عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم تنته مباراة كرة القدم بين فريقى مصر والجزائر فى الخرطوم بإطلاق  صفارة الحكم ،حيث إعتبرها البعض وأرادوا لها أن تكون موقعة حربية أو معركة كرامة وطنية ،لتبدأ بعد إنتهاء المباراة الرياضية مباريات أخرى لاعلاقة لها بالرياضة أو روحها ،لم تقتصر على مصر والجزائر ،بل طال رذاذها السودان ،ولم تتوقف عند حدود دول منطقتنا ،بل قطعت البحار والمحيطات لتصل إلى المهاجرين من دولنا فى كل مكان بالعالم ،لتنتج أحداثا مأساوية مزرية.

والحقيقة أن ماسبق هذه المباراة وما أعقبها من شحن وإستعداء وتحريض  للجماهير يستوجب من الجميع وقفة مع الذات ،وقراءة فى الأسباب التى أوصلتنا إلى هذه الحالة الهمجية ،ومايمكن أن يؤدى إليه إستمرار الوضع الحالى المخجل من نتائج كارثية ،إن لم يتم تدارك الفتنة التى تشتعل الآن ووأدها،وإن لم يرتفع صوت العقل والحكمة،ويترفع الجميع عن الصغائر التى ستوردنا جميعا موارد الهلكة .

وأول مايجب تأكيده هنا هو أن الغالبية العظمى من شعوبنا ترفض وتدين هذا السخف والهذيان الإعلامى غير المسئول أيا كان مصدره ،والذى يحرض الشعوب ضد بعضها البعض،ويتنافى مع أبسط قواعد العقل ومبادىء الإنسانية وتعاليم الأديان السماوية ،وتدين كذلك الغالبية العظمى من شعوبنا  كل قول أو فعل أخرج هذه المباريات من حدودها ،وأشعل بها فتنة لايعلم أحد غير الله متى وكيف تنطفىء ،والمؤكد أن العلاقة بين شعبى مصر والجزائر التى رواها الشهداء بدمائهم ورعتها أجيال وراء أجيال لايمكن أن تنفصم عراها بين يوم وليلة ...ولقد آن للإساءات المتبادلة  أن تتوقف ،فمن العيب كل العيب أن ترتفع الحناجر والخناجر فى وجوه الأخوة ،وأن يقذف الأقربون بالحجارة وأقذع الشتائم .

ولابد أن يعلم كذلك إخواننا وأشقاؤنا وأحبابنا فى السودان -الذين صدرت إليهم مشكلة لاعلاقة لهم بها –أن ما أصابهم من كلام جارح صدر من قلة قليلة ممن يتصدرون الفضائيات المصرية لايعبر بأى حال عن الشعب المصرى  أو الدولة المصرية،وأن هذا الكلام الذى صدر بحق السودان ،وقد كان خطأ فادحا يجب إدانته والإعتذار عنه قد أساء إلى مصر وشعبها قبل أن يسىء إلى السودان وشعبه من هذه القلة فى لحظة إنفعالها بما أصاب بعض المصريين على أيدى بعض الطائشين من المشجعين الجزائريين فى الخرطوم ، والذى كان بلاشك عملا مؤسفا يجب إدانته ،لكنه لم يكن يجب أن يتطور إلى إيذاء شعب ودولة بذلا قصارى جهودهما لإستقبال هذه المباراة ،التى أرادها جميع السودانيين عملا مشرفا للسودان وأمته العربية وقارته الأفريقية ،وبذلوا فى سبيل ذلك جهودا مقدرة لاينكرها إلا جاحد .

