Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
في الأخبار الأولية التي رشحت عقب زيارة الرئيس عمر البشير الأخيرة الى ليبيا مطلع هذا الأسبوع انه طرح مشروعا للتكامل الأقتصادي بين البلدان الثلاثة بأضافة مصر وذلك للأستفادة من الموارد الطبيعية السودانية من أراض ومياه غير مستغلة الى رؤوس الأموال الليبية والخبرة والموارد البشرية المصرية. الفكرة ليست أختراعا جديدا فقد حاولها الرؤساء جعفر النميري وأنور السادات ومعمر القذافي من ذات المنطلقات، ومن باب التوجه القومي العروبي للدول الثلاث وقتها، ولم ينجح الأمر.
الفارق هذه المرة ان الدول الثلاث تمثل فيها القوى الأسلاموية ثقلا سياسيا ببعد شعبي لا يستهان به، الأمر الذي يوفر لها عمقا لم يتوفر من قبل عندما طرحت الفكرة قبل أربعين عاما. على ان القضايا الأساسية تظل كما هي وعلى رأسها حالة عدم الأستقرار التي تسود البلدان الثلاثة وبمستويات متباينة. فمع البروز القوي للأسلامويين في كل مصر وليبيا، الا ان الأوضاع في البلدين لا تزال في مرحلة سيولة أنتقالية ولم تستقر بعد على وضع سياسي معين يمكنه أن ينطلق بحرية في أخذ خطوات بمثل هذه الأهمية. واذا كانت مصر قد قطعت شوطا في أتجاه التحول الى نظام تمثيلي، فأن ليبيا لا تزال تعيش مرحلة الشرعية الثورية مع أنتشار للسلاح والمليشيات، الأمر الذي يجعل الأولوية ترتيب البيت من الداخل وأحداث حالة من الأستقرار يمكن بناء نظام مستقر للحكم عليه. أما في السودان فأن المنازعات حول شرعية الحكم القائم لا تزال مستمرة بمختلف الأشكال حتى بعد مرور أكثر من عقدين في الحكم وأنفصال الجنوب.
على ان أهم من هذا كله ان القوى الأسلاموية في البلدان الثلاثة مطالبة بتوفير أجابات وممارسات عما تعنيه بالحل الأسلامي وأن تجد هذه الأجابات والممارسات القبول الشعبي اللازم لتحقيق قدر من الشرعية والأستقرار السياسي والأقتصادي الذي يسمح بحرية الممارسة السياسية والأعلامية وحقوق الأنسان ومن ثم التداول السلمي للسلطة، وهذه أصبحت قيما كونية رغم الصبغة الغربية التي ظللتها.
وهناك تحد آخر يتمثل في أختلاف الطريقة التي وصلت بها الأنظمة الثلاثة الى الحكم في بلدانها. ففي السودان كانت الوسيلة أنقلابا عسكريا وضعت بصماته على أسلوب الحكم عبر العنف الممارس ضد الخصوم وعمقت من أزمة الشرعية. ورغم الأنفتاح السياسي والأعلامي الذي يشهده السودان أخيرا، الا ان ذلك لا يزال في أنتظار ترجمة فعلية تلقى قبولا أكبر مما يوفر قاعدة للشرعية يمكن التحرك على أساسها. في مصر فأن المرور عبر التجربة الأنتخابية يوفر للأسلامويين هناك فرصة للقبول الشعبي، الذي سيظل مواجها بتحدي ترجمة وعوده الأنتخابية الى برامج ملموسة مع الحفاظ على حريات الآخرين خاصة الأقباط والنساء والتأكيد على مبدأ التداول السلمي للسلطة. أما ليبيا فأن الثورة المسلحة التي أطاحت بالنظام السابق فيها فأنها توفر فرصة كما هي معضلة في كيفية التحول السلمي الى وضع مستقر.
