Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
محاضرة وكتاب أثارا مؤخرا قضية الهامش على المستوى العالمي وكيفية التعامل معها، وهما أكتسبا قيمة اضافية من الأشخاص وراءهما.
المصرفي المعروف جيمس وولفنسون الذي أدار البنك الدولي لعقد من الزمان كان صاحب المحاضرة التي أختار لها مكانا جامعة ستانفورد قبل بضعة أشهر. أما الكتاب المعنون بالأنجليزية
That Used To Be Us
أو ما يمكن ترجمته : "هذا ماكنا عليه" فهو جهد مشترك لصحافي النيويورك تايمز جيمس فريدمان والباحث مايكل ماندلباوم ونزل الى المكتبات قبل بضعة أسابيع.
وولفنسون أختار التبسيط والمباشرة في رسم صورة لعالم يتغير ولم يعد للغرب مقعد القيادة فيه كما قال، وهو يبدأ بالقول انه جاء الى العالم وفيه نحو ستة مليارات نسمة، مليار منهم يعيشون في العالم المتقدم في الولايات المتحدة وأوربا وبحوزتهم 80 في المائة من الناتج الأجمالي للأقتصاد العالمي، بينما خمسة مليارات نسمة تتوزع  على بقية العالم النامي أساسا ويعيشون على ما تبقى من الأنتاج الأقتصادي وهو 20 في المائة. المؤشرات الواضحة حتى الآن انه وفي غضون أقل من أربع عقود وبحلول 2050 تحديدا، فأن سكان العالم سيصلون الى تسعة مليارات نسمة، وان الثلاثة مليارات الجديدة ستتوزع بين نحو مائة مليون فقط سيكونون من نصيب العالم الأول و 2.9 مليارا سيكونون من نصيب العالم النامي، وسيصحب هذا الوضع تغيير ونقلة نوعية أكبر تتمثل في ان 65 في المائة من أجمالي الناتج الأقتصادي العالمي سيكون من نصيب العالم النامي، بينما تنخفض حصة الدول المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا الى 35 في المائة، وان الصين والهند ستسيطران على نصف الناتج الأجمالي الأقتصادي العالمي في العام 2050.
هذا أنتقال للثروة يمثل تحديات لم تكن معروفة من قبل، لكنها ليست مفاجئة، لأن قصب السبق والريادة الذي ميز الغرب في المجالات الأقتصادية الثلاثة وهي التصنيع والخدمات والتقنية بدأت تنتقل الى آسيا خاصة الصين والهند الذين يملكان كثافة سكانية وقدرات تعليمية وتقنية، ولاحظ انه في الوقت الذي للصين أكثر من 110 ألف طالب يدرسون في الولايات المتحدة فقط وللهند أكثر من مائة ألف، فأن هناك ما يزيد على 11 ألف طالب أمريكي فقط يدرسون في الصين، الأمر الذي يشير من ناحية ثانية الى حجم الجهل بما يجري في الصين والهند.
كتاب فريدمان وماندلباوم يبدأ من حيث ما أنتهى اليه وولفنسون ويقولان ان الغرب خاصة الولايات المتحدة يعيشان في حالة من الخدر والنوم تماثل ما كان عليه الوضع غداة الحرب العالمية الثانية والأحساس بالأنتصار وان العالم يدخل في مرحلة من السلام وان الأتحاد السوفياتي الذي كان شريكا في الحرب سيكون شريكا في السلام، لكن يضيفان ان برقية ديبلوماسية مكونة من ثمانية آلاف كلمة أرسلها جورج كينان في العام 1946 أسهمت في فتح أعين واشنطون والغرب عموما على ما يجري خلف الستار الحديدي ودشنت من ثم مرحلة الحرب الباردة بسياساتها وأحلافها.
