عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رفض حزب المؤتمر الوطنى المشاركة فى مؤتمر جوبا الذى عقد بجنوب السودان أخيراً، هربا مما اعتبره محاكمة لحكم الإنقاذ فى المؤتمر، هذا الحكم الذى بدأ بالانقلاب على الحكم الديمقراطى عام 1989م، ورفع شعارات إسلامية قبل أن يتغير شكله بعد إتفاق السلام الذى وقعه مع الجنوب عام 2005م، إلا أن عدم حضور حزب المؤتمر الوطنى لم ينجه هو والأحزاب الشمالية الأخرى التى حكمت السودان، وتحكمت فى مسيرته السياسية على مدى أكثر من خمسين عاما بعد استقلاله عام 1956م، من المحاكمة فى الشارع الجنوبى، بل وفى جلسة عاصفة مثيرة فى برلمان الجنوب من قبل نواب ووزراء ومثقفين جنوبيين، أجلسوا على كراس ساخنة القيادات الشمالية الأكثر حضورا زعيم حزب الأمة الصادق المهدى والزعيم الإسلامى حسن الترابى وزعيم الحزب الشيوعى محمد إبراهيم نقد.

وقد حكم أبناء الجنوب على الزعماء الشماليين عموما بالفشل فى الماضى والحاضر،  وبالعجز عن إقامة الدولة السودانية التى تستطيع استيعاب التعدد والتنوع، وذهب البعض أبعد من ذلك بمواجهتهم بالمسؤولية عن الجهاد الذى أعلن ضد الجنوب فى فترة حكم الإنقاذ، وبالمسؤولية عن أحداث دموية وقعت بالجنوب مثل حادث الضعين وغيرها، التى وقعت خلال الحقبة الديمقراطية التى حكم فيها المهدى.

الذاكرة الجنوبية بدت رغم حفاوة الترحيب بالقيادات الشمالية، مشحونة بكم هائل من الذكريات السلبية تجاه القادة الشماليين، التى اختزلها حكيم الجنوب ابيل ألير فى عبارته الشهيرة التى صارت مضرب الأمثال فى جنوب السودان على تصرفات قادة الشمال معهم «نقض العهود والمواثيق»، وربما ما أعاد هذه الذكريات إلى الذاكرة، اسم المؤتمر نفسه الذى يذكرهم بمؤتمر جوبا الأول الذى عقد عام 1947م قبل استقلال السودان،  وقد أشار إليه بشكل إيجابى عدد من السياسيين الشماليين فى كلماتهم بالمؤتمر الأخير، وكذلك عدد من الصحافيين، بينما هو كما يقول ياسر عرمان نائب الأمين العام للحركة الشعبية «ذاكرة أليمة للجنوبيين، وهم يعتقدون انه لم يكن عملا وطنيا، بل يعتبرونه نوعا من الخدعة التى استمرت حتى الاستقلال، حيث صوت النواب الجنوبيون فى ذلك المؤتمر لاستقلال السودان وانحازوا لخيار الوحدة مع الشمال، وكانوا على وعد مع الفيدرالية، التى تنكرت لها القوى السياسية الشمالية، لذلك فمن الحساسية بمكان أن تذكر الجنوبيين بذلك المؤتمر، فهو مكتوب لديهم فى صفحة غير إيجابية».

وفى البرلمان قال بول ميوم وزير الإعلام بحكومة جنوب السودان: إن تحديات الوحدة فى بلد إسلامى تختلف عن تحديات الوحدة فى بلد متنوع كالسودان، وإن إتفاقية السلام بشأن الجنوب ليست حلا وإنما هى عجلة تستخدم لتوصيل الناس إلى تقرير مصيرهم، وتساءل مستنكرا: هل هذا هو الوقت المناسب لمناقشة قضايا السودان الواحد للوصول للحقائق، نافيا أن يكون فى انفصال السودان تشتيت لأفريقيا كما قال الصادق المهدى، وقال: إذا كان قادة السودان يديرون السياسة من المعتقدات الدينية فلا يمكن العيش فى سودان موحد. وقال جون لوك وزير الطاقة والتعدين بحكومة الجنوب: إن التطور السياسى بالسودان قاد إلى الاستفتاء لتحقيق المصير بجنوب السودان للاختيار بين دولة واحدة أو تفكيكها، مطالبا بعدم تحميل اللوم للمستعمر الذى ذهب قبل خمسين عاما، وانتقد ممارسات القادة الشماليين الذين جعلوا دور الجنوبيين ثانوياً فى الحكم، إلا أنه أشار إلى فرصة الاحتفاظ بالسودان موحدا فى حالة حسم مسألتى الدين والسياسة، مشيرا إلى أن إتفاقية السلام قسمت السودان إلى نظامين إسلامى فى الشمال وعلمانى فى الجنوب، ووجه سؤالا مباشرا إلى المهدى والترابى: هل هناك أفكار تخص الدين والدولة فى السودان.. تريدونه موحدا وتعلمون أن الخرطوم أزمتنا، ودعا إلى المصالحة والمصارحة وإرجاع الحق لأصحابه وإنشاء لجنة خاصة بذلك، معتبرا أن الجنوبيين فيهم كثير من الضحايا. وقال مالك عقار نائب رئيس الحركة الشعبية ووالى ولاية النيل الأزرق: إننا لم نقم بتكوين أمة بل بقينا شعوبا باسم السودان، وحمل الشماليين مسؤولية النزاعات بمحاولاتهم فرض الثقافة العربية على الثقافات الأخرى، وقال إن الحركة الشعبية تتطلع إلى بناء سودان جديد يقبل الآخر، وقال إذا أردنا الحفاظ على الجنوب يجب أن نجعل الوحدة جاذبة، وتساءل كيف تكون جاذبة وهم يأخذون 50% من إنتاج بترول الجنوب.

