يفترض أن تبدا اليوم في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا الجولة الجديدة من المباحثات بين السودان وجنوب السودان حول القضايا العالقة وعلى رأسها النفط تحت رعاية الأتحاد الأفريقي. وعلى غير الجولات السابقة التي عقدت في أديس أبابا أو الخرطوم أو جوبا، فأن هناك بصيص أمل أن تحقق الجولة الحالية بعض التقدم وربما أحداث أختراق في قضية رسوم عبور نفط الجنوب الى الأسواق العالمية.
والسبب الذي يمكن أن يدفع بأتجاه حدوث تطور هذه المرة القرار الذي أتخذه السودان انه وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على السماح بمرور نفط الجنوب بدون دفع رسوم العبور وفي غياب أي أتفاق فقد قرر أخذ مستحقاته عينا من نفط الجنوب والى أن تتم تسوية نهائية وفق ما سيتم الأتفاق عليه. فجوبا لم تكن تحت ضغط للتوصل الى أتفاق ما دام نفطها يتم تمريره عبر خطوط الانابيب السودانية والتصدير عبر البحر الأحمر. الوضع أختلف منذ ديسمبر الماضي عندما بدأ السودان في أخذ مستحقاته عينا، وهي الخطوة التي وصفها المسؤولون في حكومة الجنوب أنها "سرقة في وضح النهار". والى جانب عدم القبول بالخطوة الأنفرادية لتسوية رسوم المستحقات، فأن جوبا معنية أكثر بمبلغ 36 دولارا على البرميل الذي أقترحته الخرطوم لأول مرة في أكتوبر الماضي ويقوم على أربعة عناصر: أهمها رسوم الترحيل وتبلغ 5،18 دولارا للبرميل  وتحسب على أساس طول الخط البالغ 1610 كيلومترا وسعر الخام وبلغ في المتوسط 110 دولارا للبرميل وذلك قياسا على خط الكاميرون الذي ينقل النفط التشادي ويمتد على مسافة 900 كيلومترا. العامل الثاني رسوم عبور الأراضي السودانية وحددت بستة دولارات، ثم رسوم لأستخدام مرافق المعالجة المركزية التي تعد للتصدير النفط الخام بعد تخليصه من المياه والغاز والشوائب في كل من مركزي المعالجة في الجبلين بالنسبة للنفط المنتج من شركة بترودار ومركز هجليج للخام المنتج في مربعات شركة النيل الكبرى وحدد لهذا العامل مبلغ خمسة دولارات للبرميل، والرسوم على هذه الخدمة كانت تدفعها مثلا شركة النيل الأبيض كطرف ثالث وعندما كان السودان موحدا، فكيف الأمر مع دولة أجنبية. ونفس الشىء مع رسوم المناولة والشحن في ميناء بشائر، وهي رسوم تدفعها كذلك أي شركة تستخدم تلك المرافق.
حكومة الجنوب ردت بدفوعات قانونية تقول انها تلزم السودان لأنه دولة موقعة على تلك الأتقاقيات. ومنها البروتوكول الخاص بالتجارة العابرة للدول المغلقة، ويقول السودان انه لم يصادق على هذه الأتفاقية رغم انها موقع عليها، وبالتالي فليس ملزما بها في الوقت الحالي. وهناك أيضا اتفاقيات الجات والكوميسا وميثاق الطاقة، بل وحتى أتفاقية رسوم العبور وخط الأنابيب التي وقعتها حكومة السودان مع الشركات العاملة في خطي هجليج والجبلين. لكن رد الخرطوم يقوم على أساس ان حكومة جنوب السودان ومن باب انها قادم جديد على الساحة فأنها ليست موقعة على هذه الأتفاقيات وبالتالي لا يمكنها المطالبة بتطبيق أتفاقية ليست موقعة عليهاهي نفسها وأهم من ذلك انه ليس هناك أتفاق بينها بين وبين جوبا حتى الآن على أي من هذه القضايا وذلك حتى يمكن توسيع مظلة الأتفاق والنظر في أن يستصحب معه البعد القانوني الدولي مثل الأتفاقيات المشار اليها.
