Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
(1+3)

عود على بدء
عادت قضية توفير أحتياجات البلاد من المنتجات البترولية الى الواجهة مرة أخرى كما أتضح من نتائج الأجتماع الذي عقد يوم الأثنين الثاني عشر من الشهر الحالي وضم وزيري المالية والنفط بالأنابة ومسؤولين من بنك السودان وخلص، كما أعلن، عن توفير تلك الأحتياجات لمدة عام. لكن قد يكون من المفيد التطرق الى هذه القضية انطلاقا من مفهوم أشمل يعنى بأمن الطاقة بصورة عامة، لأنها تتجاوز الأنشغال الديواني الرسمي الى تبعات تلقي بظلالها على توفير الأمدادات بصورة مباشرة الى القطاعات الخدمية والأنتاجية وحتى الأمنية من بوليس وقوات مسلحة، والذاكرة لا تزال عامرة بصور الصفوف أمام محطات تعبئة الوقود، الأمر الذي يصب في نهاية الأمر في سلة الممارسة السياسية والاقتصادية للبلاد بصورة عامة.
قبل قرن من الزمان وفي العام 1911 تحديدا أتخذ وزير البحرية البريطانية وقتها ونستون تشرشل قرارا أن يتم تزويد البوارج الحربية بالنفط بدلا من الفحم حتى تكون أسرع في مواجهة السفن الألمانية. ذلك القرار الذي لا يزال العالم يتعامل مع آثاره حتى اليوم أسهم في أخراج النفط من دائرة السلع التي يتحكم فيها قانون العرض والطلب فقط، الى سلعة تكتسب لها صفة استراتيجية بكل ما في ذلك من بعد سياسي. وبسبب ذلك القرار تحول أعتماد البحرية البريطانية فيما يتعلق بطاقة سفنها من الفحم المنتج محليا الى النفط الذي كان يأتي وقتها بصورة رئيسية من أيران، الأمر الذي أبرز الى الواجهة قضية أمن الطاقة.
تشرشل الذي كان رجل دولة يتمتع بنظرة استراتيجية بقدر ما هو خطيب مفوه سك عبارة لا تزال تلخص قضية أمن الطاقة في الحد الأدنى منذ ذلك الوقت وحتى الآن اذ قال ان سلامة وتأمين أمدادات النفط يتركز في تنويع مصادر الأستيراد. لكن مع التطور الذي لحق بالصناعة والأوضاع السياسية والأقتصادية عموما أصبحت عبارة أمن الطاقة تعني اشياء مختلفة لجهات مختلفة. فهي بالنسبة للمستهلكين  لاتزال تعني تأمين الأمدادات والحصول عليها بأسعار معقولة، وبالنسبة للمنتجين أصبحت تعني ضمان وجود الأسواق القادرة على أستيعاب صادراتهم ودفع الثمن الذي يمكن المنتجين من الأستثمار في تطوير قدراتهم الأنتاجية، وبالنسبة لدولة مثل روسيا فأن أمن الطاقة بالنسبة لديها يعني استغلال النفط والغاز وسيلة لأستعادة قدراتها الأستراتيجية لاعبا رئيسيا على المسرح الدولي، وبالنسبة لقادمين جدد مثل الصين والهند، فأن أمن الطاقة لديهما يعني كيفية التواءم مع حالة الأنتقال من فترة الأكتفاء الذاتي الى تنويع وضمان الأمدادات. أما بالنسبة للسعودية التي تعتبر البنك المركزي للعالم فيما يخص قضايا النفط، فأن الأمن يعني لديها الأحتفاظ بطاقة أنتاجية فائضة في حدود مليوني برميل يوميا، اضافة الى استمرار عمل مرفئي التصدير على الخليج وساحل البحر الأحمر مع تأمين المنشآت بمبالغ تصل الى مليارات الدولارات سنويا اثر استهداف القاعدة وتنظيمات أخرى مناوئة لمرافقها البترولية، وهكذا فما الذي يعنيه ضمان أمن الطاقة بالنسبة لبلد مثل السودان؟
نظرة سريعة الى التاريخ القريب توضح ان السودان مر بمرحلتين من قبل ودخل المرحلة الثالثة أخيرا. المرحلة الأولى تتمثل في كونه دولة مستوردة بالكامل، وهي المرحلة التي تقلب فيها من القدرة على توفير الموارد اللازمة من العملات الصعبة لأستيراد أحتياجاته من المشتقات النفطية المكررة الى المرحلة التي شحت فيها الموارد وبرزت فيها صفوف البنزين وكادت فاتورة استيراد النفط تلتهم كل عائدات البلاد من الصادر، الأمر الذي دفع الى حلول مؤقتة مثل السعي للحصول على هبات نفطية من بعض الدول الشقيقة أو العمل على التمويل الذاتي بشق الأنفس لدرجة ان السودان لم يستفد من مرحلة أنهيار اسعار النفط في منتصف عقد الثمانينات بسبب لجوءه مضطرا الى التمويل القصير الأجل بفوائد مرتفعة، وهذه هي الفترة التي شهدت أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة كادت تؤدي بالبلاد الى مرحلة من التفكك.
