alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

تثير العملية الأنتخابية حتى الآن دفقة أمل يؤمل أن تتواصل بأستكمالها في مناخ سلمي وقبول بنتائجها، الأمر الذي يوفر للسودان الفرصة لوضع قدمه على طريق الأستقرار السياسي المستند الى مبدأ التداول السلمي للسلطة ودور صندوق الأنتخابات في تحديد من يحكم البلاد. فالنسبة العالية من التسجيل أصبح يدعمها تنافس سياسي واضح، الأمر الذي يوفر فرصة كبيرة لمشاركة شعبية كبيرة. والعملية الأنتخابية تتوهج وتكتسب قيمتها في نهاية المطاف من علو المشاركة الشعبية فيها.

 

قرار الحركة الشعبية المنافسة على جميع مستويات الأنتخابات والترشيحات التي أعلنتها حتى الآن تعطي الأنتخابات مذاقا تنافسيا تحتاجه بشدة ولتشير بصورة واضحة ان عهد الأنتخابات المعروفة نتائجها سلفا قد أنتهى وبغض النظر عن نوعية مرشحي الحركة المتقدمين، الا ان حقيقة ان للجنوب ثقلا تصويتا في حدود ثلاثة ملايين ناخب يوفر عاملا لا يستهان به على مستوى المنافسة خاصة على رئاسة الجمهورية كما يمكن استخدام هذا الثقل في أبرام التحالفات والتأثير على نتيجة الأنتخابات بصورة ما في مختلف مستوياتها الولائية والجغرافية ودوائر التمثيل النسبي والنسوي.

 

ومع مشاركة المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي، وعدم وضوح موقف حزبي الأمة القومي والأتحادي الديمقراطي (الأصل) حتى الآن، في قطار الأنتخابات الذي تحرك بالفعل، فأن أولى مؤشرات التحول في المسرح السياسي السوداني قد برزت بصورة واضحة للعيان، وهي ان القوى التي سيطرت على الساحة السياسية كلما جرت انتخابات تعددية في السودان طوال أكثر من نصف قرن من الزمان أصبحت فعلا على الهامش. ويعتبر هذا بناء على ما أحدثته أتفاقية نيفاشا من زلزال في مسرح السياسة السودانية.

 

ومع انه يمكن نقد نيفاشا على أساس انها أتفاقية بين طرفين يحملان السلاح، الا انه لا يمكن تجاوز حقيقة انها أسست لوضع جديد على رأسه حق تقرير المصير وسيطرة الجنوب على أموره حتى قبل أجراء الأستفتاء. وهذا في حد ذاته أكبر أنجاز فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، والطريقة التي تمت بها أجازة قوانين الأستفتاء وخلافها تشير الى الحقيقة البدهية وهي ان التحول الديمقراطي لا يتم في نهاية وفق نصوص لابد أن تتوافق مع الدستور، وأنما تحتاج الى عمل سياسي يومي ومباشر، وهو ما يدعو مختلف القوى السياسية الى تمعن وأستيعاب تجربة الحركة الشعبية في هذا الخصوص. ومن العوامل المشجعة ان الكثير من قوى المعارضة قررت خوض الأنتخابات من باب أستغلالها في تعميق التحول الديمقراطي في مختلف أوجهه، وذلك بدلا من الممارسة السلبية بالمقاطعة.

 

فحدوث ممارسات فاسدة في شكل تزوير أو خلافه يعتبر من حقائق الحياة التي لابد من وضعها في الأعتبار. ويمكن الأشارة هنا الى ان أول أنتخابات جرت في السودان وتحت أشراف دولي لم تخل من مثل هذه الممارسة. وفي كتاب (حكايات كانتربري السودانية) الذي نشره مركز عبدالكريم ميرغني ويتضمن بعض ذكريات الموظفين البريطانيين عن فترة عملهم في السودان اشارة الى هذا من خلال حكايتي الضابط الأداري، الذي تحدث بأسهاب عن دور الأومباشي روكوسا في تأمين الفوز لشيخ القبيلة في دائرة أم بطيخ وسكانها من بني حنظلة الرحل. وهناك أيضا حكاية القاضي الذي تحدث عن تجربته في متابعة ما حدث في الحصاحيصا عندما أدى التنافس الى تطاير الأتهامات بالتزوير وتطور العنف اللفظي الى عنف جسدي نتج عنه مقتل أحد عشر شخصا.

