مقدمة المشهد مرة أخرى الجدل حول الهوية واذا كان من المطلوب التركيز على البعد الديني في المواجهة على أساس انه الأقدر على تجييش المشاعر ووضع الصراع في أطار انه يستهدف هوية البلاد الأسلامية والعربية، أم أعلاء الراية الوطنية على أساس استهداف الوطن بمختلف مكوناته الدينية والثقافية، كما ان النظام السياسي فيه يقوم على أساس المواطنة رغم اللافتة الأسلاموية المرفوعة.
ولفت نظري في هذا الصدد مقال منشور في عدد الثالث من أبريل الحالي في مجلة "الشؤون الخارجية" الأمريكية للدكتور أندرو بريستون أستاذ التاريخ في جامعة كمبردج تحت عنوان: "الأله، بوش وأوباما" تناول فيه الجانب الديني في السياسة الأمريكية. وقال بريستون انه الى وقت قريب كان المثقفون ينظرون الى الحداثة على أساس انها تقود في نهاية الأمر الى عالم أقل تدينا، وان الأرث الثقافي لكارل ماركس وماكس ويبر وسيجموند فرويد، بل وعلماء الأجتماع الأمريكيين أمثال والت روستو ودانييل بيل توقعوا تراجع دور الدين مع تقدم الحداثة.
لكن بريستون يقول ان التطورات التي يشهدها العالم اليوم تعارض هذا النوع من التفكير. فمجموعة الدول التي تتجه الى تولي القيادة الأقتصادية في العالم المعروفة أختصارا بأسم "بريك" وهي الصين والهند وروسيا والبرازيل تتسارع خطاها نحو الأيمان الديني، وحتى في أفريقيا ودول مثل كوريا الجنوبية بدأت تبرز أتجاهات دينية أكثر محافظة وراديكالية. بل ان هذه التوجهات وجدت طريقها الى السياسة الأمريكية رغم أعتبارها الفصل بين الدين والدولة أحد ثوابت النظام السياسي. ويمضي الكاتب قدما مستشهدا بمقولات لجورج بوش وبعده باراك أوباما عن أن حرية التعبير تتضمن أيضا حرية العبادة، وان الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ الى أستعمال القوة لنشر السلام والعدالة في عالم تسوده الخطيئة. ويضيف الكاتب أن جذور هذا التوجه تعود الى الرئيس فرنكلين روزفلت الذي كان يرغب في مشاركة بلاده في الحرب العالمية الثانية ضد المانيا واليابان، لكنه كان مواجها بمشاعر انعزالية طاغية وعدم رغبة من الرأي العام الأمريكي في الأنشغال بما يجري في العالم القديم من متاعب وحروب. وكان أن لجأ روزفلت الى الدين قائلا انه بدون حرية دينية لا توجد ديمقراطية، وبدون ديمقراطية لن يكون هناك سلام عالمي. وبهذا تمكن من تصوير المانيا واليابان على أساس انهما معاديتان للسلام العالمي لعدم سماحهما بالحرية الدينية، وهو أمر كان يمكن تسويقه بسهولة للجمهور الأمريكي والحصول منه في النهاية على موافقة للمشاركة في الحرب الى جانب الحلفاء.
هذه مناسبة لتجاوز متقابلات الوطنية والدينية وفرصة لتنزيل مفهوم الدول المدنية الذي يتداوله الأسلامويون على أرض الواقع. فالوطن ليس قيمة عاطفية مجردة فقط أو محتوى لشعور ديني يستوجب أعلان الجهاد عند الخطر، وأنما أهم من ذلك شعور بالأنتماء للفرد قبل الجماعة تؤطرها منظومة من الحقوق والواجبات، الأمر الذي يتطلب أجراءات هيكلية في المشهد العام للبلاد تطال بداية قضية الحرية وأعادة أستيعاب القوى السياسية بصورة تتجاوز نوع المشاركة الذي تعبر عنه الحكومة الحالية ولا تسجل اضافة سياسية تذكر. وفي المناخات التي أفرزتها واقعة أحتلال هجليج ما يمثل فرصة للمؤتمر الوطني لأحداث نقلة نوعية في المشهد السياسي ابتداءا من أعلاء راية المحاسبة تجاه ما حدث بالفعل، وهي محاسبة قد يرى البعض تأجيها حتى تحرير هجليج، لكن المهم أن تجري بصورة علنية عبر تحقيقات مفتوحة ومقنعة للناس.  

Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]