ويضيف الكاتبان ان الوضع الحالي يغطيه أحساس زائف بأنتصار الديمقراطية الليبرالية في نهاية مرحلة الحرب الباردة، لكن هذه المرحلة جاءت بأربع تحديات تحتاج الولايات المتحدة الى التواءم معها ومقابلتها وتتمثل في تحدي العولمة، التطور التقني وثورة الأتصالات، والتحدي الثالث يتمثل في العجز الضخم في الموازنة الأمريكية وكيفية القضاء عليه الى جانب تنامي الأستهلاك في ميدان الطاقة وتأثيرات ذلك على المناخ وتغيراته.
ولا تقتصر التحديات على هذه الأربعة مجالات فقط، وأنما في ان الولايات المتحدة والدول الأوروبية لم تعودا وحدهما في الميدان ويضربان مثلا ان اليابان شكلت خطورة على مدينة أمريكية واحدة هي ديترويت بينما التهديد الصيني يطال كل الولايات المتحدة. ويقول فريدمان انه زار الصين في العام 2005 لحضور مؤتمر في مدينة تياجين التي كان الوصول اليها يتطلب  سفرا بالسيارة لثلاث ساعات ونصف الساعة في أجواء ملوثة وأزدحام على الطريق، لكن بعد سنوات خمس قام فريدمان بزيارة ثانية لنفس المدينة أستقل خلالها القطار- الطلقة الجديد الذي قطع المسافة في 29 دقيقة فقط في جو نظيف وسفرية مريحة ليصل الى مركز متكامل للمؤتمرات بكل مرافقه المساندة مقام على مساحة 230 ألف متر مربع، وهذا نوع من العمل لم يعد في وسع الولايات المتحدة القيام به، بدليل ان فترة الثمانية أشهر التي أستغرقها أقامة هذا المجمع ليست كافية لأصلاح سلالم كهربائية متعطلة في مدينته الأمريكية. ولاحظ فريدمان من قبل ان بيل جيتس عملاق صناعة البرمجيات الذي يقيم في ولاية واشنطون في أقصى الشمال الغربي للولايات المتحدة، يزور مدينة بانغلور الهندية أكثر مما يزور العاصمة الأمريكية واشنطون.
والحل في وقف هذا التراجع الأمريكي والغربي يتمثل في التشمير عن السواعد لأن الخيار ما بين عقد من الجهد والعرق وأستعادة الحلم الأمريكي أو قرن من السوء والتراجع، والكاتبان مع الخيار الأول بالطبع  لأنه مفيد للولايات المتحدة ووقف تراجعها السياسي والأقتصادي كما انه مفيد للغرب والعالم عموما.
هذه متغيرات غير مسبوقة في المشهد العالمي بدأت بوادر أنعكاساتها السياسية والأستراتيجية تلقي بظلالها في كل مجال. واذا كان ممكنا وصف ما يجري أنه يعني أنبعاثا للهامش العالمي ضد المراكزالغربية التي هيمنت على العالم لأكثر من ثلاثة قرون عبر الأستعمار والتقدم السياسي والتقني. ويلاحظ ان صحوة الهامش العالمي جاءت أساسا من القارة الآسيوية التي ركزت على الجانب الأقتصادي والتقني أكثر من الأنشغال بالهم السياسي المباشر مما أسهم في توسيع قاعدة وعددية الطبقة الوسطى في آسيا التي ستستوعب ثلثي هذه الطبقة التي سيقدر عددها عالميا في 2030 بنحو ثلاثة مليارات نسمة. وهذه هي الطبقة التي من مصلحتها تحقيق الأستقرار السياسي حتى يمكنها تحقيق التقدم المعرفي والأقتصادي. ويمكن ملاحظة الخلاصة النهائية بمقارنة الوضعين الصيني والروسي، حيث أتجه الأول الى البناء الأقتصادي في الوقت الذي أنشغل فيه الثاني بالصراعات السياسية التي أدت الى هيمنة المافيات السياسية والأقتصادية على البلاد معظم العقد الماضي، وهو ما يشكل دروسا عل السودان ينتبه اليها ويستفيد منها.