عقب ألقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون خطابا الأسبوع الماضي أمام مجلس العلاقات العلاقات الخارجية، أتاح رئيس المجلس ريتشارد هاس الفرصة أمام الحضور ليدلوا بتعليقات أو يطرحوا أسئلة. أحد الباحثين في المجلس تساءل عن السودان، ولفتت أجابة الوزيرة الأنتباه بحديثها عن حتمية انفصال الجنوب وأن الوضع في السودان عموما عبارة عن قنبلة موقوتة، لكن مالم تحمله وسائل الأعلام الخلاصة التي ذكرتها كلينتون في حديثها عن صعوبة أقناع الشمال بالقبول بالأنفصال والجنوب انه ما لم يرد الأستمرار في سنوات أخرى من القتال وأضاعة فرص بناء دولته فأن عليه الوصول الى تفاهمات مع الشمال. وأختتمت كلينتون مخاطبة السائل "اذا كانت لديك أي أفكار في هذا الشأن فالرجاء اخطارنا بها".
الضحكات التي أعقبت هذه العبارة تعطي الأنطباع ان الحضور أعتبروا طلبها للسائل أن يمدها بأي أفكار بمثابة نكتة، لكن يبدو ان الأدارة الأمريكية محتارة فعلا فيما ينبغي عمله تجاه السودان، ولهذا بدأت التسريبات الأعلامية عن عزم الأدارة التقدم بمجموعة من الحوافز مع التهديد بالمزيد من العقوبات في مسعى لأنجاز الأستفتاء على حق تقرير المصير بصورة سلمية.
لكن قبل البحث عن الأفكار الجديدة لمعالجة أوضاع السودان المتأزمة تحتاج واشنطون الى القيام بخطوة أساسية تتمثل في أستعادة سياستها الخارجية تجاه السودان المختطفة من قبل مجموعات الضغط وجعلها في أيدي المحترفين من ديبلوماسيين وموظفي الأجهزة الرسمية الأخرى، الذين يفترض فيهم أن يخدموا مصالح بلادهم وليس الأجندة الخاصة بهذه المجموعة أو تلك. بعبارة أخرى أستعادة ملف السودان من كونه قضية داخلية كما هو عليه الحال الآن ليصبح قضية علاقات خارجية يحكمها معيار السياسة الدولية القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.
فلأكثر من عقدين من الزمان ظل الملف السوداني موزعا بين الهموم الداخلية لمجموعة الضغط هذه أو تلك، الأمر الذي أصاب العمل الديبلوماسي المحترف بالشلل وهو ما يبدو جليا في سجل الأدارات الديمقراطية تحديدا. ففي منتصف العقد الماضي قررت أول وزيرة للخارجية مادلين أولبرايت وأستنادا الى نصائح ديبلوماسيها اعادة السفير الأمريكي الى الخرطوم من نيروبي، التي نقل اليها تحت دعاوى مهددات أمنية. وكانت حيثيات القرار تستند الى تنامي الاهتمام الامريكي بالسودان وحربه الأهلية المتطاولة والتعاون الأستخباراتي الذي بدأ بين البلدين وغيرها من قضايا تتطلب وجودا ديبلوماسيا على الأرض كي يتمكن من المتابعة.
أولبرايت أصدرت القرار بأعادة السفير، لكن تلك الخطوة لم تعش لأكثر من 24 ساعة، حيث نجحت مجموعات الضغط في حملها على التراجع عنه وكان منطقها أن تلك الخطوة تعتبر مكافأة لنظام لا يستحقها. وظل هذا التبرير شماعة تعلق عليها أي خطوات لتطبيع العلاقات بين البلدين، بل ووصل الأمر بأدارة كلينتون أن تقوم بتحركات فارغة لا تحتوي على أي مضمون أرضاء لهذه المجموعات وأعطاءها الأنطباع أنها تفعل شيئا. وخير نموذج على هذا التوجه قيام الرئيس كلينتون نفسه بتعيين مبعوث خاص للسودان هو السناتور السابق هاري جونستون في أواخر أيام حكمه. وتعيين المبعوث الخاص يكاد يكون بندا ثابتا في أجندة هذه المنظمات، لأنه في الغالب يأتي من خارج الطاقم الديبلوماسي الموجود، الأمر الذي يثير أشكالات مع المؤسسات الرسمية وعلى رأسها الخارجية، وهو ما يتيح فرصا أفضل لمجموعات الضغط أن تدلي بدلوها في رسم السياسة وتسييرها كما تأمل.