المرحلة الثانية هي التي شهدت دخول السودان نادي الدول المصدرة للنفط وتغطيته لكل أحتياجاته الأستهلاكية من الأنتاج المحلي ومن ثم التصدير، الأمر الذي وفر للبلاد عملات صعبة أصبحت تغطي أحتياجاته الأخرى بل ووفرت له الفرصة للبدء في بعض مشروعات البنية الأساسية وتلك الخدمية.
ومع ان النفط تم أكتشافه خلال المرحلة الأولى، الا انه بسبب ضغط الواقع السياسي والأقتصادي فأن هناك جدلا دائريا استمر منذ أكتشاف النفط بكميات تجارية في العهد المايوي وأستمر خلال عام الأنتفاضة على أيام حكومة سوار الذهب والجزولي دفع الله ومرورا بالبرلمانية الثالثة التي ترأس حكوماتها المختلفة الصادق المهدي وحتى بدايات عهد الأنقاذ. وتركز هذا الجدل حول هل يتم أعطاء الأولوية لمقابلة الأستهلاك المحلي وتخفيف عبء الضغوط السياسية والأقتصادية أم يتم الأتجاه للتصدير أخذا في الأعتبار مصالح الشركات الأجنبية المساهمة في أستخراج النفط وعدم قدرة البلاد الأقتصادية على الدفع لها بالعملات الصعبة لما يتم أستخدامه من نفط لمقابلة الأستهلاك المحلي.
وكان هذا السؤال محور بعض الحوارات القليلة والجادة التي أجرتها الأنقاذ في بداياتها على المستوى الفني مع أستصحاب البعد السياسي حيث أتضح بعد عدة شهور من النقاش المستمر مع مختلف الجهات ذات الصلة، انه اذا أريد للصناعة النفطية أن تنطلق فلابد من الأستعانة بالشركات الأجنبية التي لديها القدرة على تأسيس البنية التحتية لأقامة هذه الصناعة، ولهذا لابد من أستصحاب مصلحتها في التصدير حتى يمكنها الحصول على أستحقاقاتها بالعملة الصعبة، ثم ان عائد الحكومة السودانية يمكن توظيفه للحصول على المنتجات النفطية للأستهلاك المحلي. لكن في واقع الأمر فأن مشروع استغلال النفط السوداني في عقد التسعينات أنتهى الى السيناريو الأمثل المتمثل في أن الخيار لم يعد مفاضلة بين تخصيص الأنتاج للأستهلاك المحلي أو للتصدير، وأنما يمكن البدء في الأثنين اي التصدير ومقابلة الأحتياجات المحلية في ذات الوقت. وكان لدخول الصين سوق الطاقة الدولية مستهلكة لأول مرة مرة منذ العالم 1993 وبروز فرصة مغرية في السودان بوجود أحتياطيات معقولة وغياب المنافسة الدولية أثر في هذا الأتجاه من خلال التصدير والأسهام في تمويل وأنشاء مصفاة الخرطوم.      