وقد استقبل القادة الشماليون الهجوم عليهم برحابة صدر وهدوء، ودافعوا عن مواقفهم فى برلمان الجنوب، فقال الصادق المهدى إنه لم يكن ضد إتفاقية السلام ومكتسبات الجنوب بها كما ذهبوا، بل أنه فقط طالب بتوسيع الإتفاقية لتكون شاملة بدلا عن الاقتصار على طرفين فقط حتى لا تكون تحت رحمة المؤتمر الوطنى، ونفى أن يكون رأى الإسلاميين كلهم واحداً، وقال بأنه يرى أنه لا بد من احترام حقوق المواطنة بالإضافة للحرية الدينية، وأنه يجب أن يكون الحكم ديمقراطيا، ودافع عن فترات حكمه، ورغم ذلك قال: إنه مستعد للمساءلة عن كل الأحداث منذ الستينيات، مشيرا إلى أن هناك أخطاءً أيضا وقعت من الجنوبيين وتحتاج إلى المساءلة أيضا، وقال يجب أن تكون هناك مصالحة ومعافاة، واعتبر الحوار مع أبناء الجنوب الذى تم مهم للغاية لما فيه من المكاشفة، ونفى أن يكون قد أتى للجنوب لتسويق الوحدة، وقال إنه لا يحمل المستعمر وحده المسؤولية عما حدث فى السودان، لكن ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار ما حدث من أخطاء الاستعمار الذى أورث الدولة السودانية عدم توازن اجتماعى ومناطقى، مشيرا إلى أن الحكم الوطنى الذى خلف الاستعمار اندفع فى خط ليبرالى بدون اكتمال شروط التجربة الديمقراطية، وقال المهدى إنه رغم المخاطر التى يواجهها السودان اليوم فإن أمامه فرصة تاريخية لأنه لا يوجد بلد مماثل له فيه ما يوجد فيه من الحوار الجاد المفتوح، مما يعطى فرصة لهندسة سياسية لا مثيل لها لإنشاء نموذج لنظام سياسى ديمقراطى، بينما قال حسن الترابى إن الجهاد فى فترة حكمه كان للدفاع عن النفس، وقال: إن التنوع فى السودان امتحان للجميع مطالبا بتكوين شراكة بين القوى السياسية وبضرورة الانفتاح على الآخر، داعيا إلى عدم التعامل باللون أو بالعرق، مشيرا إلى أن الأديان تعلم حسن الجوار، مكررا أفكاره المثيرة للجدل المتعلقة بالحريات والمرأة وبموقفه من العدالة الدولية، بينما طالب محمد إبراهيم نقد بالتباحث من أجل الطريق الصحيح بالإجماع الوطنى، محذرا من النظر إلى الصراع السياسى على أنه أحقاد شخصية، وقال: إن قضية جعل الوحدة جاذبة يجب ألا تحمل للشماليين وحدهم.

ومن جانبه رأى الدكتور لام أكول وزير خارجية السودان السابق وزعيم حزب الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطى، أن الانتقادات التى وجهت للقادة الشماليين فى الجنوب هى نتاج طبيعى لشعور الجنوبيين، الذين يشعرون أن هؤلاء الزعماء جاءوا ليستغلوا الجنوب لأهدافهم السياسية، وأضاف: فعلا هذا ما حدث وهم يستغلون الحركة الشعبية الآن لتصعيد المواجهة مع المؤتمر الوطنى، وثانيا يستغلون اتفاق السلام وهم أساسا ضده، والحركة الشعبية تسايرهم فى هذا الاتجاه، لكن الشارع الجنوبى لن يقبل أن تكون الاتفاقية مجال مزايدة لصراع على السلطة فى الشمال.