ثم ان التقارب السياسي لا يعني بالضرورة توافقا على العمل المشترك من أجل تحقيق المصلحة والمنفعة العامة، وهذا ما عبرت عنه من قبل وبوضوح تجارب السادات والقذافي والنميري مع بعضهم البعض، بل وفي الداخل وما شهدته المفاصلة بين اسلامويي السودان للنزاع على السلطة والنفوذ في الأساس رغم انتماءهم الى حزب واحد وسنوات من العمل مع بعض والتجانس الفكري والثقافي والأجتماعي، فالطموحات الشخصية وربما القومية لأحد البلدان يمكن أن تعبر عن نفسها بصورة من الصور تتجاوز بها حتى الغطاء الأيدولوجي.
على ان التحدي الأكبر يتمثل في ان كلا من مصر وليبيا ومن قبلهما تونس تمثل طلائع التحول الناجم عن ثورات الربيع العربي وفتح الباب الى التحول من أنظمة متكلسة ثبت عجزها الى مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد رغم معرفة المطلوب. ويمكن مقارنة هذه الفترة برصيفتها التي أعقبت سقوط الأتحاد السوفياتي وأنفتاح الباب أمام التحولات الكبيرة سياسيا وأقتصاديا التي شهدتها منظومة دول شرق أوروبا. فقد حظيت تلك المنظومة بأمرين أثنين اولهما انها كانت على معرفة بما تريد من العمل على التحول الى أقتصاديات السوق والديمقراطية البرلمانية والسماح بالتعددية الفكرية والسياسية وحقوق الأنسان. أما الأمر الثاني المهم فهو وجود المعسكر الغربي بأجهزته الرسمية ومؤسساته على المستوى الأقليمي والمجتمع المدني وأستعداده لدعم عمليات التحول تلك بالأفكار والخبرات والأموال وأستيعاب دول شرق أوروبا في منظوماته المختلفة كالناتو مثلا.
مثل هذا السند يسجل غيابا في حالة التكامل المقترح بين البلدان الثلاثة، بل ان أول تجربتين لأقامة دولة أسلامية في كل من أيران والسودان لا يمكن الأشارة اليهما على انهما تمثلان نجاحا في الحكم وربما يتلخص أنجازهما الرئيس في البقاء على دست الحكم حتى الآن رغم النزاع الداخلي والأقليمي حولهما الذي لا يزال مستمرا حتى الآن.
بل ان الهيمنة الغربية عبر المؤسسات الدولية السياسية والأقتصادية من الأمم المتحدة الى البنك الدولي وغيرها التي تتبنى في أفضل الأحوال سياسة الأنتظار لرؤية ما يمكن أن تتمخض عنه الأوضاع في المنطقة قبل أن تتحرك. وربما تلخص الحالة المصرية تحديا للأسلامويون وللغرب عندما توضع قضية العلاقة مع أسرائيل على المحك وملياري دولار في شكل عون أمريكي للحفاظ على تلك العلاقة. 
من ناحية أخرى تمثل تركيا والى حد ما ماليزيا خيارا آخر للتجربة ذات الصبغة الأسلامية التي تسعى بأستمرار الى التحول التدريجي في أطار من الحفاظ على التعددية السياسية والفكرية وتقديم الحلول من منطلقات أسلامية واللجوء دائما الى تجديد التفويض الشعبي للأستمرار في الحكم بشرعية جماهيرية لا لبس فيها.   
هذا الصعود للتيار الأسلاموي يمكن أن يمثل نظريا خيارا أفضل لتحدي الهيمنة الغربية وأحداث نقلة نوعية في علاقة المنطقة بالآخر ومع مكوناتها الداخلية بصورة لم تشهدها منذ مرحلة الحروب الصليبية وتقلباتها المختلفة التي بلغت ذروتها في الحقبة الأستعمارية المباشرة. ويساعدها في ذلك حالة التضعضع السياسي والأقتصادي التي يعيشها الغرب. وهذا هو التحدي الكبير الذي يتطلب الكثير من أعمال الفكر والألتزام بالمحتوى الشعبي للعمل السياسي أساسا للشرعية مع البعد عن الذهنية التبشيرية والهروب الى الأمام في مواجهة الأزمات وما أكثرها.