المبعوث جونستون أمضى حوالي العام في منصبه لم يلتق خلالها مرة واحدة بكلينتون، الأمر الذي يوضح بجلاء الأهمية التي توليها الرئاسة الأمريكية لمنصبه ذاك.
في خطابها المشار اليها تحدثت وزيرة الخارجية كلينتون عن التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأمريكية ووصفتها انها "اللحظة الأمريكية الجديدة" التي يمكن خلالها للولايات المتحدة تأكيد ريادتها وقيادتها للعالم، رغم ان ممارستها لهذا الدور قد يتطلب اللجوء الى أساليب جديدة للعمل.
بعض النقاط التي أوردتها كلينتون في أستراتيجيتها المشار اليها تكاد تنطبق على السودان حرفيا، اذ تشير الى ضرورة رفع الطاقات والكفاءة لدى الشركاء في الدول النامية ومساعدتها للحصول على الدعم والأدوات المطلوبة التي تحتاج اليها لمواجهة مشاكلها وحلها، وأحداث نقلة في حيوات الناس وأسرهم ومجتمعاتهم ونقلهم من حالة الفقر التي يعيشون فيها وبعيدا عن التطرف وتحقيق النمو المستدام.
ومن هذا المنطلق برزت فيما يبدو التسريبات الأعلامية الأخيرة عن حزمة الحوافز التي تعتزم واشنطون طرحها على الشمال والجنوب لمنع الأنزلاق نحو حرب أهلية جديدة. ولهذا يبدو السودان المكان الأكثر ملائمة لوضع هذه الأستراتيجية موضع التنفيذ. فهاهو بلد عاش حالة من الحرب المتصلة لسنوات عديدة، وتوصل في ختامها الى اتفاق سلام ينتهي بممارسة لحق تقرير المصير، لكن هناك العديد من القضايا المتشابكة التي تحتاج الى جهد ورؤية ثاقبة وفوق ذلك وسيط نزيه للوصول الى حلول مبتكرة ونقل حالة الخسران المبين التي ستتجاوز الشمال والجنوب الى الأقليم بأكمله فيما اذا أندلع العنف، الى وضعية يمكن للكل أن يكون فيها رابحا.
عندما تسلم السناتور جون دانفورث ملف السودان مبعوثا خاصا قرر القيام بتجربة جزئية للحلول المقترحة عبر ابرام اتفاق لوقف أطلاق النار في منطقة جبال النوبة فقط. الحركة الشعبية لم تكن سعيدة بهذا المقترح لأنه يبدأ بوقف لأطلاق النار وبالنسبة لأستراتيجية الحركة، فأن هذا آخر بند يتم التطرق اليه، كما ان المقترح يفصل الجنوب عن الشمال والحركة ترغب دائما في رؤية نفسها منظمة قومية. وكان أن أتصلت ببعض مناصريها من جماعات الضغط الذين ألتقوا بالرئيس جورج بوش لطرح وجهة نظرهم، ووفقا لما ذكره لي السفير السابق روبرت أوكلي الذي عمل في البداية مع دانفورث، فأن بوش عقب على تساؤلات تلك الجماعات بتساؤل مضاد: هل تريدون أحلال السلام في السودان أم الأطاحة بالنظام؟   
وبتعديل بسيط يمكن طرح ذات السؤال على الوجه التالي: هل تريد واشنطون (أو تعمل) للوصول الى طلاق سلس بين الشمال والجنوب يفتح الباب أمام علاقات أيجابية بين الطرفين اذا تعذرت الوحدة، أم ترك الأمر لمجموعات الضغط والوصول الى اقامة دولة عدائية في الجنوب تصبح منصة لتسوية حسابات مع النظام والشمال ككل.
وعلى المحك أستراتيجية "اللحظة الأمريكية" ببعدها الأقليمي المضاعف فيما اذا أندلع عنف الشمال والجنوب بين دولتين في حالة عداء.  

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]