لكن إنفعال هذه القلة القليلة من الإعلاميين المصريين وماصدر عنهم من إساءات بحق السودان دون وعى أوعلم أو ورع ،ودون خلق مهنى أوحتى حس إنسانى يحتاج إلى وقفة للتساؤل عن الضوابط التى يجب أن تحول بين هؤلاء وأمثالهم من أن يكونوا الخصم والحكم والسياف فى آن واحد ،دون أن يدركوا كيف يمكن أن تقطع الكلمات الحمقى التى يصدرونها عفو الخاطر وعلى الهواء مباشرة العلائق والأرحام وتمزق الأواصر والصلات ،التى روتها دماء الآباء والأجداد ،ويسقيها غيرهم بعرقهم وجهودهم ،بينما هم فى غرفهم المكيفة يهرجون .

هذه الكلمات التى أطلقوها بحق السودان فى بضع دقائق أو ساعات استهدفت تحطيم مابذل الجهد فى بنائه سنوات وقرون ...لم يصب هذا الهذيان  السودانيين وحدهم ،بل أصاب قبلهم  المصريين ،ولاسيما أولئك الذين حاولوا ولازالوا يحاولون بناء علاقة سليمة بين بلدينا ،وهم كثر،فإذا بهذه الكلمات تؤذى مازرعوا وتكاد تودى بجهدهم ....أقول لكم يا أهلنا فى السودان ،ياأرحامنا وذوى قربانا ...إن نصال كلماتهم الحمقى لم تصب قلوبكم وحدكم ،بل أدمت قلوبنا قبل قلوبكم .

وماصدر من ردود فعل غاضبة من السودانيين داخل السودان وخارجه على هذا الكلام مفهوم ،لكن من غير اللائق أن يتحول ذلك إلى حملة ضارية للهجوم على كل ماهو مصرى وللنيل من جميع المصريين فى منابر ووسائط عديدة،بكلمات تفوق بمراحل ماتفوهت به تلك القلة القليلة من الإعلاميين المصريين بشاعة وسوءا ...وأقول أيضا لهؤلاء من إخوتى  فى السودان ..لاتسيئوا لمصر ،فهى ليست فردا أوحزبا أوتياراأوجيلا أوحتى حقبة زمنية إنها الماضى الذى جمعنا معا والحاضر والمستقبل الذى نستطيع أن نبنيه معا ،أقول لكم إخوتى :لاتسيئوا للشعب المصرى فالغالبية من أبنائه مثلكم يعانون ماتعانون ،ويطمحون لذواتهم وبلدهم مثلما تطمحون لأنفسكم وبلدكم ،هم ليسوا غرباء عنكم ،إن المصريين ليسوا نبتا شيطانيا أوكائنات غريبة ،هم مثلكم أبناء هذا النيل الخالد وسليلى حضارة الوادى العظيمة وهذه الأرض الطيبة التى تضمنا معا ،ليسوا بأى حال من الأحوال ورثة الخديوية والإستعلاء وليسوا شعبا من الفهلوية والمستهبلين ،بل غالبيتهم من الكادحين الذين يناضلون مثلكم من أجل لقمة العيش ،ومن أجل العيش بكرامة وشرف .

دعونا نستغل هذه الفرصة لنعترف بأننا لابد لنا من المصارحة والمكاشفة ،ولابد لنا من بذل جهد حقيقى لإصلاح وتقويم هذه العلاقة ،التى هى قدرنا جميعا الذى لامفرمنه ،فلن يستطيع كائن من كان أن يحمل بلده ويرحل بعيدا عن البلد الآخر ،ولاأن يشطب بقرار أوبجرة قلم تاريخا طويلا ،أما مصادرة المستقبل وتصدير المشكلات والعقد إليه ،فسيكون ذلك أكبر جرم يمكن أن نرتكبه فى حق الأجيال المقبلة .

