عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انعقد مؤتمر جوبا للأحزاب السياسية السودانية الذى دعت له الحركة الشعبية لتحرير السودان بمشاركة أحزاب وقيادات رئيسية فى السودان ،رغم مقاطعة حزب المؤتمر الوطنى الحاكم الذى يرأسه الرئيس السودانى عمر البشير ،وغياب الحزب الإتحادى الديمقراطى الذى يرأسه السيد محمد عثمان الميرغنى . ويأتى المؤتمر قبل 14 شهرا يتم بعدها تحديد مستقبل السودان عبر إستفتاء تقرير المصير الذى يقرر فيه أبناء الجنوب إنفصال الجنوب أو بقاء السودان دولة موحدة ،وكذلك قبل إستحقاق آخر مهم هو الإنتخابات المقرر إجراؤها فى شهر أبريل المقبل .

ويعبر إجتماع هذه الأحزاب المعارضة وقياداتها مع الحركة الشعبية الشريك الثانى فى الحكم فى غيبة حزب البشير عن تململ ورفض واسع لسياسات المؤتمر الوطنى ورغبة فى ممارسة الضغوط عليه ،فالحركة الشعبية فضلا عن خلافاتها مع المؤتمر الوطنى بشأن الإجراءات المتعلقة بالإنتخابات وإستفتاء حق تقرير المصير ومايتعلق بهما من إحصاء سكانى مرفوض من جانبها وشروط ترى أن المؤتمر الوطنى يضعها لتصعيب عملية الإستفتاء ،ترى الحركة أن المؤتمر الوطنى يقف خلف دعم معارضيها الجنوبيين ،وانه هوالذى دعم عقد مؤتمر لهم فى كنانة ،وهاهى الحركة الشعبية ترد عليه بمؤتمر أكبر فى جوبا للمعارضة الشمالية رغم تأكيدها أن الأمر بالنسبة لها اكبر من ذلك ،وأن المؤتمر جوبا ياتى لمجابهة الإستحقاقات الوطنية المهمة ،كما ترى الحركة الشعية أيضا أن حزب البشير يقف أيضا وراء تكوين حزب الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطى الذى يتزعمه الدكتور لام أكول وزير الخارجية السابق ،وانه يقف أيضا ضد الحروب القبلية المتصاعدة بشكل غير مسبوق فى جنوب السودان فى الأشهر الماضية ،وهناك مخاوف إن لم يتم معالجة الأمر أن تخطو الحركة الشعبية خطوات أخرى للرد على أى تصعيد تراه من قبل المؤتمر الوطنى .

هذا فضلا عن الإنتخابات المقبلة التى ترفض الحركة الشعبية والأحزاب الأخرى المعارضة خوضها فى ظل الظروف الحالية ،ليس فقط بسبب رفضهم للتعداد السكانى ،بل أيضا لأنهم يرون أن أى إنتخابات مقبلة فى ظل الأوضاع الحالية محسومة سلفا لصالح المؤتمر الوطنى فى ظل مايرونه من تقييد الحريات وهيمنة المؤتمر الوطنى على المال والإعلام والسلطة ،وفى ظل رغبة المؤتمر الوطنى فى تكريس شرعية جديدة للرئيس فى مواجهة المحكمة الجنائية الدولية التى تطالب بإعتقاله .

 وقد اعتبر المؤتمر الوطنى مؤتمر جوبا مؤامرة على إتفاقية السلام وأنه كان سيتحول إلى محاكمة له فى حال مشاركته ،مؤكدا أن المؤتمر تم تمويله ب18 مليون دولار من جهة أجنبية قال إنها معلومة لديه ،وإعتبر أن المؤتمر يهدف بالدرجة الأولى للمساهمة فى ترتيب الأوضاع من قبل المشاركين فيه بعد عجزهم عن التغيير عبر الوسائل الديمقراطية ،وتوقع المؤتمر الوطنى ألا يصل المؤتمر إلى إتفاق ،وإن وصل إلى إتفاق ألا يستطيع أن يصمد .

