فوجىء الاعلاميون الذين تمت دعوتهم لحضور أول مؤتمر صحفي للنائب الأول لرئيس الجمهورية سلفا كير بصفته الدستورية تلك في أغسطس من العام 2005 أن بونا ملوال هو صاحب فكرة تقديم سلفا الى الشعب السوداني عبر ممثلي وسائل الأعلام المحلية. لم يقتصر نشاط بونا على الجانب الأعلامي فقط، وأنما أسهم في حلحلة قضية فاولينو ماتيب والتهيئة للوفاق الجنوبي-الجنوبي، الأمر الذي نتج عنه قبول ماتيب تعيين تعبان دينق واليا لولاية الوحدة المنتجة للنفط. فقوات فاولينو التي قاتلت الى جانب الحكومة ومنع الحركة الشعبية من وقف تصدير النفط ولو لمدة يوم واحد كانت رقما لا يمكن تجاوزه الا بوفاق سياسي.
قرب بونا من سلفا كان أبرز ملامح تلك الفترة. فالرجل كان من أشد منتقدي الدكتورجون قرنق ووصل الأمر الى رفع قضية ضده في نيروبي تمكن قرنق من تجاوزها بعد أن قدم أعتذارا علنيا لبونا أمام جمع من قيادات الدينكا. لكن تلك العلاقة لم تتواصل، بل وبدأت في التباعد بسبب أحكام بعض قيادات الحركة سيطرتها على مفاصل الأمور وكان نجاحها الكبير في أزمة أواخر العام 2007 عندما قامت بسحب وزراء الحركة من الحكومة في خطوة كان أحد أهدافها الرئيسية التخلص من وزير الخارجية الدكتور لام أكول، الذي كان يدعو الى خط سياسي مخالف يقوم على التعاون مع المؤتمر من باب ان الحركة شريكته لتنفيذ الأتفاقية لا مواجهته كحزب معارض. وأنتهى الأمر ببونا سياسيا معارضا للحركة، بل وأشتكى مرارا من منعه من التحرك السياسي في الجنوب من قبل الحركة الشعبية.
مطلع هذا الأسبوع عاد بونا الى الواجهة مرة أخرى بعد نجاحه في ترتيب لقاء بين سلفا ومتحديه في الأنتخابات ومنافسه السياسي الرئيسي في جوبا. الخطوة في حد ذاتها تعتبر تطورا سياسيا مهما في توقيت حساس اذ يتهيأ الجنوب الى ممارسة حقه في تقرير مصيره، ومن الأفضل جمع كل الصف الجنوبي وتنحية الخلافات السياسية جانبا. ورغم قرب بونا من المؤتمر الوطني وتعيينه مستشارا لرئيس الجمهورية، الا ان موقفه كان يقوم دائما على ضرورة التعاون مع المؤتمر الوطني ومع الرئيس عمر البشير تحديدا لأنه السياسي الشمالي الوحيد في السلطة، الذي أقر بحق الجنوب في تقرير مصيره. ولهذا تحرك بنشاط لدعم ترشيح البشير لرئاسة الجمهورية.
السؤال المطروح يتجاوز تأثير الخطوة على اللقاء الجنوبي-الجنوبي الى تساؤلات حول نوعية التفاعلات التي ستحدثها تحركات بونا ولام أكول هذه داخل الحركة وعلاقتها مع المؤتمر الوطني خاصة وهناك العديد من الملفات العالقة بين الأثنين وعدم التقدم فيها يجعل خيار المواجهة العسكرية أمرا محتملا.
ابان أزمة أنسحاب وزراء الحركة الشعبية من الحكومة المركزية أعلن بونا عن موقفه منتقدا للخطوة، وكان لافتا للنظر في أنتقاداته تلك طالت الموقف الذي تبنته الحركة تجاه قضية أبيي، التي يعتقد انها أخذت حجما سياسيا أكبر من حجمها الطبيعي وذلك بسبب نفوذ أبناء أبيي الكبير داخل الحركة وتأثيرهم على قيادتها. فرغم أعترافه بالمشكلة الا ان بونا يرى انها لا تكفي وحدها لجر الطرفين الى المواجهة العسكرية مرة أخرى و لاينبغي لها ذلك، لأنها لم تنضم الى الشمال جبرا أو عن طريق القوة، وأنما قرر دينكا نقوك عبر قيادتهم وبملء ارادتهم الأنضمام الى الشمال ويكونوا جزءا من مديرية كردفان وقتها وذلك في العام 1905، وهو ذات الموقف الذي أكده زعيمهم الأسطوري دينق مجوك بعد ذلك بقرابة نصف قرن من الزمان. ويضيف بونا في مرافعته تلك ان مرور كل هذه السنوات أثرت قطعا على التركيبة الأجتماعية للمنطقة، ثم انه اذا كانت أبيي غنية بالنفط، كما تردد وسائل الأعلام، فأن السبيل لأستغلال ذلك النفط لخير السكان يكون عبر السلام، لا الحرب.        
الآن وفي الحديث عن ترتيبات الأستفتاء يبرز ملف أبيي، حيث ينبغي أن يجري أستفتاء متزامن مع الأستفتاء العام لأهل المنطقة وسؤالهم بشأن الأنضمام الى الجنوب أو يبقوا جزءا من الشمال، لكن الخلافات السياسية أعاقت حتى تشكيل مفوضية الأستفتاء الخاصة بأبيي، كما ان تعريف من يحق له التصويت في الأستفتاء أصبح عقبة كبيرة زاد في تفاقمها أعلان المؤتمر الوطني انه ما لم يسمح للمسيرية بممارسة حق التصويت في الأستفتاء، فأن العملية كلها تصبح مهددة.
وهكذا يعود ملف أبيي ليعيق أنجاز آخر أستحقاق في أتفاقية السلام، بل أكثر من ذلك يهدد بجر طرفي الأتفاقية الى حافة الحرب مرة أخرى. فهل يمضي هذا الأتجاه في طريقه الى النهاية بما يمكن أن يشل مجمل عملية الأستفتاء الخاصة بجنوب السودان كله؟ هذا سيكون المحك الذي يمكن من خلاله متابعة تأثير بونا ملوال الجديد في الحركة، الأمر الذي يعيد الى الواجهة الحديث عن التفاعلات التي يمكن أن تحدثها مثل الخطوة على الوضع السياسي الداخلي للحركة.
فبونا لن يكون وحده، وأنما هناك لام أكول وحزبه، الذي فاز بعدد مقدر من الدوائر في منطقة الشلك أهلت حزبه ليصبح المعارضة الرسمية في البرلمان، وهو ما يعتبر خصما على نفوذ منافسه باقان أموم، أذ ينتميان الى نفس المنطقة.
نجاح بونا في تهدئة الوضع الخاص بملف أبيي يمكن أن يدفع بأتجاه ملفات أخرى على رأسها أستقواء الحركة بالولايات المتحدة ومناصريها هناك، اذ يرى ان القوى الأجنبية تعمل لخدمة مصالحها الخاصة في المقام الأول وأن حقائق الجغرفيا ستجعل الجنوب والشمال جيرانا ولا بد من وجود صيغة للتعايش حتى اذا حدث الأنفصال. واذا نجحت خطوة بونا هذه في خلخلة سيطرة العناصر الأنفصالية على توجهات الحركة والدفع في أتجاه التصعيد، فأن الأحتمال يبقى كبيرا في الوصول الى طلاق سلس.  

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]