عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قبل بضعة أيام وبدون مناسبة وفى خطوة تصعيدية ، قال الرشيد هارون الوزير السودانى برئاسة الجمهورية  خلال ندوة للإتحاد العام للطلاب السودانيين بأن حلايب سودانية 100%، وأن بلاده ستلجأ للمجتمع الدولى لحلها ، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة فى القاهرة... فهل كان تصريح المسئول السودانى فعلا منفردا وعملا عفويا أم هو عمل مخطط لإثارة أزمة مع مصر وجرها إلى معركة تكون فيها فى عداء مع الشعب السودانى كله وإظهارها بمظهر المعتدى ، للتغطية على القضايا الحقيقية الشائكة المتفجرة على صعيد الداخل السودانى و فى علاقات البلدين.
الواقع يؤكد أن القضية الآن بين البلدين لاعلاقة لها بقضية حلايب على الإطلاق ، لكن يبدو أن السلطة الحاكمة فى الخرطوم درجت على جعل قضية حلايب "قميص عثمان" تشهره كلما أرادت تعكير صفو العلاقات مع مصر أو الضغط على القاهرة ، أو لصرف انتباه الداخل السودانى عن القضايا الحقيقية ومحاولة خلق حالة توحد مع الشعب الساخط عليها حول أى قضية، ولوبالعداء لمصر لبعض الوقت، إلى حين خلق قضايا أخرى إنصرافية ، مثل حالة عداء لقوى الداخل أو دولة الجنوب أو لأى من دول جواره أو قوى العالم ، أو لأى هدف حقيقى أو متوهم قادر على إثارة حمية السودانيين ونخوتهم ... فعلت ذلك مرارا وتكرارا حتى ملت قطاعات عديدة فى الشعب السودانى هذه اللعبة ، وباتت أكثر وعيا وإدراكا بأن مهددات الأمن القومى لبلدهم لاتنطلق من القاهرة أو جوبا أو أى مكان آخر، بقدر ماتنطلق من تصرفات سلطة أضرت أيما ضرر بوحدة بلدهم وحاضره ومستقبله ، وتعرضه اليوم لمزيد من الأخطار بالإصرار على السير على نفس المنوال المدمر الذى انتهجته منذ وصولها للسلطة قبل ربع قرن ، فأضر بالسودان وجيرانه ، وكثيرون اليوم فى السودان يعتقدون أن هذه السلطة من الناحية الأخلاقية غير مؤهلة للحديث عن حلايب أو غيرها ، وهى التى أضاعت على السودان بفصل جنوبه ثلث أرضه وربع سكانه ومعظم بتروله ومائه، حيث لم تبذل أى جهد للحفاظ على وحدة البلد أو حتى السلام بعد الانفصال ، وأبقت البلد فى حالة حرب مفتوحة فى كل الجبهات تؤهلها لمزيد من التشظى .
واليوم تثير حكومة الخرطوم غبارا كثيفا على مجمل المشهد بالحديث عن قضية حلايب بدلا من أن تجيب عن الأسئلة الحقيقية المثارة فى مصر حول السلاح المتدفق من داخل حدودها صوب مصر ، وعن التسهيلات التى تقدمها لاستقبال وإيواء وتهريب قيادات جماعة الإخوان المسلمين ، وعن التنسيق الذى يتم مع التنظيم العالمى للإخوان المسلمين وإيران وقطر وغيرها من القوى للإضرار بمصالح وأمن مصر، وأيضا عن الإضرار بالموقف التفاوضى المصرى فى قضية سد النهضة بالذهاب إلى التأييد الكامل غير المشروط للموقف الاثيوبى بدون حتى النظر المتأنى فى الدراسات العلمية  أو النظر فى آراء  الخبراء الدوليين الذين تطالب مصر الآن بالإستعانة بهم ، وكان يمكن لحكومة الخرطوم لو كان دورها مستقلا ووطنيا يضع مصلحة الشعب السودانى نصب عينيه أن تلعب دورا ما فى حل القضية ، لكنها لم تفعل ، وكثيرون من المصريين يحملونها الكثير من المسئولية عما يجرى الآن ، ليس فقط بسبب موقفها المرواغ من القضايا التى تفجرت مؤخرا بشأن المياه ، وإنما منذ تورطها فى محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس الأسبق حسنى مبارك التى كان لها تداعيات سلبية على علاقات مصر الإفريقية ، وحكومة الخرطوم التى تهدف للبقاء فى السلطة بأى ثمن تؤيد اليوم  سد النهضة دونما قيد أو شرط بالنظر أولا إلى أمنها، حيث تخشى إن فقدت العلاقة بأديس ابابا التى كان لدعمها للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق فى الجنوب فى التسعينات أثرا حاسما فى تقدمها ، أن تكرر إثيوبيا الأمر ذاته مع المتمردين ضدها فى النيل الأزرق وجنوب كردفان ودافور الذين يشكلون مايعرف باسم الجبهة الثورية ، والتى تصعد القتال ضدها الآن .
وتقوم حكومة الخرطوم الآن بإثارة قضية حلايب ، بدلا من الإجابة على التساؤلات الحقيقية التى يطرحها الشعب السودانى الذى خرج فى انتفاضة عارمة فى شهر سبتمبر الماضى ، مطالبا بإسقاط النظام ، قبل أن يتم إخمادها بقبضة حديدية ، وبدلا من الإجابة على مصير حكم ينفرد بالسلطة والثروة ، ويقصى كل قوى الشعب السودانى ، واليوم يزداد الإقصاء فى داخل النظام نفسه ، وتزداد عزلته ، وتزيد معاناة عموم السودانيين فى كل مناحى الحياة ، داخل السودان ، وفى المنافى والشتات .
ورغم كل مايجرى فى مسار العلاقات المصرية السودانية الآن ، والتباين بين البلدين الذى حدث بعد ثورة يونيو وزوال حكم الإخوان المسلمين فى مصر الجماعة الأم التى يتعاطف معها ويرتبط بها حكام السودان ، تبدو القاهرة فى عهدها الجديد حريصة على الحفاظ على خصوصية العلاقة مع السودان، كما كانت دوما فى كل العهود وفى ظل كل الحكام ورغم كل التقلبات ، ولكن بالطبع لن يكون ذلك على حساب التفريط فى أمنها أو سيادتها أو مصالحها الحيوية ، وفى ذات الوقت تدرك قطاعات واسعة فى مصر شعبا وحكاما ونخبة تمام الإدراك أن العلاقة مع الشعب السودانى الضاربة فى جذور التاريخ المتوثقة بوشائج القربى وصلأت الدم والرحم  لن تستقيم أو يكون لها مستقبل إلا بعلاقات ترابط وشراكة حقيقية ، تحل فيها المشكلات جميعا دون استثناء.