alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
اذا كان من درس يمكن أستخلاصه من تطاول سنوات الحرب في الجنوب فهو يتمثل في تخلف الفعل السياسي عن العمل العسكري. ففي كل مرة يشعر أحد الأطراف انه في وضع عسكري أفضل يتناسى ان أساس العنف سبب سياسي لابد من مواجهته بفعل سياسي. يصدق هذا على نجاح حملة صيف العبور العسكرية في بدايات عهد الأنقاذ حيث أنتهت الحركة الشعبية في شريط صغير على الحدود اليوغندية والكينية بعد أستعادة الحكومة لمعظم المدن التي سيطرت عليها قوى التمرد من قبل، كما يصدق قيام الحركة الشعبية بأحتلال توريت في العام 2002 في تحد مباشر لروح أتفاق ماشاكوس الأطاري، وهي الخطوة التي ردت عليها الحكومة بوقف لمباحثات السلام ومن ثم الأتجاه الى تجييش كامل أدى الى أستعادة توريت ودفع المجتمع الدولي للضغط بأتجاه وقف العدائيات، الأمر الذي فتح الباب أمام حوار جاد حول الأتفاقية حتى تم أبرامها ببروتوكولاتها المعروفة.
نفس الشىء يمكن أن ينطبق على ما يجري في دارفور الآن. فالظروف التي أنتجت خليل أبراهيم وحركته لا تزال موجودة. وما لم يتحول التغير في الميزان العسكري الى فعل سياسي ناجز مقبول، فأن النتيجة ليست بالضرورة عودة المتمردين الى جادة الصواب والقاء السلاح كما تنادي بعض الأصوات الحكومية المنتشية، وأنما الأقرب الى الحدوث فيما يبدو خيار التركيز على حرب عصابات من باب أثبات الوجود أولا وأظهار فشل الحكومة في تحقيق الأمن والأستقرار ومن ثم تهيئة الظروف الى أضعاف النصر العسكري الحكومي.
من ناحية أخرى، فأن دور المجتمع الدولي المهتم والضاغط في أتجاه السلام في السودان يبدو في وارد التراجع والأضمحلال لأسباب عديدة على رأسها أستكمال عملية فصل الجنوب والأرهاق الذي ألم بمتابعي الشأن السودان الى جانب تفجر الكثير من الأوضاع في المنطقة وفي مناطق أكثر حيوية وأهتمام الدول الغربية أكثر بشؤونها الداخلية. ومن أبرز الأشارات على هذا ما ورد في كتاب هيلدا جونسون وزيرة التعاون الدولي النرويجية السابقة ومسؤولة الأمم المتحدة حاليا في جنوب السودان عن عملية السلام، وكيف انها سعت وبطلب من الدكتور جون قرنق الى أقناع كل من مالك عقار وعبدالعزيز الحلو التخلي عن فكرة حق تقرير المصير للمنطقتين والأستعاضة عنها بالتعبير الغامض "المشورة الشعبية" الذي لم يطبق الا في تيمور الشرقية وأنتهى بممارسة عملية للأستفتاء، وفي سبيل ذلك أعلنت عن التزام حكومتها والمجتمع الدولي بالوقوف الى جانب سكان المنطقتين، لكنها الآن تتأسف على أطلاق تلك الوعود التي لم يلتزم بها أحد.
في مواجهة هذا الوضع تحتاج الحكومة بأحزابها الخمسة عشر تحويل رصيدها هذا الى ثقل سياسي من باب العبور الى بوابة الشرعية عبر المزاوجة بين أمرين: أجراءات عاجلة ترسل رسالة واضحة أن الحديث المتكرر عن الجمهورية الثانية يعني شيئا محددا يتمثل في بروز سياسات وممارسات جديدة حتى وأن لم تقم عليها وجوه جديدة وثانيا الاعداد الى انتخابات مبكرة بعد الأتفاق على الترتيبات الدستورية الهادية.
