(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
مع تصاعد التوتر في أبيي وأقتراب موعد الأستفتاء وتزايد الأسئلة حول مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب حال الأنفصال، بدأت تبرز أسئلة أخرى حول مستقبل الشمال نفسه من الناحية الأخرى خاصة وكل الترتيبات التي جاءت بها أتفاقية السلام ستنتهي في يوليو المقبل، الأمر الذي يطرح تساؤلا اذا كانت الأنقاذ ستمضي في طريق التطور التدريجي الذي بدأت فيه أم تنكفىء عودا الى طبعتها الأولى في ضوء مخاطر حقيقية أو متوهمة.
بصورة عامة يمكن الأشارة الى مسارين يمكن أن يكتنفا علاقة الشمال والجنوب: ينطلق الأول من حسابات المصلحة المشتركة التي يفترض أن تكون الأساس، وهو ما عبر عن نفسه في اتفاق الترتيبات الأمنية لحماية الصناعة النفطية ومرافقها قبل وأثناء وبعد الأستفتاء. صورة توقيع الأتفاق من قبل كل من عبد الرحيم حسين ونيال دينق وخلفهما علي عثمان ورياك مشار وبحضور وزيري النفط والداخلية في الشمال والجنوب مثلت أبلغ رسالة ان الطرفين يعيان مصلحتهما المباشرة، التي تتمثل في أن أي وقف لتدفق النفط لا يعني فقط فقدانا للعائدات التي تمثل لحكومة الجنوب 98 في المائة من أيراداتها وبنسبة أقل لحكومة الشمال، وأنما الخطورة في أن أي توقف يزيد على 72 ساعة يهدد العديد من مرافق الصناعة مثل خطوط الأنابيب أن يتجمد فيها النفط بما يمكن أن يؤدي الى تلف لا يمكن أصلاحه وبالتالي فقدان لأستثمارات بملايين الدولارات ووقت قد لا يمكن أستعادته.
كان يمكن لهذه الخطوة أن تمثل نقطة أرتكاز يمكن البناء عليها دعما لخيار المصلحة المشتركة  وتمتينه عبر خطوات أخرى ومتتالية وفي مسارات مختلفة. وبالفعل بدأ هذا الأتجاه بأقتناص فرصة لقاء أستضافته فيينا الشهر الماضي بين وفدين من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية تم الترتيب له من قبل بعض مؤسسات الأبحاث النمساوية والأوروبية للبحث في قضايا ما بعد الأستفتاء، وخلص اللقاء الى تطوير فكرة الأعتماد المتبادل بين الطرفين في الجوانب السياسية والأمنية والأقتصادية والأجتماعية وذلك أنطلاقا من الحفاظ على مكاسب الوحدة وتقليص التبعات السلبية للأنفصال بما يضع الأساس للعمل سوية من أجل الترابط بين الشمال والجنوب. الأسبوع الماضي شهد لقاءا في الخرطوم لذات المجموعة لتطوير الفكرة والحصول على مباركة سياسية لها من كل من النائب الأول لرئيس الجمهورية سلفا كير والنائب علي عثمان، الأمر الذي مهد الطريق الى خطوة ثالثة في ذات الأتجاه يجري النقاش بشأنها بأمل تعضيد رسالة تطمين للشعب السوداني بعدم العودة الى الحرب مطلقا وتجاوز عموميات الحديث عن الترابط الى مشاريع وأفكار محددة.
 ثم جاء قرار الغاء الدورة المدرسية في بحر الغزال ليركز الأنتباه على المسار الموازي، الساعي الى قطع أي صلة بين شمال البلاد وجنوبها. فالخطوة تتجاوز تبادل اللكمات بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتضرب في عمق العلاقات الشعبية، وكان يمكن نقل الدورة الى مدينة جنوبية أخرى أكثر أمنا اذا كان الهدف فعلا الحفاظ على سلامة المشاركين من قصف الطيران العسكري وأعطاء العلاقة الشعبية فرصة للتعايش خلال فترة الدورة. لكن مقاطعة الدورة المدرسية السابقة في دارفور وعدم السماح لأي طلاب من ولايات الجنوب بالمشاركة فيها وقبل ذلك عدم قيام النائب الأول بأي زيارة الى أي منطقة في الشمال عدا ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق لأن للحركة الشعبية وجود فيهما يشير الى قناعة قوية لدى قيادة الحركة بالأنكفاء على الجنوب وعدم ترجمة حقيقة الجوار الجغرافي الى سياسات وممارسات مع الشمال في أتجاه الترابط الأقتصادي والأجتماعي والأمني القائم على المصلحة المشتركة خاصة وهناك عشر ولايات على جانبي الحدود تضم ثلث سكان السودان.
وفي هذه الأثناء يبرز شريط جلد الفتاة ليعيد طرح الأسئلة المحورية حول توجهات الحكم عقب الأستفتاء. وهي أسئلة تتجاوز أستنكار أحد الناطقين بأسم الشرطة حول التوقيت في محاولة واضحة لأبعاد التركيز عن القضية الأساسية التي أثارها الشريط. الشرطة في نهاية الأمر جهة تنفيذية والسهام ينبغي أن تصوب الى القانون نفسه الذي يسمح بمثل هذه العقوبات حتى اذا تم تنفيذها بلطف. ومع ان هم التصدي لقانون النظام يكاد أن يصبح مسؤولية مشاعة، الا ان ثلاث جهات أساسية تحتاج أن تقوم بدور أكثر نشاطا وأستمرارية. فهناك الجانب الأعلامي والصحافي تحديدا لأبقاء القضية حية وتجاوز كتاب الأعمدة الى العمل الصحافي الأعرض من الخبر والتحقيق والمقابلة، وهناك أيضا الجانب القانوني خاصة من المحامين المهتمين بقضايا الحريات وأخيرا الجانب التشريعي حيث يتباهى البرلمان الحالي أن ثلث أعضاءه على الأقل من النساء، الأمر الذي يفرض مسؤولية وتبعات أكثر وهو ما يضع على المحك خيارا أكثر حدة هل تكون الأولوية للولاء السياسي أم لقضايا المرأة. فالعديد من المسائل المتعلقة بقانون النظام العام تاهت في سراديب الولاءات والعصبيات السياسية.
قضية النظام العام هذه ستفتح الباب أمام مراجعات عديدة خاصة لفترة السنوات الست الماضية وهل ستعود الأنقاذ الى بداياتها أم ستستمر في طريق التطور التدريجي الذي أنتهى بأول أنتخابات تنافسية. ورغم ما شابها الا انها أسست لمبدأ أكتساب الشرعية من صندوق الأنتخابات وأعطاء الأقاليم حق أنتخاب ولاتها ومجالسها التشريعية، وهي مكاسب سيكون من الصعب التخلي عنها تماما مثلما سيكون من الصعب الغاء أفكار قسمة السلطة والثروة التي جاءت بها أتفاقية السلام.
على المحك سيكون الوضع التشريعي والقانوني والسياسي لشمال السودان بعد الأستفتاء. فكل ترتيبات نيفاشا ستفقد مشروعيتها بأنتهاء أجل الأتفاقية في يوليو المقبل. وهو ما يتيح الفرصة لممارسة سياسية جديدة ستواجه تحديا أكبر في جانب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني أن تنجح في أحداث نقلة من باب التنظير والنشاط الأعلامي، الذي أصبح يشكل سقف العمل المعارض الى فعل يضع بصمات واضحة بما يسهم في تطور الحركة السياسية.