تشكل الخطوة التي قام بها رئيس الحركة الشعبية سلفا كير من جمع للصف الجنوبي عبر الحوار مع مكونات ذلك المجتمع نقلة نوعية في المناخ السياسي يؤمل أن تتوسع لتشمل الشمال كذلك، من ناحيتي حدوث حوار مماثل في الشمال وآخر بين طرفي البلاد. عمليات المصالحة هذه المتمثلة في الخطوة التي شهدتها جوبا خلال الأيام القليلة الماضية وتبلورت في سكرتارية تنفيذية عقدت أولى أجتماعاتها فعلا، ويؤمل تكرارها في الشمال، تعتبر في واقع الأمر من متطلبات أتفاقية السلام، بل وجرى التأكيد عليها في طيبة الذكر المصفوفة التي توافق عليها الشريكان في يناير من العام 2008 أثر الأنسحاب الشهير لوزراء الحركة من الحكومة.
لكن هذا الجانب من الأتفاقية لم يحظ بأي أهتمام من الشريكين ولم يصبح مثار خلاف يحتل مكانة متقدمة في وسائل الأعلام أو جهود الوسطاء كما هو الحال مع ملفات أبيي والنفط والحدود وغيرها، بل على العكس أجتهد الشريكان في تمتين سلطتهما كل في مجاله وأبعاد بقية القوى السياسية حتى وصل الأمر بالدكتور لام أكول، الذي يترأس حزبه المعارضة البرلمانية الرسمية للحركة، الى وصف حكومة الجنوب انها حكومة الأمر الواقع، وهو تعبير كان قاصرا على الخرطوم.
أقتراب موعد الأستفتاء، وهو الأستحقاق الأساسي خاصة بالنسبة للحركة فرض عليها فيما يبدو التحرك ونفض الغبار عن موضوع المصالحة السياسية على الأقل في الجانب الذي يخصها، وهو الساحة الجنوبية وذلك بهدف تحقيق أكبر قدر من التوافق السياسي وتقوية موقف الحركة قبيل مفاوضاتها في قضايا الأستفتاء مع المؤتمر الوطني وتحديد موقفها النهائي والرسمي من خياري الوحدة والأنفصال.
فليس سرا ان الحركة تتنازعها خمس عوامل رئيسية عندما ينسحب النقاش الى قضية الوحدة والأنفصال: ثلاثا منها تدفع بأتجاه الوحدة، والأثنان الآخران يدفعان بأتجاه الأنفصال. وبالنسبة لخيار الوحدة، فأن وجود عناصر من الشمال ممثلة في بعض أبناء ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان خاصة النوبة والمسيرية تصل أعدادهم الى بضعة الاف في جيش الحركة أثبتوا وجودهم خلال سنوات القتال، الأمر الذي جعلهم يشكلون عنصرا مهما لابد من وضعه في الأعتبار عند أتخاذ القرار السياسي. الأمر الثاني يتعلق بالوعي الذي بدأ يتبلور ويتأكد حول حدود القدرة الأمريكية في التأثير. فالحركة سجلت نجاحا غير مسبوق في التحول من حليف لأثيوبيا اليسارية وبالتالي للمعسكر الشرقي الى حليف للمعسكر الغربي بعد أنهيار نظام منجستو هيلي ماريام مطلع العقد الماضي، بل وتعمق نجاحها أثر نسجها لشبكة علاقات مع قوى الضغط على الساحة الأمريكية مثل مجموعات السود في الكونجرس والمسيحيين في الحزب الجمهوري تحديدا، وبلغ قمة النجاح في أن السودان أصبح قضية داخلية أمريكية، وآخر دليل على هذا قيام قرابة 20 من أعضاء الكونجرس بتوجيه خطاب مفتوح الى الرئيس باراك أوباما يطلبون فيه مقابلة سلفا كير في البيت الأبيض، الأمر الذي لم يحدث لأن للأدارة حساباتها الأخرى.
على ان الأهم ان القناعة بدأت تترسب لدى قيادة الحركة ان القدرة الأمريكية على التأثير أصبحت في طريقها الى الأضمحلال. وفي الرابع والعشرين من الشهر الماضي نشرت مجلة "نيوزويك" موضوعا عن السودان يلفت النظر فيه أمران: ان الخط العام للموضوع ان الولايات المتحدة ليس في مقدروها العمل على أصلاح مناطق بعيدة مشتعلة بالمشاكل وأنفاق الأموال عليها في الوقت الذي تحتاج فيه الى التركيز على مشاكلها أو تلك التي تهمها مباشرة. والأمر الثاني التصريح الذي أدلى به سلفا كير للمجلة وقال فيه بالحرف: "أعتقدت دائما أن أمريكا يمكنها أن تفعل أي شىء، لكن في حالتنا لا يحدث ما يؤكد ذلك. أنهم مشغولون بالتزامات أخرى كثيرة."
ولم يمض وقت طويل حتى أثبتت الأحداث صحة نظرة سلفا كير هذه. فأجتماعات نيويورك أعقبها تدخل أمريكي مباشر لحلحلة ملف أبيي، بل وأدعى الناطق بأسم وزارة الخارجية حدوث تقدم دفع بنقل المباحثات الى أثيوبيا، لكن بعد تسعة أيام من المفاوضات المباشرة تحت الرعاية الأمريكية بقيادة المبعوث سكوت قريشن وطاقمه فشلت واشنطون في تحقيق أختراق ووصل الأمر بها الى تحويل الملف الى رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو أمبيكي وبرعاية مباشرة من الزعيم الأثيوبي مليس زيناوي، الأمر الذي سيسجل خصما على الدعم الأمريكي المباشر لمواقف الحركة.
أما العامل الثالث فيتركز في القبول الأقليمي بدولة جديدة. وفي الوقت الذي تبرز فيه يوغندا أقوى الداعمين علانية لخيار الأنفصال، فأن بقية المنظومة الأفريقية وعلى رأسها أثيوبيا وأرتريا وجنوب أفريقيا وزمبابوي تأتي على رأس القوى التي تمحض النصح لقيادة الحركة الا تقع بثقلها خلف خيار الأنفصال.
ضعف التأثير الأمريكي والغربي عموما وما يمكن أن يتبعه من عدم قدرة في توفير الدعم في المجال الأقتصادي بسبب الأزمة المالية والأقتصادية التي لاتزال تؤثر في الأوضاع الغربية عموما يضاف اليه التحفظات الأقليمية على الأنفصال خاصة اذا لم تعترف الخرطوم بنتيجة الأستفتاء لأسباب تتعلق بحريته ونزاهته ستجعل من مهمة بناء الدولة الجديدة أكثر صعوبة، خاصة وفترة السنوات الخمس الماضية أوضحت أن جوبا يمكن أن تتصرف بنفس طريقة حكومات الخرطوم كما جاء في مقال طويل في مجلة "الأيكونومست" بتاريخ 23/9  الماضي.
لكن من الناحية الأخرى فأن التطلعات الأنفصالية حقيقة واقعية بدليل انه لا يوجد أي حزب سياسي جنوبي يدعو للوحدة، ثم أن عملية الأستفتاء تمثل آخر فرصة يمكن للجنوب أستغلالها لتحقيق الأنفصال. وهذان العاملان يضافان الى الثلاثة تدفع الحركة بأتجاه تأجيل أجتماع مجلس التحرير وحشد أكبر قدر من السند السياسي الجنوبي قبل الدخول في مفاوضات المرحلة الأخيرة، التي يفترض أن يقودها النائبان سلفا كير وعلي عثمان.  

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]