لكن بعيدا عن هذا الجدل القانوني فمن الواضح ان هناك غيابا كاملا لأي أرادة سياسية في التوصل الى تسوية. وبدلا من أن يصبح النفط عاملا وقاعدة تبنى عليها علاقات البلدين من باب تكامل الجيولوجيا حيث معظم الأحتياطيات النفطية والجغرافيا حيث المنافذ للأسواق العالمية، فأنه أصبح مطية لأنفاذ أجندة سياسية تنطلق من أعتقاد ان السودان سيعمل ما في وسعه للتعويض عن فقدانه للعائدات النفطية التي كانت تأتيه من الجنوب بأي صورة من الصور. وفي برقية نشرها موقع ويكليكس وتعود الى الرابع من نوفمبر 2007 تشير الى أجتماع بين المبعوث الأمريكي وقتها أندرو ناتسيوس والقائم بالأعمال البرتو فيرنانديز والملحق النرويجي اندرس هانيبيك تحدث فيها عن حجم خسائر السودان المتوقعة حال الانفصال، الأمر الذي جعله يقترح أن يتم الأعداد مبكرا لهذه المرحلة والا انتهت بنتائج كارثية. وأضاف انه عندما أخطر باقان أموم بتوقعاته وتحليلاته كان رد فعل باقان ان هذا الوضع يعني عودة الحرب بلا جدال. والأشارة الى أحتمال تحرك الشمال عسكريا لأعادة بسط سيطرته على الحقول النفطية، وهو أتهام ذكرة الرئيس سلفا كير صراحة. واذا كانت هذه هي القناعة في أوساط القيادات الجنوبية، فأن هذه القناعة وبغض النظر عن صوابيتها يمكن أن تقدم تفسيرا ولو جزئيا للحرب المنطلقة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. فأذا كان الحرب قادمة لا محالة، فمن الأفضل أخذ زمام المبادرة بدلا من أنتظار الضربة الأولى، كما انه من الأفضل نقل الحرب الى أرض الخصم بدلا من أنتظارها لتجري في أراضي الجنوب. وأسهم عدم أصرار المؤتمر الوطني على أنفاذ أتفاق الترتيبات الأمنية الذي يطلب من القوات التابعة للحركة الشعبية الأنسحاب الى جنوب خط الحدود في 1/1/1956 قبل أجراء لأستفتاء العام الماضي في جعل هذا الخيار ممكنا.
ويعزز من هذا الأحتمال ان تحالف كاودا الذي تعتبر الحركة الشعبية- قطاع الشمال ركيزته الأساسية يرفع شعار اسقاط النظام، وقوته العسكرية التي ستضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفرقتان التاسعة والعاشرة اللتين كان يفترض أن تذهبا جنوبا وفي أطار تنفيذ أتفاق الترتيبات الأمنية. هذا الوضع ومضافا اليه خروج النفط من الميزانية في السودان وتبعات ذلك الأقتصادية يجعل من المغري متابعة شعار تغيير النظام وتحويلة الى أرض الواقع.
طوال فترة سنوات الفترة الأنتقالية الست لأتفاقية السلام تغلب العامل الأيدولوجي على الأعتبارات العملية و ساعد على ذلك تدفق العائدات المالية من مبيعات النفط، الأمر الذي جعل من الممكن اللهج باللسان السياسي على حساب الممارسات العملية للحكم. خطوة الخرطوم التصعيدية بأخذ النفط عينا ستكون محك أختبار لهذا الجانب الأيدولوجي وهل يدفع بأتجاه مزيد من من التوتر وربما الحرب المباشرة أم العودة الى حقائق الجغرافيا والجيولوجيا والحاجة الأقتصادية التي تفرض شيئا من التعاون.


Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////////