عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دخلت الحرب فى جنوب السودان بعد شهر من اندلاعها مرحلة حرجة ، يخشى أن تؤدى إلى كثير من الإشكاليات والتعقيدات فى ظل وضع هش بالجنوب والمنطقة كلها ، مع استمرار القتال واتساع رقعته وارتفاع وتيرته بما يؤثر كثيرا على سير المفاوضات التى تشوبها الكثير من التعقيدات ، ولم تستطع التوصل لوقف إطلاق نارحتى الآن. ورغم مايعلن عن ضغوط إقليمية ودولية على الطرفين ، انتشر القتل العشوائى وسالت الدماء غزيرة وخيمت أصوات البنادق ورائحة البارود ، وارتكبت خلال  العمليات العسكرية المتعاقبة على مدى شهر عمليات قتل وانتقام وحشية اتخذت طابعا عرقيا لاسيما بين قبيلتى الدينكا التى ينتمى إليها رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت والنوير التى ينتمى إليها نائبه السابق الدكتوررياك مشار ، مما أدى لمقتل الآلاف وتشرد ومعاناة مئات الآلاف ، أصبحوا معرضين لخطر المجاعة والأمراض والموت .. وكأن الموت والقتل والتشرد هو قدر جنوب السودان ومواطنيه الذين عانوا ويلات حرب أهلية امتدت لأكثر من خمسين عاما ، ثم صوتوا بأغلبية ساحقة على خيار الإنفصال، ومايجرى اليوم هو أمر مرير بالنسبة لمواطني الجنوب الذين فروا من الدولة الأم السودان طلبا للحرية والعدالة والعيش الكريم وهربا من التهميش والمظالم والصراعات والفساد, فإذا بهم أمام دولة تعيد إنتاج ماهربوا منه ...لم تصبر القيادات والنخب الجنوبية طويلا من أجل تحقيق نبوءات كثيرة من خصومهم ومحبيهم كانت تحذر بأن دولتهم معرضة للفشل ، وقبل أن تكمل الدولة الوليدة العامين والنصف اندلع صراع سياسى على كراسى الحكم بين سلفاكير ونائبه السابق مشار وفريقه الذى يضم القيادات التى أقصاها سلفاكير من السلطة فتجمعت كلها ضده، متهمة إياها بتكريس حكم ديكتاتورى ، بينما اتهمها هو بتدبير انقلاب ضده .
وللفشل فى الجنوب أسباب عديدة موضوعية, منها العامل الداخلى المتعلق بالفساد والعجز عن إدارة الدولة وعدم إطلاق مصالحة واسعة , وقد ساهمت كل النخب الجنوبية  بقدر في هذا الفشل, كما يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منه بالتخلي عن مسئولياته تجاه الدولة الوليدة وعدم الوفاء بتعهداته حيالها في مؤتمرات المانحين وعدم مساهمته بالقدر الكافي في تأهيل الجيش والشرطة وبناء القدرات والبني التحتية, كما كان للعلاقة المتوترة مع الخرطوم دور كبيرفي تأزيم الوضع في الجنوب, وأجج شح الموارد في الجنوب بعد وقف تصدير البترول الإحتجاجات والسخط.
ولايبدو رغم كل المعارك الدائرة أن الصراع قد حسم تماما لصالح أحد الطرفين، فالمعارك بين كر وفر ، ولايبدو أن أحد الطرفين قادر على حسم الصراع لصالحه ،وكل يريد دعم موقفه التفاوضى بالإستيلاء على مناطق البترول والمدن الرئيسية، ورغم تقدم قوات سلفاكير فى الأيام الأخيرة ربما بفعل الدعم الأوغندى ، إلا أن دحر قوات مشار لن يكون حتى فى حال حدوثه حلا ، وهو أمر غير وارد حتى الآن ، لأن معارك الجنوب أثبتت أن الطرف الذى يهزم تتحول قواته بعد ذلك إلى ميليشيات تظل قادرة فى ظل واقع جغرافى وقبلى وإثنى وحدودى معقد على إثارة كثير من القلاقل , وسلفاكير رغم مايتمتع به من خبرة إستخباراتية وعسكرية ونفوذ قوي في الجيش ومعه مؤسسات الدولة وقطاعات قبلية واسعة في أكبر فروع قبيلة الدينكا والتحالفات التي يسعي لتكوينها مع قيادات أخري مؤثرة في قبيلة النوير لضرب نائبه مشار, إلا أن خصومه لايستهان بهم وهم قيادات لها تاريخ وجماهير وولاءات أيضا قبلية وخبرات سياسية وعسكرية كبيرة. وفي حال عدم التوصل إلي تفاهمات بين هذه القيادات, فإن الصراع بينها قد يكون عملا إنتحاريا مدمرا للطرفين معا, بل وللجنوب كله, إذا ما أضيف لصراعات أخري موجودة بالفعل مع ميليشيات مسلحة وغيرها, حيث يتداخل في مثل هذا الصراع العوامل العسكرية والسياسية والقبلية، فى ظل واقع إقليمى ودولى معقد ، وهناك أصوات فى المجتمع الدولى بدأت تشير إلى ضرورة وضع دولة الجنوب تحت الوصاية الدولية ، كما أن هناك مخاوف من عواقب تدخل أطراف إقليمية مصالحها متعارضة مثل أوغندا والسودان ، بما يعنى أن يتحول الجنوب إلى ساحة للصراعات الإقليمية .
ورغم  حدة الصراع وعنفه وماترتب عليه من أحقاد ومرارات وانعدام ثقة بين القيادات من الطرفين ، ومسئولية هذه القيادات عما آلت إليه أوضاع الجنوب ليس فقط بصراعهما الأخير ، وإنما بفشلهما فى وضع اسس لبناء دولة وطنية يستطيع أن يتعايش فيها كل أبناء الجنوب بمختلف أعراقهم وقبائلهم وثقافاتهم واديانهم ، وانشغالهم بدلا عن ذلك بالصراع على السلطة والثروة، وهو الأمر الذى تتضح تفاصيله الآن بشكل أكبر،بينما ظلت الغالبية العظمى من ابناء الجنوب تعانى،  وهو صراع غابت عنه قضية التنمية ومكافحة الفساد وقضايا المواطن الجنوبى الحقيقية لتحسين الصحة والتعليم والطرق وتوفير المياه النظيفة وسبل العيش الكريم . وفى الغالب قد تؤدى الوساطات والضغوط الدولية إلى حل ما يعيد الاستقرار للجنوب ، لأن هذه الأطراف الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة مسئولة إلى حد كبيرعما يجرى بالجنوب ، وقد كانت تعتبر انفصاله أو استقلاله قصة نجاحها ،وهناك انتقادات كثيرة الآن لعدم كفاية الضغوط الأمريكية لحل النزاع ومخاوف من عواقب إستطالة أمده . لكن هذا الحل الذى تسعى القوى الدولية لتلفيقه للوصول إلى أى سلام لإبراء الذمة ، سيبقى فى حال التوصل إليه هشا ومؤقتا ومعرضا للإنهيار مجددا فى اية لحظة والعودة مجددا للصراع والنزاع والتدمير الذاتى، مالم يكن هناك عمل جاد لبناء مؤسسات الدولة فى الجنوب على أساس وطنى وليس قبليا ، وهذا الأمر يحتاج إلى قيادات ونخب تغلب مصلحة الوطن على مصالحها الشخصية .