يوم الأثنين الماضي وبعد أسبوع من توصل الحكومة والحركة الشعبية الى أتفاق حول أبيي، أعتمد مجلس الأمن قرارا بنشر القوة الأثيوبية التي ستسيطر على المنطقة وجعلها منزوعة السلاح. قبلها بأربعة أيام أدلى رئيس مجلس الأمن لهذا الشهر نيلسون ميسون من الجابون ببيان رحب فيه بأسم المجلس بوثيقة الدوحة الخاصة بدارفور ومؤتمر أصحاب المصلحة معتبرا ما تم خطوة مهمة الى الأمام من أجل تحقيق سلام شامل وطالبا من مختلف الفرقاء تجاوز خلافاتهم وبذل كل جهد ممكن للوصول الى وقف دائم لأطلاق النار وتحقيق سلام مستدام على أساس وثيقة الدوحة.

النظرة الأولية تشير الى تطور ملحوظ يتمثل في أنتقال قضايا السودان من الساحة الدولية الى الأقليمية. فأتفاق أبيي جاء نتيجة جهد مكثف قام به الأتحاد الأفريقي ممثلا في ثابو أمبيكي وأثيوبيا الى جانب حكومة السودان والحركة الشعبية. أما أتفاق الدوحة الأخير فهو خلاصة جهد بذلت فيه قطر وقتا ومالا وفكرا واستثمارا لصلاتها ديبلوماسية على أمتداد أكثر من عامين، وليس واضحا بعد اذا كان سينجح أو يلقي مصير أتفاق أبوجا في العام 2006، الذي بذلت فيه الولايات المتحدة عبر مفاوضها روبرت زوليك وبريطانيا ممثلة بهلري بن والأمم المتحدة عبر يان برونك جهودا لم تثمر في نهاية الأمر الا اتفاقا ميتا، وحتى التهديدات الغربية بمعاقبة من يتخلف عن التوقيع على الأتفاق لم تجد شيئا.

اذا كانت الحكومة دائمة الشكوى من الأنحياز الغربي للحركة الشعبية أو حركات دارفور المتمردة، فأن بروز الدور الأقليمي في الوساطة يمثل تطورا مهما يمكن أن يعدل من المسار بصورة أو أخرى، لكن وكما هي القاعدة العامة فأن أي حل يأتي بمتاعبه الخاصة به. ونشر القوات الأثيوبية في أبيي خير مثال على هذا. فالتقليد السائد تجنب أن يكون لدول الجوار دور متميز في قوات حفظ السلام، وذلك للخوف من نشوء أحتكاكات بين هذه القوات والسكان المحليين أو قوات الدولة التي تنتشر قوات حفظ السلام في أراضيها وأن تتطور تلك الأحتكاكات لتمس عصب العلاقات الثنائية بين البلدين وفي هذه الحالة السودان وأثيوبيا.

ولهذا فعلي قدر أهمية الأتفاقيات والتدقيق في بنودها، الا ان الأكثر أهمية من ذلك التنفيذ ومتابعته بكل تفاصيله وما يمكن أن ينتهي اليه في أرض الواقع وعدم السماح بتطورات يمكن أن تؤدي الى نتائج معاكسة للهدف الذي أبرم الأتفاق من أجله في الأساس. وهذه النقطة من الأهمية بمكان، وما جرى ويجري في أبيي وجنوب كردفان دليل على ذلك.
فأول خطوة في تنفيذ بروتوكول أبيي تمثلت في أختيار الخبراء الذي سيكون تقريرهم نهائيا، وهو ما كان يتطلب التدقيق والبحث في خلفيات هؤلاء الخبراء ومدى حيادهم أو أنحيازهم للحركة. وحتى بعد أن تم أختيارهم وقاموا بأعداد تقريرهم سمح لهم بالقدوم ومقابلة مؤسسة الرئاسة مباشرة دون المرور على مستوى سياسي أو تنفيذي أدنى كان يمكن أن يطلع على التقرير ويثير الأعتراضات عليه بدون أقحام مؤسسة الرئاسة في الأمر أبتداءا. وليس واضحا حتى الآن اذا كان ما حدث نتيجة قصور تنفيذي ومهني أو سوء تقدير سياسي.

