في الوقت الذي أصبح فيه عنصر الوقت ضاغطا بما يثير علامات أستفهام حول أمكانية أجراء الأستفتاء الخاص بجنوب السودان في موعده وبصدقية تعطيه قبولا محليا واقليميا ودوليا، تبرز خيارات أخرى ما بين التأجيل الذي تستبعده قيادة الحركة الشعبية التي عبأت الشارع الجنوبي بطريقة أصبحت فيها أسيرة له، وبين خيارات أخرى على رأسها اعلان أستقلال من داخل برلمان الجنوب المنتخب. وهذه الخطوة ان تمت لن تكون فقط أقتداءا بما فعله الشمال نفسه الذي لم يصبر ليتدرج في مراقي الحكم الذاتي وعمل على الحصول على أستقلاله بقرار برلماني، وأنما أيضا اهتداءا بأتفاقية السلام نفسها.
فاتفاقية السلام وتحديدا بروتوكول مشاكوس تناول هذه القضية في البند 1.3 الذي يقول نصه:
That the people of South Sudan have the right to self-determination, inter alia, through a referendum to determine their future status
والعبارة المفصلية في الكلمتين اللاتينيتين inter alia وتعنيان (من بين أمور أخرى). ويبدو واردا خيار اللجوء الى برلمان الجنوب لتحديد ما يمكن أن يحدث مع تعذر أجراء الأستفتاء. الكلمتان اللاتينيتان، وهما لازمتان يتم ايرادهما تلقائيا في أي أتفاق وأحيانا من باب سد الذرائع وضمان تغطية كل الخيارات الممكنة بدون التقيد الحرفي بذكر أي خيار يكتسبان هذه المرة ثقلا غير معهود لأنهما سيكونان القابلة التي تمهد الطريق لولادة دولة جديدة في القارة الأفريقية، وللدرجة التي يمكن التساؤل معها اذا كان هذا الأحتمال واردا في أذهان المتفاوضين في يوليو من العام 2002 وهم يوقعون على أتفاق ماشاكوس الأطاري وهل دار بخلدهم ان ينتهي الأمر بخيار أعلان الأستقلال من داخل البرلمان بسبب المشاكسات بين الشريكين وتسرب الوقت من بين أيديهم للدرجة التي يكاد يكون من المتعذر أجراء الأستفتاء، أو تقصير بعض المواعيد الزمنية حتى يمكن اللحاق بموعد التاسع من يناير المقبل الذي يكاد أن يصبح تاريخا مقدسا.
نظريا يمكن اللجوء الى الخيار الطبيعي وهو التأجيل بما يسمح بالأعداد الأفضل والهاديء لعملية الأستفتاء خاصة وهي تتضمن قضايا معقدة مثل تسجيل الناخبين داخل وخارج السودان، وتحديد من هو الجنوبي والمراكز خارج الجنوب التي يمكن لمواطني الجنوب المؤهلين اللجوء اليها لممارسة حقهم والفراغ من كل هذا قبل ثلاثة أشهر من يوم الأستفتاء، أي نشر سجل المقترعين النهائي في التاسع من أكتوبر المقبل.
النقطة الأساسية في كل هذا ضرورة الأتفاق السياسي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني على التأجيل أو اللجوء الى خيارات أخرى بما فيها البرلمان. فالقضية هنا ليست في التقيد بالنصوص وأنما في الروح التي أملت أتفاقية السلام أساسا. فبعد حروب متقطعة بمختلف الأشكال والألوان على مدى نصف قرن من الزمان توصلت الحركة السياسية السودانية الى قناعة انها لا يمكن أن تستمر في هذه الدائرة المفرغة من تحطيم الذات مالم يقرر الجنوبيون الدخول في وحدة طوعية وان السلام أغلى من أي وحدة يشعر أحد أطرافها بالغبن.
وبغض النظر عن الجدل السياسي الفطير عن من يتحمل مسؤولية أدخال فكرة حق تقرير المصير في أجندة الدولة السودانية (وهناك معلومات غير موثقة ترجع بدايتها الى محادثة هاتفية بين الدكتور علي الحاج الذي كان ممسكا بملف التفاوض مع الحركة الشعبية والدكتور حسن الترابي رجل الأنقاذ الأول وقتها مما مهد الطريق الى أتفاق فرانكفورت 1992)، فأن السؤال المطروح بألحاح عل الجميع هل يتم الحفاظ على فكرة السلام بأي ثمن، أم يتم التحجج بعدم التقيد بنصوص الأتفاقية، الأمر الذي ينذر بالأنجراف الى أتون الحرب مجددا.
