يؤثر عن الزعيم الراحل أسماعيل الأزهري قوله ان أستقلال السودان جاء مثل الصحن الصيني النظيف لا شق و لا طق. و لأعتزازه ورفقاءه بذلك الأنجاز رفضوا أي صلة بأنجلترا ولو عن طريق الكومونولث. العلاقة بين السودان وجنوب السودان قطعا ليست مثل تلك التي كانت بينه وبين أنجلترا، لكن لا يمكن الأستهانة بجيشان المشاعر المتمثل في النسبة العالية شبه الكلية للذين صوتوا من أجل الأنفصال وللمظاهرات التي خرجت مؤيدة لقرار وقف أنتاج النفط، الذي صورته قيادة الحركة الشعبية على أساس انه "تحرير أقتصادي" يتبع التحرير السياسي الذي أنجز في يوليو الماضي.
ليس من المفيد أنتظار ما تحدثت عنه مجلة الأيكونومست في عددها الأخير ان هذا الدعم الشعبي لقرار وقف انتاج النفط لن يستمر طويلا. وحبذا لو تجنب الساسة والأعلاميون في السودان الحديث عن متاعب الجنوب وانفلات حالة الأمن أو كيف انه لن يستطيع بناء خط الأنابيب أو الترويج لبعض القيادات المناوئة للحركة الشعبية. فمتاعب الجنوب هي عبارة عن شوكه الذي عليه أن يقتلعه بأيديه. ولن تفيدنا الشماتة نحو الجنوب في مواجهة ركام المشاكل التي تواجهنا. والى هذه ينبغي أن يتجه الجهد والفكر.
والمشاكل عديدة، بعضها نتج عن الأنفصال وسوء ادارة الملف مما نتج عنه الموقف الحالي من ذهاب وحدة البلاد وعدم تحقيق السلام وبعضها متمركز وموجود في بنية العمل السياسي والتنفيذي السوداني بصورة عامة.
ومع التركيز على ذهاب ثلثي أحتياطيات البلاد من النفط الى جنوب السودان وتأثير ذلك على الأنتاج وكميات الصادر ومن ثم عائدات البلاد من العملات الصعبة، الا ان هناك جانبا آخر أكثر أهمية وحيوية لا يتم التطرق اليه كثيرا، وهو ان الأنفصال أعاد السودان الى المرحلة الأولى في ملف النفط، أي قضية تأمين الأمدادات. فهذه القضية برزت بصورة واضحة منذ ثمانينات القرن الماضي والذاكرة لا تزال عامرة بصفوف العربات أمام محطات تعبئة الوقود، وذلك بسبب عجز الدولة عن تأمين احتياجات الاستهلاك المحلي، وهو عجز وصل الى قمته ان السودان لم يستطع الأستفادة من الأنهيار الكبير الذي شهده سعر برميل النفط بسبب لجوءه الى القروض القصيرة  الأجل بفوائدها العالية التي غطت حتى على الأنخفاض الكبير في أسعار النفط الذي شهدته تلك الفترة.
دخول السودان مرحلة الأنتاج والتصدير قفل ملف الأمدادات هذا طوال فترة الأثني عشر عاما الماضية، ويمكن أطلاق عنان الخيال في محاولة للأجابة على سؤال حول ما سيكون عليه حال البلاد في ظروفها السياسية والأقتصادية المعروفة لو لم يتم أستخراج النفط وقد تصاعد سعر البرميل ليتجاوز المائة دولار.
حاليا ينتج السودان نحو 115 ألف برميل يوميا تكفي للأستهلاك المحلي نظريا، وذلك على أساس ان كل هذه الكمية ليست مملوكة للبلاد، وانما للشركات نصيب. لكن أتفاقيات قسمة الأنتاج تعطي الحكومة حق الحصول على تلك الكميات لمقابلة أحتياجات الأستهلاك المحلية. ولهذا يعتبر برنامج تسريع الأنتاج خاصة في مربعي (6) و (17) في بعض ولايات كردفان ودارفور من أولى الأولويات لتأمين وضع الأمدادات لمواجهة الأحتياجات المحلية بنهاية هذا العام أو مطلع العام المقبل.