ونفس الشىء ينطبق على ملف الترتيبات الأمنية. فالأتفاقية تقضي بوجود الجيش الحكومي والجيش الشعبي الى جانب القوات المشتركة وتخير المليشيات الموجودة في الأنضمام الى أي من الجانبين، وفيما عدا ذلك وضعت ترتيبات معينة لسحب قوات الجيش الى شمال خط الحدود في 1/1/1956 وقوات الجيش الشعبي الى جنوب ذلك الخط. فالمادة 18.2 من الأتفاقية تفصل بالمواقيت الزمنية والنسب المئوية كيفية أعادة أنتشار القوات السودانية المسلحة شمالا بداية ب 17 في المائة في أول ستة أشهر بعد بدء سريان الأتفاقية ولتنتهي بالمرحلة الخامسة وأعادة نشر آخر 28 في المائة بعد 30 شهرا.

وبالنسبة للحركة الشعبية تبدأ بأعادة نشر 30 في المائة الى جنوب خط 1/1/1956 في خلال فترة أربعة أشهر من بدء سريان الأتفاقية وتنتهي بآخر 30 في المائة في غضون فترة 12 شهرا من بدء سريان الأتفاقية، أي انه بحلول منتصف الفترة الأنتقالية كان يفترض أكتمال اعادة الأنتشار وفق الأتفاقية، الأمر الذي لم يحدث. ووفقا لتقرير السكرتير العام للأمم المتحدة عن السودان في 31/12/2010، فأنه في الوقت الذي أنجز فيه الجيش السوداني أعادة الأنتشار شمال الخط التاريخي بنسبة (100) في المائة، فأن الجيش الشعبي أعاد أنتشاره بنسبة (37.7) في المائة فقط.

والأمر لا يتعلق فقط ببنود واضحة لأتفاقية عليها شهود دوليون، وأنما كان يمكن أستغلال الوضع السياسي لأنفاذ جانب الترتيبات الأمنية بصورة كاملة ومن ثم قفل الباب أمام ما يحدث حاليا في جنوب كردفان. والأشارة الى الأستفتاء الذي كان يمكن التهديد بتعطيله مالم تسحب الحركة كل القوات التابعة لها في الشمال، الأمر الذي سيشكل ضغطا ببعد دولي على الحركة ومن ثم نقل كل القوات بسلاحها الى الجنوب ويبقى وضع الشماليين في الحركة بعد الأنفصال، وهو ما يمكن معالجته بسهولة ويسر في غياب وجودهم متجمعين وبسلاحهم في الشمال. ومرة أخرى يبرز السؤال هل هذا قصور تنفيذي أو مهني أو سوء تقدير سياسي أنطلق من الآمال بدفع الحركة للأنحياز الى خيار الوحدة.

والنتيجة انه مع كثرة الحديث عن الجمهورية الثانية، فأن هذه الجمهورية مرشحة لتبدأ بذات الخطوات التي بدأت بها الجمهورية الأولى، وفي البال تمرد توريت في العام 1955 وقبيل أستقلال السودان الذي طبع معظم نصف القرن من عمر الجمهورية الأولى. وهاهي الحكومة تعلن رسميا عن وجود تمرد في جنوب كردفان وقبل الأعلان رسميا عن قيام الجمهورية الثانية.

وقد يرى البعض ان الوضع مختلف الآن بعد أنفصال الجنوب وان التمرد الحالي يمكن أحتواءه عسكريا، لكن في العام 1955 كان السودان في وضع أفضل من ناحية قدرات الدولة وعلاقاتها داخليا مع شعبها وخارجيا مع الدول الأخرى وأهم من ذلك حالة الأمل التي كانت تعيشها البلاد وهي تتهيأ لمرحلة الأستقلال. وهذا هو الغائب الأكبر حاليا مع حالة الأحتقان السائدة.
Alsir Sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]