(2+3)


أمن الطاقة السوداني
المرحلة الثالثة: مشكلة وفرصة
بدأت المرحلة الثالثة التي يعيشها السودان حاليا في العاشر من يوليو المنصرم، أي عقب الأنفصال بيوم. وكانت نقطة الأنطلاق خطاب أرسله باقان أموم بصفته رئيسا للفريق المفاوض عن الحركة الشعبية في قضايا ما بعد الأستفتاء الى رصيفه أدريس عبدالقادر يحذر فيها حكومة السودان الا تمس نفط الجنوب بعد الأنفصال، وهو ما لم يكن من بد من الأستجابة له رغم الجهود التي بذلها وزير النفط الأتحادي وقتها الدكتور لوال دينق للوصول الى شراكة في أدارة العمليات النفطية الأنتاجية والتسويقية بسبب التداخل الشديد بين الشمال والجنوب في هذا المجال، لكنه لم يحقق نجاحا وأنتهى به الأمر مشتبكا مع باقان الذي أتهم لوال بأعطاء نفط الجنوب الى المؤتمر الوطني.
مشاكسات الفترة الأنتقالية بين الشريكين انتقلت الى مرحلة الأنفصال وأحدى نتائجها المباشرة ما شهده قطاع النفط من فقدان لجزء كبير من عائدات مبيعات النفط بالكامل، التي كانت تشكل نحو 90 في المائة من أجمالي أيرادات العملة الصعبة، على انه من الناحية الأخرى ومع ان الشمال ينتج حاليا نحو 110 ألف برميل يوميا من مربعات (2) و (4) و (6) تغطي بأرتياح أحتياجاته للأستهلاك المحلي، الا ان تلك الكمية ليست كلها خالصة للحكومة، فللشركات نصيب مقدر. وكمثال مربع (6) الذي تديره "بترو أنرجي" وللصينيين فيها حصة 95 في المائة وسودابت 5 في المائة فقط، وهناك أيضا الترتيب الأداري للمربعات المشتركة مثل المربعات الثلاثة (1) و (2) و (4) وخصصت كلها لشركة النيل الكبرى لعمليات البترول التي عن طريقها دخل السودان الى نادي الدول المصدرة للبترول في العام 1999. وهذه واحدة من القضايا العالقة التي تحتاج الى معالجة بعد رفض حكومة الجنوب فكرة الأدارة المشتركة، رغم ان الشركات الأجنبية العاملة كانت ميالة الى خيار الأدارة المشتركة  لما فيه من فوائد أقتصادية. ونفس الشىء ينطبق على جزء من مربع (7) التابع لشركة "بترودار"  التي تملك حق الأمتياز في مربعي (3) و (7) الموجودان في ولاية أعالي النيل، لكن جزءا من المربع الثاني يمتد الى داخل ولاية النيل الابيض حيث تم اكتشاف بئرين في منطقة الروات جنوب مدينة كوستي جاءت نتائجهما مبشرة، ويمكن عبر برنامج سريع ومكثف أن يبدأ فيهما الأنتاج في غضون 18-22 شهرا. ويلاحظ في الأكتشافات الأخيرة في كل من مربعي (4) و (6) انها من النوع الخفيف العالي الجودة، ونفس الشىء ينطبق على مربع (17) الذي لم يبدأ العمل فيه بعد، كما ان مربع (4) يتميز في بعض الأماكن بوجود غاز مصاحب يستخرج مع النفط ويمكن أستخدامه لتوليد طاقة كهربائية، وهو ما بدأ العمل فيه فعلا.
