alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 

خطوة الرئيس التشادي أدريس ديبي المفاجئة زيارة الخرطوم، التي وصفها مضيفه عمر البشير بالمفاجأة السارة، تحمل في جوفها عدة تحديات يمكن اذا تجاوزتها أن تنعكس أيجابيا على المناخ العام في القارة الأفريقية.

 

فليس سرا ان ديبي الذي أطلق على أحد أبناءه أسم عمر البشير كان آخر المساندين لفكرة دعم التمرد في دارفور، وانه حمل على ذلك حملا لأسباب قبلية وسياسية داخلية من قبل الدائرة الضيقة التي تتخذ القرار في أنجمينا، الأمر الذي أدى الى تصاعد الخلاف بين السودان وتشاد لدرجة أستهداف عاصمة كل طرف من خلال حرب الوكالة عبر الحركات المتمردة بين الطرفين.

 

وعليه يصبح السؤال عن مدى قدرة ديبي على فرض رؤيته الجديدة هذه على أركان حكمه والسير قدما في طريق التطبيع وتحسين العلاقات بين البلدين. وفي القرار الخاص بأعادة فتح مدرسة الصداقة والمركز الثقافي وأستئناف الرحلات الجوية بين البلدين مؤشرات أيجابية لأنها تضمن جوانب ذات أنعكاس مباشر على الناس مما يجعل لتطبيع العلاقات ثمارا يمكن تذوقها.

 

عامل آخر يتمثل في ان أزمة دارفور التي ستكمل عامها السابع الشهر المقبل، وشهدت مختلف أنواع التصعيد الدولي ووصولها الى مجلس الأمن في وقت قياسي لم يتيسر حتى للحرب الأهلية في جنوب السودان المستمرة لنحو عقدين من الزمان في طبعتها الأخيرة، أوصلت المنغمسين فيها الى ما يمكن وصفه بحالة من التعب، والرغبة في الوصول الى حلول ما خاصة والعالم الذي يمر بحالة من التحول يشهد يوميا أنفجار أزمة هنا أو هناك طبيعية أو سياسية تلفت الأنظار وتستهلك الموارد مع ضعف متنام في مواجهة هذه الأزمات من قبل المجتمع الدولي ومؤسساته التي تقودها دول العالم المتقدم.

ففي حالة دارفور وعلاقة تشاد بها، أتجهت أنجمينا مؤخرا الى التماهي مع المجتمع الدولي خاصة فرنسا في ذروة أشتعال الأزمة والسماح بحضور للقوات الأوروبية والتأييد المطلق للمحكمة الجنائية الدولية والأعتراض علانية على قرار الأتحاد الأفريقي المساند للبشير.

 

مضي كل هذه السنوات وتجريب مختلف الأساليب وعدم حدوث نتيجة مرضية لأي من الطرفين أعاد الكرة الى البداية والأساس المتمثل في التعامل المباشر والسعي نحو تحقيق منافع متبادلة وملموسة. ولعل التسارع في تطبيع العلاقات بين البلدين خلال فترة الأشهر الثلاثة الماضية التي لعب فيها مسؤول ملف دارفور الدكتور غازي صلاح الدين دورا محوريا دليل على هذا وهو ما دفع الرئيس ديبي لأتخاذ زمام المبادرة والقيام بزيارة الخرطوم مباشرة، الأمر الذي يوفر أرادة سياسية يمكن أن توفر فرصة أفضل لضبط الحدود الممتدة على مسافة 1300 كلم وتهيئة مناخ أفضل بالنسبة لنحو 18 قبيلة مشتركة تتحرك على جانبي حدود البلدين.

 

أستكمال هذه الخطوة يعتبر تدعيما للخط الذي بدأ يبرز داخل السودان وبين شركاء نيفاشا تحديدا: المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. فمنذ منتصف العام 2008 وعمليات العنف التي طالت منطقة أبيي المتنازع عليها، أتجه الشريكان الى تبني أسلوب الحوار المباشر وحسم القضايا العالقة بينهما وجها لوجه وبدون وسطاء، علما بأنهما يقفان على طرفي المسرح السياسي السوداني وهو ما حدث في أبيي وقوانين الأستفتاء والمشورة الشعبية وغيرها رغم ما صحبها من تلاسن وتكتيكات سياسية لم ترق الى مرتبة العنف المنظم والمستمر الذي يمكن أن يتطور مهددا مجمل الأتفاقية.