ودعونا ننظر إلى المشهد الحالى الذى كشف ببشاعة عن قصور معرفى كبير بين بلدينا ،رغم كل ماندعيه من قرب وصلات وأواصر دم ورحم ومصاهرة وجوار ،فهذه القلة من الإعلاميين التى تحدثت ،ومثلهم قطاعات فى الشعب المصرى ،لم تعرف وتدرك حقيقة مايعنيه السودان وشعبه بالنسبة لمصر ،لم يعرفوا هذا الشعب العظيم الذى يسكن إلى جوارهم ،لم يعرفوا تاريخه أوحضارته ،لم يعرفوا أدبه أو فنونه ،لم يعرفوا رجاله أونساءه حق المعرفة ،لم يعرفوا سياسيه  أومثقفيه العظام ،لم يعرفوا شعره أوموسيقاه ،ولاطبائعه أوعاداته ،ومن لايعرفك يجهلك ،ويجهل قيمتك وقدرك .

ولكن فى المقابل هناك أيضا قطاعات  من السودانيين لم تعرف المصريين حقيقة كماتزعم ،ومعرفة المصريين التى أعنيها هنا لاتتوقف فقط على نتاج قرائح أدبائهم وعلمائهم ومثقفيهم وصحفييهم ،وليست هى فقط ماكتبه العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم أوماقاله الأبنودى وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم أوماشدت به أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد منير وغيرهم ممن يعرفهم السودانيون أكثر من إخوانهم فى مصر ....أما المعرفة التى أعنيها هنا فهى المعرفة الوجدانية ،هى العلاقة المباشرة مع البشر ،وفهم الشخصية ،وكثير من السودانيين لم تتح لهم هذه المعرفة المتكاملة فى أجواء إيجابية أوحتى محايدة ،فهناك قطاعات كاملة من أجيال فى السودان حرمت من ذلك بسبب مواقف مسبقة من مصر بفعل رواسب حقبة إستعمارية لاذنب للمصريين فيها ،فقد كانوا هم أيضا يرزحون تحت نير الإستعمار ،وهناك قطاعات وأجيال أخرى فى السودان حرمت من معرفة حقيقية بمصر بسبب أفكار أيدولوجية وبسبب فترة القطيعة بين بلدينا فى العقد الأخير من القرن الماضى ،والبعض يحكم على المصريين من خلال نماذج محدودة إنتهازية أومشوهة قابلها عند زيارته لمصر ،قد تكون سائق تاكسى أوسمسارا أوصاحب شقة أوخادمة أوبوابا.

وكثير من السودانيين لايدركون حقيقة أن فى مصر شعبا يكن لهم المحبة ويعتبر الشعب السودانى الأقرب إليه مماسواه ،والأكثر جدارة وأحقية بإخوته وثقته ،والأكثر طيبة وكرما ووفاء ،وعندما أقول طيبة هنا فلا أعنى لها إلا معنى واحدا ...يحب المصريون السودان وأهله ولاينسون لهم أنهم كانوا المأوى والملاذ لقواتهم المسلحة فى حروب التحرير ،وكيف سالت دماؤهم مع دماء المصريين على جبهات القتال ضد العدو الإسرائيلى ،وكيف وقف السودان وحيدا  إلى جوار مصريرفض قرار المقاطعة الذى فرضته الدول العربية مجتمعة عليها إثر توقيع معاهدة السلام  ،وذلك رغم أن  السواد الأعظم من المصريين ظل  يجهل الكثير من أمور السودان ردحا من الزمان لعوامل شتى ،بعضها يعود إلى تقصير المصريين ،والبعض الآخر يعود إلى تقصير السودانيين أنفسهم،وإن بدأ الحال يتغير بعض الشىء منذ بضع سنوات بفعل العديد من المتغيرات .

 عندما وجدت السودانيين متوحدين جميعا هذه الأيام ضد هذا التجريح الظالم بحق السودان من قلة قليلة من الإعلاميين المصريين تمنيت أن يجتمع السودانيون دوما على كلمة سواء لإبراء السودان من جروحه جميعا ،وأن يعملوا بجد وإجتهاد فى مواجهات تجريحات أكبر تكاد تلحق أكبر الضرر بالسودان ووحدته ومستقبله ،وأن يبذلوا الجهد من أجل وفاق حقيقى ينقذ السودان ويحل قضاياه ،مثلما هو الحال عندما وجدت المصريين يتوحدون على مباراة لكرة القدم راغبين فى رفع إسم بلدهم عاليا ،فتمنيت أن يتجهوا لجعل ذلك حقيقة فى ميادين العلم والعمل وفى ساحات البذل والعطاء ،بالأفعال وليس بالأقوال والأناشيد الوطنية والتشدق فى الفضائيات .