 

والجيد فى المؤتمر أنه أتى بالقيادات السودانية الشمالية البارزة وأعداد من اعضائها إلى جوبا العاصمة الثانية للسودان ،وهى قاب قوسين أو أدنى من تقرير مصيرها بعد فترة إنتقالية قررها إتفاق السلام الشامل عام 2005 ،انقضت منها خمس سنوات كاملة دون فعل حقيقى لصنع الوحدة ،التى صارت الآن بعيدة المدى أكثر من أى وقت مضى ،وتحتاج إلى معجزة حقيقية لإنجازها ،وقد صار أبناء الجنوب فيها زاهدون ،وأبناء الشمال فيها أكثر زهدا ،كما لم يحدث من قبل ،وقد عبر عن ذلك باجان أموم الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان ومقرر المؤتمر حينما سئل عن مغزى عقد المؤتمر فى جوبا فقال :"إنه فرصة للشعب السودانى فى الجنوب لكى يسمع صوت القوى السياسية فى الشمال فى قضايا مهمة مثل حق تقرير المصير ،إنه فرصة لتعميق الحوار الوطنى ،وبعض ممثلى القوى السياسية يأتون للمرة الأولى للجنوب ،إنهم يتحدثون عن وحدة مع جهة لايعرفونها ،فهو فرصة لإكتشاف هذا الأخر فى الوطن ،الذى فشلنا فى بناء أمة سودانية واحدة فيه ،لعل الحواريساعدنا فى بناء القواسم المشتركة ،رغم أننا فى العام الأخير قبل الإستفتاء ،وكما لاعبى كرة القدم نلعب فى الوقت الضائع ،لكن من المحتمل ان نسجل هدفا ".

لكن يبدو أن عملية تسجيل هدف هنا ليس عملية سهلة على الإطلاق ،فعملية توحيد السودان أصبحت عملية صعبة للغاية ،وكذلك الإنفصال لن يكون بالسهولة التى كان يتوقعها البعض ،ويرى كثيرون انها على الأرجح لن تكون عبر عمل سلمى فى ظل المعطيات الراهنة .

وعملية تسجيل الهدف قد تكون صعبة فى مؤتمر جوبا لأن أهداف اللاعبين فى مؤتمر جوبا ليست واحدة وخططهم قد لاتكون متناسقة ،وقد يرغب كل طرف منهم  فى جعل المؤتمر ونتائجه أداة للضغط على المؤتمر الوطنى بطريقته الخاصة ولصالحه ،وسيتوقف نجاح مؤتمر جوبا الذى لم يكن قد اختتم اعماله ساعة كتابة هذا التقرير ،على مدى خروج المشاركين فيه بقرارات متوافقة لصالح إخراج السودان من ازماته ،ثم بعد ذلك مدى  قدرتهم على تنفيذ هذه القرارات .

وقد تراوحت آمال المشاركين فى المؤتمر بشأن نتائجه مابين حد أدنى متمثل فى ان مجرد إجتماع هذه القيادات المتنافر بعضها وخروجهم متوافقين بدون خلافات أو مشاجرات ظلت بعض الصحف القريبة من المؤتمر الوطنى تتكلم عنها هو فى حد ذاته إنجاز كبير ،بينما كانت آمال أخرين تحلم بالوصول إلى قيام تحالف حقيقى بين هذه الأحزاب تخوض به الإنتخابات موحدة بمرشح واحد للرئاسة لإسقاط المؤتمر الوطنى ومرشحه أو بمقاطعة الإنتخابات التى دعا لها الترابى فى حال عدم توفر الشروط الصحية لقيامها ،فى حين رأى غيرهم أن هذا المؤتمر فرصة ليس فقط للتحالف من أجل الإنتخابات التى ستكون بالفعل عامل مهم يحدد مصير ووجهة الإستفتاء المقبل ،ولكنهم يرون أن العام والشهرين المتبقيين يمكن فيهما توجيه كل طاقات السودان وكثير من مواده من أجل البناء والتعمير فى جنوب السودان ،وتغيير كل الظروف المحبطة الحالية التى تعزز خيار اإنفصال وتنفر من الوحدة ،وقد إقترح مبارك الفاضل المهدى رئيس حزب الامة فى هذا الصدد خطوات عملية منها تخصيص نسبة 10% من الدخل القومى لإعادة الإعمار والتنمية فى الجنوب بمتوسط لايقل عن مليار دولار ،إضافة إلى فرض ضريبة على واردات السودان بنسبة 10%لذات الغرض ،وطرح آخرون من بينهم الصادق المهدى زعيم حزب الامة القومى طريقا ثالثا بين الوحدة والإنفصال هو النظام الكونفدرالى ،لكن غيرهم رأوا أنه لايمكن تحقيق وحدة السودان فى ظل الظروف الحالية ،وأنه ينبغى إحداث تحولات حقيقية فى المركز تكون مقنعة لأهل الجنوب للبقاء فى وطن موحد .