 

يبقى التحدي الرئيسي أمام الجانبين كيفية دفع تشاد الى الأعتراف بمعارضيها الذين لا تزال تطلق عليهم صفة المرتزقة وتبني خيار الحوار والتوصل الى أتفاقات سياسية تستوعب مختلف التوجهات في أطار سلمي، وهو ما يعني بالضرورة أن يتمكن السودان من أستكمال العملية الأنتخابية الجارية حاليا بصورة سلمية والتأسيس لشرعية جديدة لنظام الحكم تضع أرضية صلبة لفكرة التداول السلمي ويجعله في موقف أقوى وأفضل لحث الآخرين على تبني نفس النهج، الذي رغم متاعبه يبقى الخيار الأفضل.

 

أحد متاعب التجارب البرلمانية السابقة التي مر بها السودان انها جاءت في بيئة أقليمية عربيا وأفريقيا أقرب الى العداء للفكرة الديمقراطية وأكثر ترحيبا بالأنظمة التي لا تتيح هامشا يعتد به للناس للتعبير عن خياراتهم. ولهذا فالتطور الأيجابي في العلاقات السودانية التشادية يمثل دعما للتجربة الديمقراطية.

 

وهناك جانب آخر يتمثل في المناخ العام في القارة الذي يشهد بعض المتغيرات. فبعد حالة التنافس التي شهدتها دول القارة الأفريقية أبان فترة الحرب الباردة التي تزامنت مع الموجة الأستقلالية وأستمرت عدة عقود من الزمان، أفسح المجال أمام نوع جديد من القيادة الأفريقية كما قالت وقتها سوزان رايس التي كانت مسؤولة عن القسم الأفريقي في وزارة الخارجية الأمريكية مشيرة الى قيادات أمثال ميليس زيناوي في أثيوبيا ويوري موسفيني في يوغندا و أسياس أفورقي في أرتريا، لكن تلك النظرية أثبتت انها أكثر أرتباطا بعالم الأكاديمية منها بالواقع السياسي بدليل أشتعال حرب الحدود بين الجارتين أثيوبيا وأرتريا وتنامي العداء بين حلفاء الأمس.

 

العجز الأمريكي المتسربل بغطاء أممي عن أحتواء ذلك النزاع  أعطى أشارة واضحة الى اضمحلال الدور الغربي حتى بعد غياب المنافسة السوفياتية، وهو ما فتح الباب أمام وارد جديد تمثل في الصين التي أتخذت من السودان نقطة انطلاق لأقتحام القارة. وليس أدل على غياب الغرب عما يجري في واقع القارة من مبادرة طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني وقتها في العام 2005 المدعومة من المغنيين بوب جيلدوف وبونو الى التركيز على عمليات الأغاثة والجوانب الأنسانية وأطلاق برنامج مارشال ليتحول الأهتمام بعد عام الى التركيز على الخطر الصيني.

 

الصين لم تعد وحدها وأنما أنصمت اليها الهند وأخيرا دخلت على الساحة البرازيل، أحد الأقتصادات الكبرى. فرئيسها لويس لولا دا سيلفا قام بست زيارات الى مختلف الأقطار في القارة خلال خمس سنوات والواردات البرازيلية من أفريقيا سجلت نموا من ثلاثة مليارات دولارات في العام 2000 الى 8.5 مليارا في العام 2008، بينما تضاعفت صادراتها الى القارة ثمانية مرات خلال نفس الفترة الى أكثر من ثمانية مليارات دولار.

 

ودول القارة التي تجد راحة في التعامل مع هذه النجوم السياسية والأقتصادية البازغة تحسن صنعا بترتيب بيتها من الداخل، وما يجري بين السودان وتشاد خطوة على الطريق اذا أنجز بصدق العزم وتوفر الأرادة السياسية.