 

و لا يقتصر الأمر على السودان فحتى في الديمقراطيات الراسخة كما في الولايات المتحدة، فأن المرشح الجمهوري السابق جون ماكين جعل من موضوع الأموال التي تتبرع بها الشركات وكبار رجال الأعمال للمرشحين وتصبح مدخلهم للفساد فيما بعد من أهم قضاياه السياسية التي يسعى الى ضبطها عبر القانون، وقبل بضعة سنوات شهدت الساحة البريطانية أنفجار فضيحة الأسئلة مدفوعة الأجر التي يطرحها بعض النواب. ومن الذين ورد أسمهم فيها رجل الأعمال المصري محمد الفايد.

 

وهذا هو جوهر النظام الديمقراطي أن تتوفر فيه آليات للمراقبة والمتابعة سواء عبر فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أو من خلال مؤسسات مجتمع المدني والأعلام. وهذه من أكبر التحولات التي شهدها نظام الأنقاذ بطبعاته المتعددة. فقد جاءت الأنقاذ لترسيخ قاعدة انه يكفي رفع شعار الاسلام للقبول بالشخص وما يقوله وما يفعله. النقلة الحالية ان هذا في حد ذاته ليس كافيا ولابد من خضوع الحزب وممثليه للأختبار الشعبي. وهذه عملية مستمرة ومن حسن الحظ ان الأنتخابات الحالية تشهد الكثير من عمليات التدريب سواء في الرقابة الداخلية وكيفية التغطية الأعلامية بدعم دولي، الأمر الذي لم يحدث من قبل الى غير ذلك مما لم يجد حظه من الترويج بصورة أفضل، لكن هذا يؤسس لتراث وتقاليد سترفد التجربة الديمقراطية بأسرها.

 

الأنتخابات المقبلة لا تكتسب أهميتها فقط من تنفيذ أتفاق السلام والتأسيس لوضع جديد، وأنما أيضا رسم خارطة للمشهد السياسي السوداني وتحديد الأوزان بما يمكن التعامل معه دراسة وتخطيطا. فالكثير الذي جرى طوال ربع القرن الماضي منذ آخر انتخابات تعددية، يحتاج الى فحص وتدبر. وكما تحتاج أي عملية تخطيط للنمو الأقتصادي والأجتماعي الى أحصاء سكاني يمكن البناء على هديه، فأن معرفة تفاصيل المشهد السياسي والأوزان الفعلية لمختلف القوى تصبح فرض عين لأنه يمكن التأسيس على مخرجاتها.

 

ومع ان الأنطباع العام يشير الى الدور المحوري لكل من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، الا انهما يخضعان الى أمتحان آخر يتمثل في المنافسة الداخلية وكيفية ضبطها لصالح الحزب. ولعل في قرارات الرئيس عمر البشير أعفاء سبعة من الولاة ما يشير الى طبيعة هذه المنافسة، وتواجه مثلها الحركة الشعبية وبصورة أقل حزبي الأمة والأتحادي. خطوة المؤتمر الوطني تضع على المحك قضية هل تكون الكلمة العليا للحزب أم الأفراد. وهذه قضية ما كان ينبغي ان تطرح فيما اذا لقي موضوع اللائحة التي تحكم الترشيحات نقاشا وتوافقا أوسع يضيق من الخيارات أمام المركز لأختيار المرشح أكثر مما هو حدث فعلا.

 

على أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية أجراء الأنتخابات في مناخ سلمي وهي مسؤولية  تقع بصورة رئيسية على عاتقي المؤتمر والحركة وفوق ذلك القبول بنتائجها من قبل الآخرين.