بأختصار يمكن القول بأطمئنان ان هناك نفطا في الشمال والأشارة أما الى مربعات منتجة فعلا أو تنتظر فقط بداية العمل كما هو الحال مع مربع (17) وهو بالمناسبة المربع الذي يضم بئر أبوجابرة، أول بئر حملت شواهد بترولية مشجعة على عهد شركة شيفرون في أواخر السبعينات، ويذهب البعض الى ان هذه المربعات ناهيك عما يمكن أن يكتشف في أنحاء أخرى من السودان يمكن أن تأتي بأنتاج يتجاوز كل ما كان ينتجه السودان قبل الأنفصال .
لكن وجود النفط لا يعني تلقائيا انه يمكن أستغلاله اذ لابد من وضع قضايا الأستثمار، والأمن والأدارة في الأعتبار لتقوم بواجبها، وفترة تنفيذ أتفاقية السلام تمثل خير دليل، فرغم ان أنتاج السودان تصاعد ليصل الى 510 ألف برميل في فترة ما من العام 2007، لكن ورغم التصريحات المتفائلة بعد توقيع أتفاق السلام ان الأنتاج سيصل الى 600 الف برميل وربما يقفز الى مليون برميل يوميا، الا ان واقع الحال يشير الى تراجع مستمر ليتراوح حجم الأنتاج في حدود 480 ألف برميل حتى نهاية الفترة الأنتقالية هذا العام. ويعود ذلك الى الأنعكاسات السلبية لمشاكسات شريكي الحكم والعوائق الأمنية العديدة التي كانت تجابه الشركات العاملة في شكل تعطيل للأنتاج بسبب مطالب خدمية خاصة بالمجتمعات المحلية يكلفها في اليوم عشرات الالاف من الدولارات، الأمر الذي جعلها تؤجل أو تجمد الكثير من خطط التوسع في الأنتاج، بل ومعالجة بعض المتاعب مثل زيادة نسبة الماء مع النفط المستخرج أو كيفية زيادة نسبة الاستخلاص من المكامن النفطية. وهذا ما يحتاج الى حل سياسي لمواجهته.
الأمر الثاني الذي لا يتم التطرق اليه كثيرا يتعلق بالحجم الكبير للأستهلاك المحلي وكذلك لنسبة النمو السنوي العالية. فأكثر التقديرات واقعية تشير الى ان حجم الأستهلاك المحلي يقل قليلا عن 100 ألف برميل يوميا، وان نسبة النمو السنوي تتراوح بين 10-12 في المائة، وهو رقم أكده لي الزبير أحمد الحسن عندما كان وزيرا للطاقة مضيفا ان من بين السيناريوهات والخيارات التي يجري البحث بشأنها الأتجاه الى أستيراد الغاز من مصر والفحم من جنوب أفريقيا لمقابلة هذا النمو المتصاعد خاصة وان نسبة مقدرة من التوليد الكهربائي تعتمد على التوليد الحراري الذي يعتمد بدوره على النفط أو الغاز،وتشير بعض التقديرات الى انه اذا أستمر معدل النمو الحالي، فأنه وفي أقل من عقدين من الزمان سيكون نصيب التوليد الحراري من توفير الكهرباء حوالي 73 في المائة تاركا فقط 27 في المائة للتوليد المائي.
والأمر كذلك، فأنه وفي أطار الأرقام المتاحة حاليا عن حجم الأحتياطيات النفطية الموجودة في السودان، وما لم تتم أكتشافات جديدة ويجري أستغلالها بأدخالها دائرة الأنتاج، فأن الوضع سيصل الى مرحلة تساوي الأنتاج والأستهلاك في غضون سبع سنوات فقط، أي في العام 2018، ثم يتناقص الأنتاج وسد الفجوة عبر الأستيراد حتى يصبح السودان دولة مستوردة بالكامل لتوفير أحتياجات السوق المحلية من المنتجات المكررة وذلك في العام 2025، أي بعد 14 عاما فقط علما ان هذا السيناريو وضع قبل الأنفصال، ومع أضافة ان أي ترتيبات تتخذ لزيادة الأنتاج أو التحول الى مصادر أخرى للطاقة تحتاج الى عدد من السنين ورؤية سياسية وقدرة مالية وفنية وأدارية للتنفيذ.      