ويبدو أن ماسيعوق فاعلية أى مقررات تصدر عن مؤتمر جوبا ،هو أولا مدى قدرة أحزاب المعارضة الشمالية على الإلتزام بها والتضحية فى سبيلها ،وثانيا مدى إلتزام الحركة الشعبية بها ،وقد بات معظم قياداتها على مايبدو ينتظرون موعد إستفتاء حق تقرير المصير ليمضوا بجنوبهم نحو الإنفصال ،ويعزز من توجهاتهم تلك الصعوبات اتى يواجهونه فى تنفيذ إتفاق السلام ،وقد أصبح كثيرون فى الجنوب غير ميالين لخوض حروب غيرهم ،فى حين ينتظر قادة وأحزاب المعارضة الشمالية من الحركة الشعبية أن تكون القاطرة التى تجرهم فى أى تحرك أو نضال ضد المؤتمر الوطنى .

حتى أن الفكرة التى طرحتها رئيسة حركة حق هالة عبد الحليم بأن يكون سلفاكير هو مرشح الأحزاب المشاركة فى مؤتمر جوبا لم تلق قبولا او رغبة على مايبدو من سلفاكير نفسه أو من أبناء الجنوب .

وهذا الزهد الجنوبى فى الوحدة ليست فقط بسبب الظروف الراهنة ،وإنما أيضا بسبب فجوة الثقة والمرارات التى لازالت عالقة بالوجدان الجنوبى تجاه الشمال وقياداته ،وقد اتضح ذلك خلال جلسة البرلمان التى خاطبها زعماء الشمال الثلاثة الصادق المهدى وحسن الترابى ومحمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعى ،والتى وجه فيها إتهامات إلى المهدى بالمسئولية عن أحداث عنف ضد أبناء الجنوب خلال فترة حكمه،وإتهامات للترابى أيضا بالمسئولية عن إعلان الجهاد ،وهو مادافع عنه الإثنان بكلام قد لايكون كافيا أو مقنعا بالنسبة لمتهميهم،وقد قال لى أحد المواطنين الجنوبيين "نخشى أن هؤلاء القادة الشماليين قد أتو إلينا ليغشونا ثانية من أجل الوحدة ".

كما تتوقف فاعلية مايخرج عن مؤتمر جوبا أيضا على مدى إستجابة المؤتمر الوطنى للإصلاحات التى يطالب بها مؤتمر جوبا ،والتى أصبحت ضرورة ملحة لإخراج السودان من أزماته التى تكاد تعصف به ،وايضا على مدى الضغوط الدولية من أجل تطبيقها ،وكان المؤتمر قد ألمح إلى أنه سيرفع توصياته للمجتمع الدولى .

ويبقى أنه من الواضح أن فى السودان الآن إنشقاق كبير ،ولن يقود تعميق هذا الشقاق إلا لمزيد من الدمار والخراب فى كل أنحاء السودان الذى يحتاج اليوم بالفعل إلى توافق وطنى حقيقى ينقله لمرحلة جديدة ويحقن الدماء وينقذه من ردود أفعال باتت تأتى كل يوم بجديد غير متوقع ويجنبه كذلك الضغوط الدولية والإبتزاز والترهيب التى تصمت حينا ،ولكن ليس إلى الأبد .

آخر الكلام :

يقول    أبو القاسم الشابى :

أينَ يا شعبُ قلبُكَ الخَافقُ الحسَّاسُ؟     أينَ الطُّموحُ، والأَحْلامُ؟

أين يا شعبُ، رُوحُك الشَّاعرُ الفنَّانُ      أينَ، الخيالُ والالهامُ؟

أين يا شعبُ، فنُّك السَّاحرُ الخلاّقُ؟      أينَ الرُّسومُ والأَنغامُ؟

إنَّ يمَّ الحياة ِ يَدوي حوالَيْكَ     فأينَ المُغامِرُ، المِقْدَامُ

أينَ عَزْمُ الحياة ِ؟ لا شيءَ إلاّ   الموتُ، والصَّمتُ، والأسى ، والظلامُ

وحياة ٌ، تنامُ في ظلمة ِ الوادي  وتنْمو من فوقِها الأوهام

أيُّ سِحْرٌ دهاكَ! هل أنتَ مسحورٌ       شقيٌّ؟ أو ماردٌ، يتهكَّمْ؟