للزعيم البريطاني الأسبق هارولد ويلسون عبارة رائجة ان فترة الأسبوع وقت طويل في عالم السياسة. وفي حالة السودان فأن الزمن يزداد طولا وتمددا والحديث عن سنوات ثلاث تبدو حاسمة ومفصلية في تحديد مستقبل البلاد. ويفاقم من تعقيد المشهد ان الطبقة السياسية الحاكمة بتنوعاتها المختلفة تكاد تكون وصلت الى خط النهاية من الناحية البيولوجية ومن ناحية القدرة على العطاء وهو ما يعبر عنه الحراك المتصاعد والمناوىء لها حتى داخل أحزابها ومؤسساتها.
وقد يكون من المفيد بداية الأشارة الى ثلاث قضايا ستكون محور النشاط السياسي خلال فترة السنوات الثلاث المقبلة وهي الدستور والانتخابات العامة المقرر لها العام 2015 وأختيار مرشحي الأحزاب خاصة المؤتمر الوطني بسبب الثقل الذي يشكله في الساحة من ناحية ولأنه من ناحية أهم سيضع على المحك حديث الرئيس عمر البشير عن عدم رغبته في الترشح. فأحتمال التراجع عن هذا الأتجاه وارد لأسباب ثلاثة: عامل المحكمة الجنائية الدولية لأن التجربة العملية أثبتت أن منصب رئاسة الجمهورية يمثل أقوى ضمانة ضدها، وثاني الأسباب انه ومنذ تسلمه السلطة في العام 1989 يبدو البشير في هذه الفترة ويده مطلقة لأول مرة في الحكم دون تنازع جدي من أي جهة كانت. ففي العشرية الأولى من حكم الأنقاذ توزعت السلطة بينه وبين الدكتور حسن الترابي أو ما عرف بصراع القصر والمنشية الى ان أنتهى الأمر بالمفاصلة الشهيرة في العام 1999، على ان المفاصلة لم تكد تنته بتفاصيلها وذيولها المختلفة على مختلف الأصعدة الحزبية والتنفيذية حتى جاءت أتفاقية السلام وبمشاركة للحركة الشعبية في القرار لدرجة أبتداع جسم جديد هو مؤسسة الرئاسة ووجود بعض القضايا لابد من التوصل الى قرار بشأنها من خلال هذه المؤسسة وليس من خلال الرئيس وحده. السبب الثالث يتعلق ببروز المؤسسة الأمنية بصورة عامة والقوات المسلحة تحديدا وثقلها المتنامي في المشهد السياسي، وهو ما يعطي البشير وضعا متميزا ويدفع بأتجاه أستمراره رئيسا لفترة ثانية وذلك بسبب أنتماءه الى المؤسسة العسكرية من ناحية ولخبرته السياسية.
وفي تقديري ان ملف مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة سيكون أهم الملفات التي ستلقي بتأثيرها على مجمل التجربة في السودان واذا كان سيلحق بثورات الربيع العربي في نسخة سودانية جديدة أو يعيد التجارب اليمنية أو الليبية أو السورية بصورة من الصور.
ففي مواجهة تراكمات الأزمات الأقتصادية وأشتعال الحروب مجددا يطرح تحالف كاودا الخيار العسكري وأسقاط النظام بالقوة، وهو خيار قد يكون مغريا لمن يرى انه لا سبيل غير القوة لمواجهة تعنت المؤتمر الوطني وتمترسه في السلطة عبر التمكين طوال أكثر من عقدين من الزمان، لكن على مؤيدي هذا الخيار التخلي عن أحلامهم في أقامة وضع ديمقراطي. فالذي يصل عبر البندقية خاصة اذا كانت ذات بعد شعبي من خلال تجييش وحرب عصابات تكون أولويته الأولى لحملة البندقية الذين أوصلوه الى السلطة ويحتلون فيها مكانة متميزة. لذلك فأن من أولى مظاهر أزمة مثل هذه الأنظمة فشلها في التحول الديمقراطي والأتجاه الى التعددية والحرية السياسية وعجزها عن نزع سلاح الذين أوصلوها الى السلطة وبذر بذور تمردات أخرى وهذا تاريخ معاش آخر نماذجه ما يشهده جنوب السودان حاليا وفي قصة معاناة وكيل وزارة الثقافة الجنوبي الدكتور جوك مادوت مع جنود الجيش الشعبي تلخيص لهذا المشهد، هذا الى جانب الظلال التي تحيط بأرتباطات الحركة الشعبية في الشمال بجنوب السودان، ويظهر هذا في مقال في صحيفة "القارديان" البريطانية يوم الأثنين ان حكومة الجنوب تقدم دفوعات غير مقنعة في عدم صلتها بدعم التمرد في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق رغم ان موقف الخرطوم يفقدها التعاطف.
