قبل أن تستقر عبارة الجمهورية الثانية على مفهوم معين، بل حتى وقبل الأعلان الرسمي عن قيامها أندلعت الحرب في جنوب كردفان، وكأنها تستعيد سيرة الجمهورية الأولى التي شهدت حربها قبل أن تكتحل عيناها بجلاء المستعمر وتدشين عضويتها في نادي الدول المستقلة. ولم تمض بضعة أشهر الا ولحقت الحرب برفيقتها في النيل الأزرق معيدة بصورة ما قضايا البناء الوطني الى الواجهة مرة أخرى.
متاعب قضايا البناء الوطني ليست خاصة بالسودان، والثورات التي شهدتها المنطقة العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية مؤشر على ذك خاصة وهي لم تستقر بعد على ترتيبات سياسية وأقتصادية، وأهم من هذا انها فتحت الباب على مصراعيه للتعرف على تيارات متباينة ومتصارعة كانت تموج تحت سطح مجتمعاتها. وبسبب قمع الأنظمة السابقة تم تحجيم هذه التيارات وأظهار قدر من الأستقرار الزائف أسهمت الأنتفاضات الشعبية المشار اليها في تعريته ومن ثم برزت قوى أخرى على السطح لتطرح أسئلة عديدة كانت غائبة أو مغيبة عن قضايا البناء الوطني، والدور الذي تقوم به النخب والقواعد الشعبية ببرامجها وتوجهاتها السياسية المختلفة.
بل ان قضايا البناء الوطني طالت حتى الدول المستقرة وأسهم تيار العولمة الطاغي في أحياءها كما وفرت الأزمة الأقتصادية التي ألقت بظلالها على كل ركن في العالم البيئة الحاضنة ومن ثم بدأت تتفتح شتلات الهموم الوطنية رغم النسيج القومي الطاغي ظاهريا. وآخر الواصلين الى هذه المرحلة وللغرابة المملكة المتحدة، حيث بدأت لندن تستشعر خطرا حقيقيا من تصاعد مطالبة الأسكتلنديين بالأنفصال. وفي النتائج الأنتخابية التي حققها الحزب القومي الأسكتلندي مؤخرا ما يشير الى تنام واضح لهذا التيار لدرجة أن الحديث بدأ يتخذ قدرا من الجدية انه في غضون عامين فقط، أي في نهاية العام 2014، يمكن لأسكتلندا أن تصوت في أستفتاء لبقاءها في المملكة المتحدة أو أنفصالها دولة مستقلة. شعور الأسكتلنديين بالتفرد والتمايز عن الأنجليز وجد في نفط بحر الشمال وخيارات طاقة الرياح البديلة محتوى أقتصاديا للأتجاه الأنفصالي لديهم تماما مثلما حدث مع جنوب السودان حيث وفرت الأحتياطيات النفطية قدرات أقتصادية جعلت الدولة الجديدة قابلة للحياة.
على ان ما يعيب التجربة السودانية انها قضت نصف قرن من الزمان وهي في حالة تجريب يفتقد الى التراكم الذي يمكن البناء عليه من ناحية ويمنع تكرار الأخطاء ومن ثم الهدر في رأس المال السياسي قبل الأقتصادي بسبب السعي المستمر الى أعادة أختراع العجلة وربما بذات الأسلوب مرة أثر أخرى.      
وبسبب هذا التجريب المستمر افتقد السودان حتى الأستقرار الزائف الذي وسم بميسمه المنطقة العربية مثلا وسمح بقدر من البناء لبعض هياكل الدولة فيها. لكن بذات القدر لم تفلح مختلف أنواع المقاربات الخشنة منها والناعمة عبر العمل السياسي لقضايا البناء الوطني هذه في بلورة القضايا المطروحة والتوافق على أسلوب في التعامل معها. ولهذا راجت عندنا مقولة الدورة الخبيثة بين الحكم البرلماني الضعيف، والأنقلاب العسكري عليه الذي تجهز عليه أنتفاضة شعبية تفتح الباب أمام تكرار ذات التجربة.
