التصعيد الأخير بين دولتي السودان وجنوب السودان  خاصة في الملف النفطي وضع حلفاء الطرفين في موقف حرج وخيارات بين الضغط الصريح لدفعهما نحو التصرف بمسؤولية وعقلانية أكبر ولو من باب تخفيف العبء على هؤلاء الحلفاء أو الأنسحاب تدريجيا من الأهتمام بالشأن السوداني بكل ما يعنيه ذلك من أحتمال كبير لأنجراف الدولتين نحو حرب مباشرة تؤدي الى حالة من عدم الأستقرار تنعكس على الأقليم بمجمله.
فالتوجه شرقا الذي بدأته الأنقاذ وأكتسب له عمقا أقتصاديا وأستراتيجيا مع الصين تحديدا يمر بفترة أختبار وتساؤل عن أمكانية أستمراره مع أضمحلال البعد النفطي في الوقت الحالي على الأقل، وأتجاه منطقة الحدود بين البلدين أن تصبح نقطة أشتعال وحرب بالوكالة أكثر منها نموذجا للتعايش والترابط، أو أن تلك العلاقة ستصمد بسبب التوسع في المجالات الأقتصادية الأخرى من مشاريع الكهرباء والسدود والطرق والزراعة وغيرها مستندة الى حقيقة ان السودان شكل معبرا للأستثمارات الصينية الى أفريقيا وشاهدا على نجاحها. ويكفي ان السودان أستضاف أول مصفاة تكرير خارجية بنتها الصين وأول مشروع انشاءات كبرى ممثلا في سد مروي. هذا بالطبع الى جانب الدعم السياسي، الذي جعل من بكين أهم حلفاء الخرطوم على الساحة الدولية.
لكن مع ان الصين أصبحت أكبر شريك أقتصادي للسودان قبل الأنفصال اذ أستقبلت نحو 76 في المائة من صادراته الممثلة في النفط بصورة رئيسية، الا ان السودان جاء في المرتبة السادسة كمورد للنفط الى السوق الصينية بعد السعودية، وأنجولا وأيران وعمان وروسيا. وتبلغ نسبة الأمدادات النفطية السودانية ما يقل عن 6 في المائة من أجمالي الواردات النفطية الصينية. وهذا ما يضع خيارا أمام بكين في كيفية موازاة علاقاتها بين الخرطوم وجوبا.
صورة الوضع بالنسبة للسودان قد لا تستغرق كثيرا حتى تتضح أبعادها. ففي وقت ما من شهر مارس أو أبريل المقبلين يفترض أن يبدأ الأعلان عن نتيجة رغبة المستثمرين في المربعات الستة التي طرحتها وزارة النفط السودانية عليهم الشهر الماضي. المعلومات التي توفرت للكاتب أن 53 شركة حضرت جولة العرض تلك ودخلت في أستطلاعات ونقاشات تفصيلية سيتم على ضوءها تقديم عروض. ويبقى المهم معرفة الشركات التي ستبدي رغبتها في الأستثمار في السودان النفطي واذا كانت المربعات الجديدة ستشكل أغراءا مستمرا للصينيين والماليزيين والهنود ومن ثم لسياسة التوجه شرقا أم لا.
أما جنوب السودان فأن قرار أغلاق آبار النفط أبرز ثلاث قضايا الى السطح: أولاهما مدى قوة الحركة الشعبية وسيطرتها على المشهد الداخلي في مواجهة تحديات داخلية تتمثل في مسؤولية أي حكومة عن مواطنيها. فالعنف القبلي سيضاف اليه أزمة مالية يمكن أن تسهم في تعقيد أضافي للوضع الأمني والمشهد السياسي. وثانيها مدى التزام أصدقاءها وحلفاءها بتقديم العون مثلما فعلوا خلال المشوار الطويل الذي قطعته الحركة حتى تحقيق حلمها في الأستقلال بدولة الجنوب، وثالثهما الى أي مدى سيؤدي قرار بناء خط الأنبوب الى أثارة قضية الأرض وملكيتها. فقرار حكومة الجنوب بناء عاصمة جديدة في رامشيل وبعيدا عن جوبا مؤشر على حساسية وتعقيدات قضية الأراضي هذه التي يمكن أن تكتسب لها أبعادا أضافية بسبب خط الأنابيب والطريق التي سيمر بها والقضايا التي ستلحق بها من البيئة والتعويضات وغيرها.