يبقى الخيار الآخر وهو ليس بالأقل صعوبة لكنه يتميز بأنحيازه الى العمل السلمي، وهو الضغط بأتجاه التغيير في جبهتين: داخل الأحزاب وفي المشهد السياسي العام وقضاياه العديدة والمتشابكة. ولحسن الحظ فأن الفترة الأخيرة شهدت تناميا ملحوظا في الحراك الداخلي وبصورة علنية ربما لم تشهدها هذه الأحزاب من قبل. وتمثل المذكرتان المنسوبتان الى مجموعتين في المؤتمر الوطني أبرز ملامح هذا التحرك. ويبدو ان أولاهما التي نشرت في صحيفة "الأنتباهة" تعبر عن مجموعة من الذين قاتلوا في الجنوب و لا يزال لديهم حنين الى سنوات الأنقاذ الأولى. أما المذكرة الثانية المنشورة في "التيار" فيبدو انها تعبر عن مجموعة من المثقفين والأكاديميين الأسلاميين. وفي المذكرتين نزوع واضح نحو التغيير لكنهما تعانيان من عدم بروز قيادات مستعدة للتصدي والمواجهة. لكن أهم من المذكرتين التحرك الشعبي من الولايات في مواجهة المركز وهو ما يظهر بصورة واضحة في ولايات القضارف ودارفور والبحر الأحمر ويمكن أن يوفر زخما للأتجاه النازع نحو التغيير.
ويفعل هذا التيار خيرا اذا ركز على محور واحد وهو الضغط والعمل على ما ذكره البشير من قبل عن عدم رغبته في الترشيح للرئاسة مجددا الى واقع. فهو لن يدخل في مواجهة ويوفر في ذات الوقت غطاء شعبيا مطلوبا للقرار المأمول مما يفتح الباب فعلا أمام التغيير ويوفر فرصة أن يتم بصورة أقل فوضوية. ونفس الشىء يمكن أن يحدث في أحزاب الأمة والأتحادي الديمقراطي والشعبي والشيوعي، التي تواجه بدرجات متفاوتة قضايا أختيار قيادات لها لأسباب تتعلق بعامل السن قبل أي شىء آخر. وفي التجربة اليمنية التي تجرعت غصص أصدار ضمانات برلمانية وقانونية للرئيس علي عبدالله صالح كي يترك السلطة والوصول الى مرشح توافقي لخوض أنتخابات الرئاسة ما يستحق التمحص والنظر الجدي اليه. فالنقطة الأساسية تتمثل في الحفاظ على الخيار السلمي الذي يسمح بالصراع السياسي وتلاقح الإفكار.  
الضغط الشعبي وعبر القواعد الحزبية من أجل أستبدال قياداتها تمثل البوابة الرئيسية للتغيير وبرنامجا للعمل السياسي بدلا من حالة الأحباط والتفرج السائدة حاليا. والتغيير في قيادات هذه الأحزاب أبتدءا بالمؤتمر الوطني يمكن أن يفتح بوابة التغيير لمواجهة قضايا البلاد الكثيرة والمعقدة أنطلاقا من الأتفاق على مبادىء دستورية متفق عليها شعبيا يمكن على هديها أن تجري أنتخابات تعددية حقيقية تحظى بقبول من الخاسرين فيها قبل الفائزين.

Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]