(3+3)

أمن الطاقة السوداني

أستنساخ القديم أو فتح لطريق جديد
في الشهر الماضي تلقت المكتبات العالمية كتاب دانييل يرجن الجديد الذي يتحدث عن الطاقة والأمن وأعادة بناء عالم جديد. يرجن، الذي يعتبر مؤسسة بحثية قائمة بذاتها أمضى 12 عاما من قبل أعدادا لكتابه الأول المعنون "الجائزة" وأستعرض فيه تاريخ صناعة النفط منذ الأكتشافات الأولى وحتى غزو العراق للكويت في العام 1991. كتابه الجديد يستعرض أوضاع سوق الطاقة منذ ذلك الوقت وحتى الآن عبر عدد من القضايا والمحاور، لكنه يكاد يخلص الى حقيقة يرى انها تكاد تكون عالمية: ان سياسات الطاقة المتبعة ليست في المسار الصحيح في أي مكان في العالم، الأمر الذي يتطلب أعادة التفكير في الكثير من المسلمات السائدة.
بالنسبة للسودان تبدو أعادة التفكير والمراجعة لما كان سائدا فرض عين وذلك بسبب نذر العودة الى المرحلة الأولى التي عانت فيها البلاد من عدم توفر المنتجات النفطية بالصورة المطلوبة التي تسير بها عجلة الحياة. في أحدى وثائق ويكيليكس المسربة من السفارة الأمريكية في الخرطوم حديث عن العقبات التي تقعد بالسودان عن زيادة حجم أنتاجه النفطي ولخصتها برقية السفارة في ثلاثة عناصر: الأضطراب الأمني، وغياب الأستثمارات الكبيرة والغيوم التي تظلل الوضع السياسي الداخلي. كان ذلك قبل الأنفصال، وهو ما تفاقم بعده وتنبىء عنه حوادث العنف في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وحالة الشلل السياسي القائمة حاليا بسبب عدم وضوح الرؤية فيما يخص استمرار الحكومة الحالية أو تغييرها وفي أي أتجاه، وكل هذا وجد انعكاسا له في تدهور قيمة الجنيه، الذي يعتبر في حد ذاته أحد العوائق أمام الأستثمارات وتوسعها سواء في الصناعة النفطية أو غيرها، الأمر الذي يعيد النقاش الى النقطة المركزية المتعلقة بخيارات الحكم في الجوانب السياسية والأقتصادية.
في الحلقة الماضية من هذه السلسلة تم التطرق الى تنامي حجم الأستهلاك المحلي الذي يتراوح في حدود 100 ألف برميل يوميا وينمو سنويا بمعدل 10-12 في المائة، وهي نسبة كبيرة بأي مقياس ويمكن تقدير ذلك بمقارنته بمعدل النمو السنوي في بلد مثل السعودية الذي يتراوح بين 7-8 في المائة علما ان السعودية لا تتخوف من أحتمال تأثير استهلاكها المحلي على قدراتها التصديرية. أحد الخيارات السهلة التي يتم اللجوء اليها من قبل العقل الديواني رفع الأسعار بما يفترض أن يؤثر على حجم الطلب، لكن خطوة مثل هذه تتجاهل حقيقتين أولاهما وهي الأكثر أهمية أن أكبر مستهلك للطاقة في السودان هو الحكومة نفسها عبر مختلف أجهزتها وعلى رأسها مؤسساتها الدستورية وشاغليها على المستويين القومي والولائي، وثانيا هناك البعد السياسي والأقتصادي والأجتماعي لعملية رفع الأسعار وتأثيرها على الناس والقطاعات الأنتاجية وتحديدا في القطاع الخاص.
بداية الحكومة بنفسها في ترشيد وتقليص أستهلاكها من الطاقة يعتبر الخطوة الأولى والضرورية التي يمكن أن تفتح الباب أمام معالجات أخرى ذات بعد سياسي مثل تقليل حجم الحكومة نفسها، وهو ما يمكن أن يؤهلها للبدء في أتباع برامج وسياسات أخرى في مجال تأمين الطاقة وفوق ذلك القدرة على وضعها موضع التنفيذ.
