في الشهر الماضي أصدرت وحدة استخبارات الأيكونومست تقريرا واحدا عن السودان وجنوب السودان. التقرير قال انه بأنفصال جنوب السودان في دولة مستقلة، فأن الأوفق نشر تقرير منفصل، لكن نسبة لعدم أكتمال بنيات الدولة الجديدة وعدم وجود أرقام منفصلة يمكن الأعتماد عليها فسيظل التقرير موحدا يغطي البلدين.
هذا الأرتباط عبر التقرير الموحد يشير في واقع الأمر الى أن ما يجمع البلدين يظل أكبر ويفرض على قيادتيهما النظر برؤية رجل الدولة القادر على تجاوز التكتيكي ووضع السلام والتعايش بين الشعبين هدفا أستراتيجيا خدمة لأي أهداف خاصة بأي منهما. فليست هناك بيئة أكثر مواءمة من السلام لمن يريد نشر الثقافة العربية والأسلامية من أهل الشمال، وليست هناك بيئة أكثر مواءمة للتغيير الديمقراطي من تحجيم البندقية، ويكفي ان سنوات أتفاقية السلام أنتجت مخاضا تعيشه كل الأحزاب بما فيها المؤتمر الوطني الحاكم، وذلك لأول مرة في تاريخ السودان. فالتجرية الديمقراطية تنمو ويشتد عودها بالممارسة التي تبدأ في مكوناتها الحزبية التي تحتاج الى الصراع والمدافعة وبناء تقاليد سماع الصوت الآخر والأهتمام بالقاعدة حتى تؤسس لذات المنطلقات على المستوى القومي. فالأحساس الحقيقي أو المتوهم بالخطر هو الذي يغلق منافذ التغيير مع سيادة شعارات وعقليات لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. 
في تقرير الأيكونومست المشار اليه تحليل سياسي يقول ان المؤتمر الوطني سيظل قوة سياسية مهيمنة في السودان رغم المتاعب الأقتصادية التي حددها التقرير في خسارة 75 في المائة من أحتياطيات النفط المعروفة وان الأداء الأقتصادي قد يشهد تراجعا بأكبر مما كان متوقعا ليصل الى ناقص (9.4) في المائة، كما ان نسبة التضخم ستتصاعد الى قرابة ( 19) في المائة. وسيساعد هذا على زيادة مناخات الأحباط وعدم الرضى السياسي. من جانبها فان الحركة الشعبية ستظل متمتعة بأحتكار للمشهد السياسي في جنوب السودان بصورة شبه كاملة رغم التحديات التي تواجهها من بعض المجموعات المتمردة والصراعات القبلية.
هذا الواقع الأقتصادي الذي يمكن أن يترجم سياسيا هو الدافع الرئيس وراء ما يجري في جنوب كردفان والنيل الأزرق، لكن الجديد ورود تقارير من مؤسسات عالمية عن ضلوع جنوب السودان فيما تشهده مسارح هاتين الولايتين. فهناك تقرير صدر هذا الشهر عن المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في سويسرا تحت عنوان: (الوصول الى البندقية: أمتلاك وتدفق الأسلحة في جنوب السودان) يرسم صورة تفصيلية عن علاقة الحركة الشعبية في الشمال بالحركة الأم في جنوب السودان. ويقول انه رغم الأعلان في فبراير من العام الماضي عن فصل القيادتين، الا ان الشواهد التي جمعها التقرير تدل على وجود تعاون وثيق بين الأثنين مع وجود الفرقتين التاسعة في جنوب كردفان والعاشرة في النيل الأزرق وبهما ما يقدر بنحو 20 ألفا من المقاتلين، حيث تم تزويدهم في الفترة بين مارس ومايو من العام الماضي بدبابات (تي-55) و (تي-72) ومدافع 120 ملم هورووتز والمورترز الى جانب كميات ضخمة من الذخيرة وذلك تحسبا لأندلاع النزاع.