هل سينتهي الوضع بتكرار ذات السيناريو الذي شهده السودان في أواخر تسعينات القرن الماضي عندما نجح في أنجاز الخيار الأمثل المتمثل في البدء بتصدير النفط في ذات الوقت الذي تمكن فيه من مقابلة احتياجات السوق المحلية؟ هناك أحتمال كبير في حدوث ذلك بمرور الوقت نسبة للخبرة المتراكمة من ناحية والمعلومات الفنية التي أصبحت متاحة لوزارة البترول من الناحية الأخرى. وكمثال على هذا مربع (14) على الحدود المصرية شمالا والليبية غربا وهو من المربعات الستة التي طرحت للمستثمرين مؤخرا، حيث تم تقسيم المنطقة الممتدة بين الأقليم الشمالي والبحر الأحمر الى مربعين (14) و (18) بسبب المعلومات الفنية المتوفرة، ويلقى الأول أهتماما كبيرا من الشركات الراغبة، وهو ما سيتضح بصورة جلية خلال الشهرين المقبلين عندما تعلن الشركات الفائزة بالمربعات.
أنفصال الجنوب بتأثيراته النفطية أدى الى معالجة للقضية المثارة عن المرض الهولندي ولعنة النفط التي أثرت سلبا على القطاعات الأنتاجية الأخرى في البلاد من زراعية وغيرها.، لكنها معالجة أجبارية لم تكن نتاج مراجعة للمنهج السائد في أتخاذ القرارات ووضعها على طريق التنفيذ دون تمحيص للبدائل والخيارات الأخرى في أطار نقاش عام سياسي وأقتصادي ومهني مفتوح.
وكمثال على هذا مشروع تعلية خزان الروصيرص الذي يجري تنفيذه حاليا وقد يكتمل العام المقبل بكلفة تقارب 600 مليون دولار، لكن بعض الخبراء مثل الدكتور مهندس محمد الأمين محمد نور يرون انه ليس أولوية بعد أستكمال خزان مروي، أذ يقول في ورقة منشورة في مطلع العام 2008 انه بسبب توقف زراعة القطن طويل التيلة في المشاريع الكبرى أنعدم المبرر لتعلية الروصيرص لأغراض زراعية في المدى القريب، كما ان التعلية لن تؤمن حصة السودان من المياه، وأنما يؤمنها الأستغلال الفعلي لها، هذا الى جانب ضعف الناتج من الطاقة المائية التي يتوقع أن تكون في حدود 130 ميقاوات فقط، لن تمثل شيئا يذكر بجانب الطاقة المولدة من مروي وتبلغ 1250 ميقاوات، وانه ربما كان من الأوفق أستغلال الجهد والتمويل المتاح في تنفيذ بعض مشروعات الخطة الطويلة الأمد للطاقة الكهربائية خاصة مشاريع الطاقة المائية في منطقتي الشلالين الثالث والخامس، التي يمكن أن تشكل أضافة ومعالجة لمتاعب الطاقة في البلاد، اضافة الى ان تركيز التنمية الزراعية في حوض النيل الأزرق جعل هذه المنطقة تحوز على نحو 60 في المائة من نصيب السودان من مياه النيل، الأمر الذي يحتاج الى اعادة نظر من منطلق التنمية المتوازنة وأعطاء بقية الأقاليم نصيبها وتوفير امكانيات للأستثمار في الطاقة المائية على النيل الرئيسي.
هذا الرأي لا يشكل القول الفصل قطعا في قضايا أستغلال الماء للزراعة والطاقة، لكنه يطرح بدائل جديرة بالأنتباه والنقاش، وهو يصب في خانة السياسة وضرورة أيجاد المناخ الحر المنفتح على الجدال الحر والرأي الآخر، وتجاوز حالة النظر الى الذات المنعكسة في المرآة الى مرايا أخرى متعددة.   

Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]