النقطة الثانية ان السودان تتاح له حاليا فرصة لم تتكرر كثيرا وتربط ما بين تأمين أحتياجات البلاد من الطاقة والخروج مما عرف بالمرض الهولندي أو لعنة النفط الذي عانى منه السودان خلال العقد الماضي وأبرز ملامحه تنامي قوة العملة الوطنية وتركز الأستثمارات في قطاع واحد وتأثير ذلك السلبي على بقية القطاعات الأنتاجية المتجددة خاصة في الجانب الزراعي الذي شهد تدهورا مريعا خلال عقد فورة التنمية ببعدها النفطي. ومع انه لا توجد أرقاما قاطعة لكن يعتقد ان فترة السنوات العشر من الأنتاج النفطي أدخلت الى البلاد مبالغ مالية تتجاوز بأكثر من ضعف كل ما عاد على السودان من موارد منذ الأستقلال، لكن أعادة تخصيص هذه المبالغ والميادين التي صرفت فيها تثير أسئلة كثيرة. ويكفي أن برامج النهضة الزراعية لم تجد مبلغ خمسة مليارات دولارات كانت مخصصة لها في مرحلتها الأولى التي أنتهت هذا العام، علما انه في العام 2008 فقط وضعت الميزانية العامة للدولة على أساس سعر 50 دولارا لبرميل النفط، بينما بدأ العام وسعر البرميل متجاوزا 100 دولار لأول مرة في التاريخ ويتصاعد ليصل الى 147 دولارا في يوليو من ذات العام ثم ليتراجع بعد ذلك، لكن تبقى النقطة الأساسية ان العائدات تجاوزت ما كان مخططا له ولم يتم الأستفادة من تلك الفوائض عبر مال التركيز بالصورة المطلوبة نسبة لتجاوز أستخداماته ماكان ينبغي أن يكون مخططا له وهو الاهتمام بجوانب الأقتصاد الأنتاجية مثل الزراعة والثروة الحيوانية.
الدرس الأساسي في كل ما جرى انه بغض النظر عن حجم الموارد المتوفرة، فأنها تصبح عرضة للتبديد مالم تكن محكومة بمرجعيات وبنيان سياسي يصب في النهاية لصالح الوطن والمواطن. وهذا هو مربط الفرس. وتجربة أستخراج النفط يمكن أن تمثل نقطة الأنطلاق في أعادة انتاج نفس المفاهيم التي كانت سائدة من قبل أو الدخول الى مرحلة جديدة تتواءم مع الشعار المرفوع عن الجمهورية الثانية. فالنفط تم أستخراجه في وجه حالة من العزلة وتم أستخدام عائداته في ميدان القتال مع الحركة الشعبية، الأمر الذي دفع أصدقاء الأخيرة الى نصحها أن تنخرط في مفاوضات سلام جادة والعمل على الأستفادة من بعض عائدات النفط، بدلا من السعي الى وقفه، وهو ما حدث.
تلك التجربة حملت معها قناعات أن ما نجحت فيه الأنقاذ بأمتياز يعطيها الحق في التصرف بعائدات ذلك النفط كما تريد ودون الأقتداء بتجربة سيدنا يوسف التحوطية لمن يريد التأصيل أو التحسب ليوم ماطر كما يقول الفرنجة. والنتيجة الوضع المعاش حاليا من فقدان للعائدات من العملات الصعبة ومخاطر حتى بعدم القدرة على توفير أحتياجات البلاد الأستهلاكية المتنامية، فهل يتم أستنساخ التجربة الماضية أم يتم شق طريق جديد على هدي شعار الجمهورية الثانية المطروح، الذي يتطلب وفاقا أكبر ومهنية أفضل ومساءلة أكثر مما يؤدي بين أشياء عديدة الى تأمين وضع الطاقة في السودان.      
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]