يثير مؤتمر المانحين الخاص بدافور الذي أختتم مطلع هذا الأسبوع في مصر عدة تحديات على رأسها أمكانية نجاح المجموعة العربية والأسلامية تبديد الصورة العامة عن المانحين ان وعودهم لا تتطابق مع انجازاتهم على أرض الواقع، وكيفية أستغلال هذا التوجه لأعطاء البعد التنموي أولوية لدفع جهود السلام وكسر الحلقة المفرغة حول هل يتم التركيز على الأمن مدخلا للبدء في تحقيق التنمية، أم البدء بالتنمية وخلق واقع على الأرض في شكل خدمات ومشروعات تجعل للمواطنين مصلحة في الدفاع عنها بعد تذوق ثمار السلام وفي مواجهة عنف المتمردين، وفوق هذا كله كيف ينجح السودان في وضع قضية دارفور في الأطار الكبير للصراع على الموارد بسبب التغير المناخي، وجعلها من ثم أول حرب أهلية بسبب التغيرات البيئية، بدلا من وصفها أنها أول حرب أبادة في القرن الحادي والعشرين.

 

ومع ان وسائل الأعلام حملت في عناوينها الرئيسية ان المؤتمر فشل في الحصول على تعهدات بنصف المبلغ المستهدف وهو ملياري دولار، اذ تم جمع مبلغ 850 مليون دولار فقط، الا ان سجل التعهدات الدولية يشير الى انها تقصر في العادة عن الأحتياجات الحقيقية، كما ان الدول لا تقوم بتوفير المبالغ التي تعلن عن الألتزام بها، وهناك دائما أسباب لذلك، وحتى الأموال التي يتم توفيرها، فأن أقل من ربعها يصل الى المستهدفين في أفضل الأحوال. وتجربة مؤتمر المانحين في أوسلو عقب أتفاقية السلام خير دليل اذ تحجج المانحون فيما بعد باشتعال قضية دارفور وتحويلهم الموارد التي كانت مخصصة لأعادة الأعمار الى العمليات الأنسانية في دارفور.

 

في مؤتمر دارفور سجلت قائمة المانحين بروزا واضحا للدول الأسلامية، وفيما عدا أستراليا لم تسجل قائمة أكبر سبعة مانحين دولة غربية كبرت أم صغرت. وقامت هذه الدول الغربية بأعتماد حجج متباينة من عدم أستقرار الوضع الأمني، أو خوفها من أن تستغل الأموال بواسطة نظام رئيسه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية أو أصرار البعض على عودة المنظمات المطرودة من دارفور.

 

وهذا ما يسجل تحديا أمام مجموعة الدول الأسلامية التي تقودها السعودية وتركيا أن تقدم عرضا أفضل من الوعود التي قطعت الى جنوب السودان عقب توقيع أتفاقية السلام. وأمام البنك الأسلامي للتنمية على وجه الخصوص فرصة وتحديا أكبر أن يوضح انه يمكن أن يؤدي عملا أفضل مما قام به البنك الدولي الذي كلف أدارة صندوق خاص بمبلغ 524 مليون دولار لأعادة الأعمار في جنوب السودان. وفي تقرير مطول عن الأوضاع في جنوب السودان نشرته صحيفة "الفاينانشيال تيامز" في العشرين من هذا الشهر حمل أنتقادا مباشرا للبنك، الذي لا يملك خبرة وتجربة في العمل في المناطق الخارجة من النزاعات كما هي الحال مع جنوب السودان، كما ان أدارة البنك فشلت في تعيين موظفين أكفاء للعمل في جوبا، هذا الى جانب التركيز على اللوائح والأجراءات لدرجة انه وحتى نهاية العام الماضي تمكن ذلك الصندوق من أنفاق ثلث المبلغ المرصود فقط، الأمر الذي جعل المانحون يشعرون بخيبة أمل من هذا الأداء المتواضع.

 

مؤتمر المانحين حدد ست مجالات أعطيت أولوية مثل المياه، وبرامج الزراعة والثروة الحيوانية والأسكان وغيرها، لكن يؤمل أن يتم النظر الى الصورة في أطارها الكبير الخاص بتقلص الموارد ومن ثم الصراع عليها بين مختلف مكونات المجتمع الدارفوري. وبدلا من التركيز على مشروعات صغيرة هنا وهناك يرجى أن يكون السودان قد ركز على هذا الجانب وأن تأتي المشروعات في أطاره حتى وأن كانت صغيرة والمبالغ المالية المخصصة قليلة. ولن يكون كافيا التركيز على المشروعات فقط، وأنما أستصحاب جهد أعلامي يستفيد من عملية الأنتخابات الجارية وأجواء السلام والتركيز على البعد البيئي وتغير المناخ لتغيير الصورة السائدة في العالم عن الصراع في دارفور، والعمل بهمة للأستفادة من الرؤية التي طرحها أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون في مقال شهير له في صحيفة "واشنطون بوست" قبل ثلاثة أعوام عن البعد البيئي وتغير المناخ في أشتعال قضية دارفور، وهو ما سانده تقرير لبرنامج الأمم المتحدة البيئي في ذات العام.

 

التوجه نحو التنمية وتنفيذ المشروعات الخدمية وتصاعد الآمال بتحقيق السلام وخفض وتيرة العنف يمكن أن يدفع بهذا الأتجاه الى المقدمة ويجعل في الأمكان تركيز الجهود. ولعل فيما طرحه أقتصاديون وزراعيون سودانيون عديدون من ضرورة العمل على استعادة الغطاء النباتي في الأقليم والمناطق المجاورة مثل كردفان والنيل الأزرق بزرع الملايين من أشجار الهشاب التي تنتج الصمغ العربي.

 

مشروع ضخم مثل هذا يستحق أن يسنده جهد دولي كونه يحقق أهدافا عديدة تقع في قائمة الأولويات العالمية من مواجهة لعمليات الجفاف والتصحر المستمرة منذ عقود وفشلت الأمكانيات المحلية في مواجهتها، كما انه سينتج محصولا يحتاجه العالم وللسودان فيه ميزة نسبية، هذا الى جانب انه يمكن أن يحسن من أوضاع خمسة ملايين نسمة. وليس أفضل من مشروع كهذا لوضع شعار محاربة الفقر موضع التنفيذ.

 

قبل ثلاث سنوات أستضاف السودان العالم المصري فارق الباز الذي تحدث من خلال تقنية الأستشعار عن بعد عن البحيرة الموجودة في دارفور ودعا الى أطلاق مشروع لحفر ألف بئر للتحفيز على السلام واستقرار السكان. ما قاله الباز ليس جديدا بالنسبة لجيولوجيي السودان والعاملين في مجال المياه الجوفيه، اذ بدأ نشاطا في هذا الجانب منذ ستينات القرن الماضي، لكن قعدت بهم حالات عدم الأستقرار وتضارب الأولويات الحكومية، وربما يمثل مشروع ساق النعام خير نموذج على هذا الفشل.

 

وهذا هو التحدي المستمر أمام الدولة السودانية ونخبتها التي تصطف خلف المرشحين في أول انتخابات تعددية منذ ربع قرن من الزمان. ويتمثل التحدي في كيفية الخروج من ممارسة العموميات الى برامج أكثر تفصيلية للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد. 

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]