ولم يتوقف الأمر على الحاضرين، فقد كانت هناك محاكمة غيابية للمؤتمر الوطنى، يقول نيال دينق وزير الدفاع بحكومة الجنوب: «إذا نظرنا للوضع بصورة واقعية ربما نجد أن الفرص تقلصت لإقامة الوحدة بالجنوب، ذلك لأن حزب المؤتمر الوطنى شريكنا فى الحكم منذ بداية المشوار بعد توقيع اتفاقية السلام، لم يعط هذا الأمر الاهتمام الذى كان ينبغى، لأننا عندما كنا نتحدث عن جعل الوحدة جاذبة، كنا نقصد أن يتم العمل من أجلها حتى قبل أن يجف حبر الاتفاق على الورق، لكن للأسف لم يحدث هذا، لكننا مازلنا نتمسك بهذا الهدف، هدف السودان الجديد، لكن لا ندرى ماذا سيحدث عندما يأتى الاستفتاء، لأنه كنا نعتقد أنه من أبسط الأشياء التى كان ينبغى أن تقوم بها حكومة الوحدة الوطنية على سبيل المثال، إعادة تأهيل المشروعات القومية التى كانت موجودة فى الجنوب، حتى تبرهن للمواطن فى الجنوب على صدق النية والرغبة الأكيدة من قبل الحكومة والاخوة فى الشمال فى تضميد الجراح وطى صفحة الماضى وفتح صفحة جديدة، ولكن كل هذا لم يحدث، والآن ربما بدأ الاهتمام يتعاظم مرة أخرى لجعل الوحدة جاذبة، بعد أن اقتربنا من موعد الاستفتاء عام 2011م، ولا أدرى ماذا يمكن أن ينجز فى الفترة الزمنية البسيطة المتبقية».

وفى الشارع الجنوبى الذى يقف على أبواب استفتاء حق تقرير المصير، سعد كثيرون فيه بأن يتذكرهم أخيرا أخوانهم فى الشمال، وأن تأتى اليهم هذه الرموز الشمالية الكبيرة التى طالما سمعوا عنها ورأوها عن بُعد، لكنهم بدوا فى ذات الوقت متشككين فى الغرض من الزيارة وفى جدواها، قال أحدهم: «جاءوا ليغشوننا من أجل الوحدة» وقال آخر: «جاءوا ليودعوننا، ليقولوا لنا قبل «14» شهرا على تقرير المصير باى باى»

المثل السودانى يقول «اللى مادارك مالامك» أى من لا يريدك لا يلومك، والمثل العربى يقول «كثرة اللوم تورث البغضاء»، ويبدو أن حالى هذين المثلين يتفاعلان فى السودان كله، يلتقيان ويتقاطعان، ليثيرا كثيرا من الرؤى والآراء منها الهادئ وفيها

الصاخب، ومن مجمل تراكماتها وعلى ضوء تفاعلها تعاد الآن صياغة جديدة للأوضاع فى السودان، لا يدرى أحد إلى أين تصل به.

آخر الكلام :

يقول الشاعر المصرى فاروق جويدة فى قصيدته «كانت لنا أحلام»:

وقلنا إننا يوما

سننسج من ظلال الحزن أحلاما تعزينا

إذا تاهت مدينتنا

وجف النهر بين ضلوع وادينا

وعاد الخوف بالأحزان يقهرنا

ويسوق عمرنا منا وبالأوهام يسقينا

      ???

وقلنا إننا يوما

سننثر حبنا عطرا

يعانق وجه قريتنا

يحطم يأس أيكتنا

يبدل ليل غربتنا

ونرقص في أغانينا

      ???

وقلنا ..آه كم قلنا

وكم رقصت أمانينا

وجاء الليل زنديقا

يعربد في خطاياه

وفي الطرقات يلقينا

ولاح الصبح مكسورا

يلملم في بقاياه

ويصرخ يائسا فينا

فعدنا نحمل الماضي

رفاتا بين أيدينا

وصار العمر دجالا

يزور في بضاعته

وبالكلمات يغرينا 

تعالي نغرس الأحلام في أنقاض ماضينا

تعالي نجمع الأشلاء نبعثها.. فتحيينا

تعالي فالزمان اليائس المخبول يخنقنا.. بأيدينا

ويحفر عمرنا.. قبرا

وفي الظلمات يلقينا

تعالي كعبة الأحلام ما أشقى ليالينا

لننسج من ظلال الليل صبحا

ونبني من رماد الحلم حلما

فما قد ضاع في الأحزان- يا دنياي- يكفينا