ويذهب التقرير الى القول انه في أكتوبر الماضي شوهدت عناصر من الفرقتين في جوبا لتسلم دفعيات مالية تغطي مرتبات الجنود، كما يضيف ان ستا من فرق الجيش الشعبي العشر في الجنوب أما تشارك بصورة مباشرة في القتال أو في تهريب الأسلحة عبر الحدود الى المقاتلين في جنوب كردفان والنيل الأزرق.
ويختتم التقرير بالقول انه مع أحتمال ألا تكون جوبا مسيطرة على التحركات على الحدود، الا ان أمرا واحدا يبدو مؤكدا ان الأنفصال الذي يفترض أن يكون قد تم بين الحركة الشعبية في الشمال والجنوب لم يجد طريقه على الأرض في جانب الجيش الشعبي تحديدا.  
ولعل هذا الواقع هوالذي دفع بالرئيس الأمريكي باراك أوباما الى الأتصال برئيس دولة الجنوب سلفا كير في الثاني من هذا الشهر وبث بيان صحافي متضمنا طلب أوباما من سلفا ضرورة أن يمارس الجيش الشعبي أقصى درجات الأنضباط والا ينخرط في القتال عبر الحدود خاصة في جنوب كردفان، كما أكد على ضرورة توصل جنوب السودان والسودان الى أتفاق بخصوص ملف النفط. وهذا ما يعيدنا الى تقرير الأيكونومست الذي قال ان أستمرار أغلاق أنتاج النفط لفترة طويلة ستكون له آثار درامية على الدولتين، لكن التأثير الأكبر سيقع على جنوب السودان. ولهذا ترى وحدة الأيكونومست الا مفر من الترابط الأقتصادي بين البلدين أبتدءا من الملف النفطي حيث حقائق الجغرافيا والجيولوجيا تفرض تعاونا يمكن أن تنداح آثاره الى مجالات أخرى والتعامل مع الحدود بمرونة لتصبح فرصا للسلام لا منطلقا للحروب والصراعات.
تقرير المعهد السويسري يختتم بنصيحة غالية ان أستراتيجية الحرب بالوكالة استراتيجية قصيرة النظر، وان لها تداعياتها على المدى البعيد اذ انها تسهم، حتى وأن لم ترغب، في أنشاء مراكز قوى جديدة لا يمكن السيطرة عليها فيما بعد. وفي تجارب السودان في التسليح القبلي لمواجهة الحركة الشعبية سجل مفتوح لمن يريد أن يقرأ ويتجنب ذات المالآت مرة أخرى سواء في السودان أو في دولة جنوب السودان الناشئة.
وهذا ما يعيد الحديث الى الجانب السياسي وضرورة قيام السودان أيلاء هذا الجانب ما يستحقه من أهتمام مع عدم أهمال الجانب الأمني. ومع ان في تجربة السودان مع تشاد دروسا في كيف يمكن للجانب السياسي المساعدة في الجانب الأمني، الا ان الوضع في جنوب كردفان والنيل الأزرق يختلف من ناحية ان هناك ظلامات حقيقية برزت بصورة واضحة منذ خمسينيات القرن الماضي ولم يتم التعامل معها بالجدية اللازمة حتى تحولت الى تمرد مسلح، وأن صمود التمرد عشرين عاما وحتى في أصعب الأوقات عندما أنقسمت الحركة الشعبية يؤكد على حقيقة وجود الأسباب المحلية التي لابد من خطابها بصورة تتجاوز تبسيط ان ما يجري في جنوب كردفان مجرد مخلب قط في يد جوبا. ويظهر هذا في انه عندما شح المدد والعون بسبب أنقسام الحركة الشعبية في مطلع عقد التسعينات أضطرت الى الأعتماد على نفسها وأقامت لها أدارة مدنية تجاوزت بها أداء الحركة الأم.


Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]