أن أي سعي للتأجيل بدون مشاركة رسمية وعلنية من قبل الحركة الشعبية لن تعني أكثر من تأجيل لوقت ما يطول أو يقصر دون أن يؤدي ذلك الى تحسين فرص الوحدة ان لم نقل أضعافها. ثم ان خطوة مثل هذه ستقفل الباب نهائيا أمام أي أصوات أخرى مناوئة للتيار الأنفصالي الغالب في الوقت الحالي. فالجدل الدائر حاليا وللأسف أصبحت المفوضية طرفا فيه، من خلال التصريحات المتتالية لرئيسها البروفيسور محمد أبراهيم خليل، جعلت النقاش بين الشمال والجنوب، والى حد كبير بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، أكثر من أن يكون حوار ونقاشا حول الوحدة والأنفصال، أي بين الجنوبيين أنفسهم، الأمر الذي أدى الى التغييب الكامل لأصوات الوحدويين في الجنوب.
التناول الخاطىْ لقضية الأستفتاء وحصرها في معركة بين التآمر لتأجيله مما يصب في أطار تراث ضخم من ثقافة عدم الوفاء بالعهود التي ترسخت لدى الجنوبيين عن حق أو باطل والسعي لأجهاض مؤامرات التأجيل تلك، الأمر الذي يدفع تلقائيا تجاه الأنفصال.
وفي هذا المناخ المسموم غاب الأنجاز الأساسي لأتفاقية السلام، وهو التضحية حتى بوحدة البلاد في سبيل عدم أراقة الدماء. فحق تقرير المصير الذي تواصت عليه كل القوى السياسية كل من منطلقه يعتبر التجربة الأولى في واقع الأمر التي تشهدها القارة الأفريقية رغم وجود تجربتين سابقتين تتمثلان في التجربة الأرترية وتلك الخاصة ببلاد أرض الصومال. فحق تقرير المصير بالنسبة لأرتريا جاء في واقع تصحيحا لغبن تاريخي لأن أرتريا كانت تحت الوصاية الأثيوبية، التي قامت بتجاوز الأمم المتحدة وضمها بصورة غير قانونية، مما أدى الى أشتعال حرب التحرير، التي أودت بنظام منجستو هايي مريام ووجود أتفاق سياسي بين المعارضة الأثيوبية التي تسلمت الحكم وتلك الأرترية. أما الحالة الصومالية فجاءت نتيجة لأنهيار الدولة مطلع العقد الماضي، وبالتالي ممارسة أرض الصومال لحق تقرير المصير من باب الأمر الواقع. ولهذا تكتسب التجربة السودانية قيمة أضافية كونها تتم بين طرفين أقتتلا طويلا، وان الدولة لم تشهد أنهيارا، مما يوفر أرضية للقناعة السياسية الذاتية يمكن البناء عليها.
ولهذا يمكن أعتبار الحالة السودانية الأولى في القارة الأفريقية التي تتوصل فيها الدولة القائمة والمعترف بها الى هذا الخيار مع جزء منها وتقوم بالتنفيذ الطوعي وأهم ملامحه سحب القوات المسلحة بنسبة مائة في المائة من أراضي الجنوب، وهي بهذا لا تخرق مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة منذ العهود الأستعمارية، وأنما تؤسس لمبدأ جديد وهو خيار الناس واعلاء قيمة السلام على الحفاظ على وحدة الأرض والشعب غصبا.
وهكذا وبدلا من جعل الكلمتان اللاتينيتان inter alia تتحكمان في مفاصل الحركة السياسية وتحددان مسارها المستقبلي، يحتاج الشريكان المؤتمر الوطني والحركة الشعبية العودة الى مقعد القيادة وممارسة العمل بروح الأتفاقية أكثر من نصوصها وأعلاء قيمة السلام ونقل الحوار الى مجاله الطبيعي بين الجنوبيين حول مزايا الوحدة والأنفصال. وفي الزيارة الطويلة الممتدة التي قام بها وزير الأعلام في حكومة الجنوب دكتور برنابا بنجامين الى الخرطوم وتوقيعه أتفاقية مع رصيفه الأتحادي الدكتور كمال عبيد مما يفتح الباب أمام أيجاد آليات للتواصل بين الشمال والجنوب ما يرسل رسالة قوية تحتاج الى جهد كبير لأستثمارها وبغض النظر عن مآلات الأستفتاء وحدة أو أنفصال.



alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]