على رأس الخطوات الجديدة المطلوبة من قبل الحكومة أن تلقي بثقلها خلف أتفاق الدوحة ونقله الى أرض الواقع. قضايا السلطة والثروة وتطبيق المفاهيم الفيدرالية في الأقليم وغيره ستظل مثار نقاش وجدل مستمر لأمد طويل حتى تستقر على ترتيبات متفق عليها مع مختلف مكونات المجتمع السياسية والشعبية من خلال الممارسة الفعلية، لكن الجانب الذي يلقي اهتماما أكبر وتتمحور حوله مشكلة دارفور المعسكرات التي لا تزال قائمة وهي في طريقها الى العام العاشر، وهذا ما يحتاج أتفاق الدوحة الى التركيز عليه. فطالما بقيت هذه المعسكرات مفتوحة ستظل دارفور قضية مطروحة بصورة من الصور، وهو ما يتطلب ارادة سياسية وأنفاقا ماليا حتى في غياب السند الدولي لتنزيل برامج العودة الطوعية وأعادة أدماج الناس في دورة الحياة العادية أبتدءا بالتعويض لجيل من الأطفال قضى عقدا من الزمن في هذه المعسكرات وقفل الباب أمام ضياع جيل ثان ومن ثم تقليص ظاهرة المعسكرات ان لم يكن القضاء عليها نهائيا وتجفيف منابع أستمرار الأزمة.
الرسالة الأخرى المطلوبة تمثل في أعلاء مبدأ المحاسبة سواء على المستوى السياسي أو الجنائي. وأهمية هذا الجانب أنه يقوي من الأحساس بالأنتماء ويعزز مساعي أقامة البنيان السياسي على أسس من الشرعية المتفق عليها وعلى رأسها وجود قانون يسري على الجميع وينقل قضايا الفساد التي يكثر الحديث عنها من مجرد كرة يجري تقاذفها بين المؤيدين والمعارضين الى أجراءات محددة تصل الى المحاكم وتصدر فيها أحكام ملزمة يسهم في قفل باب النقاشات الدائرية. وفي الوقت الذي تركز فيها الحكومة على جذب الأستثمارات الخارجية فأن قيامها بالخطوات اللازمة أعمالا للشفافية ومحاسبة للمتجاوزين وتهيئة البيئة القانونية الملائمة يصبح في حد ذاته عاملا من أكبر عوامل جذب الأستثمار.
هاتان الخطوتان وعلى أهميتها لا تغنيان عن أعداد الأطار السياسي المتمثل في أمرين: ألأتفاق على الترتيبات الدستورية ومن ثم الأعداد لأنتخابات مبكرة تسمح للأرادة الشعبية بالتعبير الحر ومن ثم رسم الخارطة السياسية الجديدة بكل تضاريسها ومكوناتها التي ترعرعت خلال ربع القرن الماضي في الظل أحيانا وفي الظلام أحيانا كثيرة وأخراجها الى دائرة الضوء ويتيح لها المشاركة في الفعل السياسي بالصورة التي تعطي مصداقية لصندوق الأنتخابات وتجعله أحد المكونات الاساسية للشرعية الدستورية.
من المفيد النظر الى أتفاقيات نيفاشا على أساس انها كانت خطوة على طريق التحولات السياسية والدستورية في البلاد رغم ما شابها من قصور وأسوأ من ذلك طريقة تنفيذها، لكنها وضعت الأساس لتحول في نظام الأنقاذ، وهي المهمة التي يمكن أنجازها بالأستغلال الأمثل لهامش الحرية السياسية والأعلامية المتاح حاليا وتوسيعه بأستمرار ليصبح حقا مكتسبا لا منحة تضيق وتتسع وفق المزاج الحكومي.
الطريق الى الأنتخابات يمر عبر ممارسة حزبية داخلية أكثر جدية وتتجاوز الجانب الشكلي السائد حتى الآن. وتحتاج ساحة المؤتمر الوطني الى متابعة خاصة لمعرفة اذا كانت التيارات المتحركة داخله ستنتهي بوفاق مؤسسي يسهم في احداث نقلة سياسية نوعية أو يؤذن بأنشطار جديد يسهم في تعقيد الوضع السياسي المعقد أصلا.