إخوتى فى مصر والسودان إننا فى مأزق حقيقى ،و لقد حانت لحظة الحقيقة والمصارحة ،وينبغى أن نعترف جميعا أن هناك مشكلات عالقة بين بلدينا ،وأن هذه المشكلات تعطل مصالحنا ومسيرة شعبينا نحو بعضهما البعض ،وأننا بحاجة اليوم إلى حل هذه المشكلات ،التى تترك أثرا على وجدان ومشاعر قطاعات واسعة فى السودان،والغالبية العظمى من المصريين لاتدرى أن لها كل هذا الأثر السىء ،فالذاكرة المصرية ليست محملة بذكريات سلبية عن السودان ،بينما يصر بعض السودانيين على تحميل المصريين وزر كل البلايا ليس فقط من أيام محمد على ،بل منذ بدء الخليقة ،قال سودانى لمصرى :"المصريون سبب كل البلاوى فى السودان "،فرد عليه المصرى ببساطة مستغربا :"والبلاوى اللى عندنا مين السبب فيها "!!

,فى مقدمة هذه المشكلات الواجب حلها ،والتى سأعود للحديث عنها لاحقا قضية حلايب ،وقضية تداعيات حادثة مسجد مصطفى محمود ،وأيضا قضية التناول الإعلامى المصرى للشخصية السودانية وغيرها ....وأعتقد أن بإمكاننا أن نحول هذه المحنة التى نعيشها هذه الأيام بسبب تداعيات المباراة إلى منحة بالتوجه إلى عمل حقيقى وطرح أفكار إيجابية من أجل  معرفة حقيقيةبين شعبينا و  تفاهم مشترك بين دولتينا يؤدى إلى حلول مرضية لهذه القضايا وغيرها ،لنتفرغ بعدها للمعارك الحقيقية التى يجب أن نخوضها من أجل إستنهاض الهمم وتوحيد الإرادات وشحذ العزائم  لخوض المعارك الحقيقية ومجابهة التحديات الماثلة ، لمكافحة الفقر والجهل والتخلف ،وللبناء والتعمير والتنوير والتقدم .

آخر الكلام :

يقول الشاعر المصرى فاروق جويدة فى قصيدة كتبها بعد مباراةالخرطوم :

 شهيد على صدر سيناء يبكى

ويدعو شهيدا بقلب الجزائر

تعال إلى ففى القلب شكوى

وبين الجوانح حزن يكابر

لماذا تهون دماء الرجال

ويخبو مع القهر عزم الضمائر

دماء توارت كنبض القلوب

ليعلو عليها ضجيج الصغائر

على أرض سيناء يبدو شهيد

يطوف حزينا مع الراحلين

ويصرخ فى الناس :هذا حرام

دمانا تضيع مع العابثين

فهذى الملاعب عزف جميل

وليست حروبا على المعتدين

فلا النصر يعنى إقتتال الرفاق

ولافى الخسارة عار مشين

كنا نباهى بدم الشهيد

فصرنا نباهى بقصف الحناجر

سيبقى أخى رغم هذا الصراخ

يلملم فى الليل وجهى المهاجر

وخلف الحدود عدو لئيم

إذا ماغفونا تطل الخناجر

فلاتتركوا فتنة العابثين

تشوه عمرا نقى الضمائر

ولاتغرسوا فى قلوب الصغار

خرابا وخوفا لتعمى البصائر

أخى سوف تبقى ضميرى وسيفى

فصبر جميل ....فلليل آخر