حملت مفاجأة قرار الجامعة العربية بخصوص سوريا مفاجأة ثانية تمثلت في تصويت السودان لصالح القرار وعدم الوقوف ضده أو الأمتناع عن التصويت كما فعل العراق ولبنان واليمن. وللدقة فأن مفاجأة موقف السودان تعود الى علانيته رغم ان قنواته ظلت نشطة لحمل الرئيس السوري بشار الأسد أن يغير من أسلوبه. وبعد بداية الأضطرابات الشعبية المطالبة بالتغيير بفترة قصيرة أرسل السودان وزير العدل محمد بشارة دوسة لمقابلة الرئيس السوري بشار الأسد لا بصفته الوزارية تلك وأنما بسبب خبرته السابقة رئيسا لمجلس الأحزاب لنقل التجربة السودانية في كيفية الأنتقال الى نظام تعددي وتعديل الأطر القانونية والدستورية والسياسية بما يمكن من تحقيق تلك النقلة، كما ان الرئيس عمر البشير أتصل عدة مرات مؤخرا بالأسد مطالبا أياه تنفيذ المبادرة العربية التي وافق عليها كما قال سفير السودان لدى القاهرة كمال حسن علي.
موقف السودان لم ينسجم فقط مع غالبية الدول العربية، وأنما جاء متناغما مع الشعور الشعبي على نطاق الشارع العربي، وهو ما يهىء الجامعة الى نقلة نوعية تبعدها من كونها ناديا لتجمع الحكومات فقط وانما تأخذ البعد الشعبي في الحسبان، وهو ما يفسر تصويت 18 دولة لصالح القرار. وفي تفسيره لموقف السودان وردا على تصريحات المندوب السوري لدى الجامعة العربية قال وزير الخارجية علي كرتي ان موقف الخرطوم ينطلق من باب الحرص على سوريا وقفل الباب أمام التدخل الأجنبي. ويبدو ان السودان أستفاد من تجربة الغزو العراقي للكويت مطلع العقد الماضي وموقفه الملتبس الذي يقول انه فسر خطأ على أساس انه مساند للعراق.
المفارقة ان موقف الجامعة العربية الأخير من سوريا يؤكد على موقف مماثل أتخذته الجامعة العربية تجاه ليبيا في مارس الماضي، وهو الموقف الذي وفر الغطاء السياسي اللازم لمجلس الأمن ليتخذ قراره الخاص بحماية المدنيين، وهو القرار الذي تطور للأطاحة بنظام العقيد معمر القذافي. وفي الموقفين سجل الموقف الخليجي ريادة غير معهودة، بل ان الموقف الغربي والأمريكي تحديدا لم ينطلق للدعوة الى تنحي الرئيس بشار الأسد الا بعد الأنتقاد السعودي العلني لموقف دمشق ودعوتها لوقف آلة القتل المستمرة منذ عدة أشهر. ويلفت النظر تقاطع الموقف الخليجي مع موقف العراق، الذي كان يفترض أن يكون منصة لأنطلاق عملية التغيير في العالم العربي، واذا به ينتهي في الأحضان الأيرانية.
نحن أمام شرعية جديدة بدأت تفرض نفسها متجاوزة النصوص والدستورية التي تحكم عمل مؤسسات الجامعة العربية القائمة على التوافق، وكما قال عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة فهذه ظروف متغيرة تضع مبدأ حماية الناس على رأس أولوياتها، لكن هذا وضع يتأثر بحالة السيولة الناجمة عن حالة الجيشان الشعبي التي تمر بها المنطقة وهو وضع يحتاج الى تثبيته عبر المفردات القطرية في كل بلد بأكتساب لشرعية مستدامة.