وخلال هذه الدورة تعود مختلف المسائل الى منصة التكوين مرة أخرى، وليس الحديث المتكرر عن دستور جديد كل مرة الا أحد معالم هذه الأزمة بسبب غياب التراكم والأنقطاع عن التجارب السابقة والبدء من جديد كل مرة. فالحكم الوطني بدأ عهده الأستقلالي بالأستلاف من النهج الدستوري الذي كان سائدا على أيام الأستعمار، ولم يسعد بالوقت الكافي ليضع دستورا دئما، اذ جاء أنقلاب عبود برؤاه الدستورية التي تسندها قوته العسكرية. ثورة أكتوبر الشعبية قطعت الصلة بسنوات عبود الست وعادت الى الصفر في ترتيبات دستورية انتقالية حاكت فيها على عجل قماشة دستورية مستمدة من ذات الورقة التي خلفها المستعمر مع بعض التعديلات التي تكاد تكون شكلية لتتفق مع مقتضى الحال السياسي القائم وقتها.
ورغم ان النظام المايوي أدعى انه أول من وضع دستورا دائما وهو قول سليم من الناحية الأكاديمية البحتة الا انه في غياب التوافق السياسي أتجه النظام وفي مواجهة تحديات الخصوم الى تركيز السلطات شيئا فشيئا في يد رئيسه جعفر النميري ليصبح نظاما فردا تحركه أمزجة وأهواء الرئيس يسرة ويمنة، وكان مصيره النهاية مع النظام الي أتى به. تجربة البرلمانية الثالثة لم تكن أفضل من الأثنين اللتين سبقتاها. فالجمعية التأسيسية لم تتفرغ لمهمتها الأساسية وهي وضع الدستور لتنشغل بالتحديات الكثيرة التي واجهت السلطة التنفيذية ومن ثم أصبحت المعبر للمواجهات والتسويات السياسية بسبب حالة الأستقطاب الحادة حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد وأحد أوجهه تنامي الحرب الأهلية، وهو ما هيأ الأرضية أمام أنقلاب الأنقاذ. 
وبسبب الخلفية السياسية الأسلاموية للأنقلاب، فأن الأستقطاب السياسي المعهود تصاعد الى مراحل لم تعرف من قبل سواء فيما يتعلق بالحرب الأهلية أو في المواجهة مع القوى السياسية الشمالية. أحد نتائج هذا الأستقطاب ان الحركة الشعبية وبسبب ثقلها العسكري والعلاقات الدولية التي نجح زعيمها الدكتور جون قرنق في نسجها أصبحت رقما في قلب المشهد السياسي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال، الأمر الذي أدى الى فوزها بحق تقرير المصير للجنوب وموافقة مختلف القوى السياسية الشمالية حكومية ومعارضة عليه بدون أخضاعه لأي نقاش جدي شعبيا أو دستوريا.
أتفاقية السلام جاءت بأهم تطورين يشهدهما السودان في تاريخه المعاصر: ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير الذي انتهى بالأنفصال ثم بروز هامش من الحرية السياسية والأعلامية يفتح المجال أمام الخيار الجديد المتمثل في احتمال تطوير تجربة أنتخابات العام 2010 الى تعددية حقيقية تجعل من صندوق الأنتخاب مصدرا وحيدا للشرعية.
في هذا المناخ سجل الأداء الأعلامي تطورا ملحوظا تمثل في تأثيره  المتنامي في تشكيل المشهد السياسي رغم الضعف المهني الذي لا يزال يعاني منه، وهو ما يدفع بالكرة الى الملعب السياسي في جانبي الحكم والمعارضة لتقديم أداء وخيارات أفضل للبدء في عملية مراكمة تستفيد من الحراك الداخلي الذي تشهده كل الأحزاب وعلى رأسها المؤتمر الوطني منطلقة من مواجهة ملف الفساد الذي أصبح نقطة البدء لتأسيس مصداقية للوضع السياسي بأكمله.



Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]