فالتحذيرات التي أطلقها وزير النفط الأتحادي السابق الدكتور لوال دينق ان نفط الجنوب عرضة للتجلط بسبب الأغلاق نسبة لخاصيته الشمعية واقتراحه أن يمد خط الأنابيب عبر جيبوتي بدلا من كينيا ودعوته الى عقد مؤتمر لنقاش البدائل من قبل مختصين يمثل تحديا مبطنا لقرار الأغلاق والتوجه نحو كينيا. لوال أضاف ان الضحية الأولى لقرار الأغلاق ستكون وزارة المالية المطالبة بتوفير الأموال لتتمكن الحكومة من مقابلة التزاماتها. وفي واقع الأمر وعلى قدر متابعتي لقضية أغلاق آبار النفط لم أعثر على شىء محدد حول الكيفية التي ستقوم بها جوبا سد هذه الفجوة المالية الكبيرة.
مستشار الأتحاد الأفريقي اليكس دوال قدر عائدات جوبا من مبيعات النفط شهريا بنحو 650 مليون دولار، وهو رقم من الصعب على أصدقاء الحركة توفيره كما قال في مقال له في صحيفة "نيويورك تايمز" قبيل أنعقاد قمة البشير وسلفا كير في أديس أبابا، وهي القمة التي وصفها انها تمثل الفرصة الأخيرة لأعمال العقل وسحب الطرفين من حافة الهاوية.
مساعد الأمين العام السابق للأمم المتحدة سير جون هولمز، ساند اليكس دوال في الأشارة الى البعد المالي لقرار وقف أنتاج النفط ووصف في مقال له في الصحيفة الأمريكية الألكترونية "هفنغتون بوست" يوم الجمعة الماضي مشروع خط الأنابيب عبر كينيا على أساس انه حلم ويحتاج الى مليارات الدولارات وما بين ثلاث الى أربع سنوات، وان الوضع بمجمله يبدو انه يتجه الى هبوب عاصفة نموذجية بسبب ثلاثية الجوع والعنف القبلي والتصعيد المتبادل في ملف النفط.
هولمز خلص في مقاله الى انه حتى اذا تم تجاوز الأزمة الحالية، فأن على المجتمع الدولي أن يضغط على الخرطوم ويطلب من الحركة أكثر وأفضل، لأن هذا جزءا من المسؤولية التي تتبع الأستقلال.
وهذا فيما يبدو سيكون مربط الفرس فألى أي مدى سيكون للحلفاء الخارجيين تأثير على ما يجري على الواقع المحلي؟ ففي يوليو الماضي نصح المبعوث الأمريكي الخاص للسودان برنستون ليمان الطرفين التوصل الى اتفاق ولو مبدئي بشأن النفط قبل نهاية الشهر، لكن أكثر من خمسة أشهر تصرمت منذ أقتراحه ذلك الذي لم يجد له آذانا صاغية. رصيفه المبعوث الصيني لوي جيان زار كلا من الخرطوم وجوبا في ديسمبر وأقترح على الطرفين التوصل الى اتفاق بشأن النفط قبل أعياد الكريسماس، الأمر الذي لم يحدث بالطبع.
وفي هذا مؤشر على محدودية التأثير الخارجي في وجه فوران وقوة العوامل المحلية للتحرك السياسي العاطفي، التي تحجب الرؤية حتى عن المنطق والمصلحة المباشرة. أقرب مثال لهذه الحالة ما شهده الصومال من قبل. والكثيرون يفزعون بآمالهم الى القول ان السودان ليس مثل الصومال، لكن المجتمع الدولي أعجز من أن ينقذ دولتي السودان وجنوب السودان رغم أنفيهما.  


Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]