ولهذا يمكن للموقف السوداني الأخير من سوريا أن يكتسب قيمة أكبر ويضيف لبنة الى بناء الشرعية العربية الجديدة اذا التفت الى الجبهة الداخلية وقام بخطوات جريئة في مواجهة حالة الأحتقان السياسي والأقتصادي والأجتماعي التي تظلل البلاد وفتح الطريق أمام شرعية جديدة. والخطوة تبدو أكثر من مطلوبة في مواجهة أستحقاقات ثلاثة: أولها كيفية الخروج من حالة الشلل الحادثة حاليا في انتظار تشكيل الحكومة مع أو بدون الحزب الأتحادي الأصل واذا كانت مثل هذه الحكومة سيكون لديها القدرة والأرادة لأجتراح حلول وتحقيق أختراق ينعكس سياسيا على المناخ العام، وثانيهما ان أي خطوات في هذا الأتجاه ستصب في أتجاه القيام بخطوات أستباقية لموجة الربيع العربي. ومعروف ان سقوط النظامين التونسي والمصري تم الى حد كبير بسبب التباطؤ في القيام بالخطوات الملائمة في الوقت المناسب. وما كان يمكن أن يكون أصلاحا في وقت ما يصبح مطلبا جماهيريا كاسحا للتغيير يتعذر الوقوف أمامه فيما بعد.
على ان الأستحقاق الثالث يتمثل في كيفية مواجهة التحدي الذي يطرحه تحالف كاودا بأسقاط النظام عسكريا عبر أستنساخ تجربة الحركة الشعبية وما شهدته ليبيا من تدخل دولي خاصة وهذا التحالف يحظى بسند من منظمات غربية عديدة. ومع ان الادارة الأمريكية على لسان مبعوثها برنستون ليمان قال في تصريحات علنية قبل عدة أسابيع انهم لا يؤيدون فكرة أسقاط النظام بالقوة الا ان ذلك الموقف خاضع للتغيير بسبب الضغوط الداخلية كما تكرر كثيرا من قبل، وهذا ما يعطي أهمية اضافية للعمل في الجبهة الداخلية وتطوير الخيار الديمقراطي. ويحسب لهذا الخيار وجود قوى معارضة على رأسها أحزاب الأمة والأتحادي الأصل والشيوعي مع العمل السلمي الداخلي، بل وذهب الصادق المهدي بعيدا لأنتقاده لتحالف كاودا خلال زيارته للعاصمة الأمريكية واشنطون مؤخرا.
واذا كان الأتفاق على ان التحول الديمقراطي يمثل أفضل خيار لمواجهة مشاكل البلاد السياسية والأقتصادية، فأن العمل العسكري لا يساعد في تطوير وتعزيز هذا الأتجاه، لأن الطريقة التي تتم بها أزاحة النظام ستؤثر قطعا في الترتيبات التي تلي وسيكون على رأسها فترة الشرعية الثورية التي تطول ولا تقصر، ومن ثم لا تمثل أي مراكمة اضافية للتحول الديمقراطي المنشود. كما ان العمل العسكري بطبيعته ينحو نحو التحطيم خاصة في الجانب الأقتصادي ليمنع عن العدو المستهدف  أي موارد يمكن أن تعاونه في مواجهة التحديات العسكرية، لكن توجه مثل هذا له تبعاته المستقبلية. وفي تجربة الحركة الشعبية خير مثال. فخلال الحرب سعت الحركة جهدها لتعطيل مشروع أستخراج النفط ولم تنجح. وبعد السلام حصلت حكومة الجنوب خلال فترة الست سنوات الأنتقالية على قرابة عشرة مليارات دولار من عائدات النفط مقابل وعود من المجتمع الدولي بنحو 4,5 مليار دولار لم يصل نصفها.
وفي مواجهة تحالف كاودا لا يحتاج المؤتمر الوطني الى شحذ الالة العسكرية فقط، وأنما الأهم أن يحيط الجهد العسكري بسياج سياسي يجعل من الجبهة الداخلية أكبر الدفاعات، وذلك لن يحدث بدون جراحات في جسد الحكم تدفع التغييرات الشكلية والنظرية بأتجاه التحول الديمقراطي، الذي يجعل من أمكانية التغيير عبر صندوق الأنتخاب حقيقة ممكنة وماثلة.  
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]