عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كما هي عادة السودانيين حتي في أشد حالات التنافر‏,‏ قوبل الرئيس السوداني عمر البشير بالأحضان والترحاب في زيارته الثانية لجوبا عاصمة جنوب السودان‏ التي كانت قبل قرابة العامين جزءا أصيلا من بلده قبل انفصال الجنوب وإعلان إستقلاله كأحدث دولة أفريقية‏.‏
لكن هذا السلام الحار لايدل تماما علي حقيقة الأوضاع بين البلدين اللذين لم يحسما حتي الآن القضايا الخلافية بينهما, ومن بينها قضية أبيي الحدودية المتنازع عليها التي تعد الآن قنبلة موقوتة, أو حتي ترسيم الحدود بين البلدين, وهو ماظل يثير المشكلات طيلة الفترة الماضية, وكاد يدفع البلدين مجددا إلي أتون الحرب الأهلية.
فما الجديد الذي يحمله البشير للجنوب هذه المرة, وماالذي يمكن أن يقدمه له أيضا نظيره رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت, خاصة في ظل إعلان سكان منطقة أبيي من قبيلة دينكا نقوك الجنوبية عزمهم علي إجراء إستفتاء بشأن تبعية المنطقة( في الثامن والعشرين من الشهرالحالي), وهو ماقد يجر إلى الحرب المنطقة التي تم تحديد حدودها من قبل التحكيم الدولي, ولكن بقي أمر كونها تتبع الجنوب أم الشمال متعلق بإجراء استفتاء, كان من المفترض أن يتم بالتزامن مع استفتاء الجنوب في يناير2011, لكن تم تأجيلة بسبب الخلاف عمن يحق له التصويت في هذا الإستفتاء, فبينما يري الجنوبيون انه حق لهم وحدهم دون أبناء قبيلة المسيرية العرب الرحل الذين تقتصر إقامتهم في الإقليم علي موسم الجفاف في الشمال, يري المسيرية ومعهم الشمال أن هذا حق أصيل لهم, وبالتالي تنذر خطوة الإستفتاء من جانب واحد بمزيد من التصعيد, إذا لم يتم معالجة الأمر.
في الواقع تأتي زيارة البشير لجوبا في ظل متغيرات كبيرة في البلدين, وفي ظل ضغوط كبيرة يتعرض لها النظامان الحاكمان, وربما تدفع هذه المتغيرات والضغوط إلي تنازلات مؤقتة وتقارب شكلي إلي حد ما بين الخصمين اللدودين في جوبا والخرطوم, اللذين لا يأمن أحدهما للآخر, ولايزال كل منهما يدعم خصوم الآخر ويحتفظ بهم كأوراق ضغط علي الآخر. فنظام حكم البشير الذي وصل إلي عامه الـ25 في السلطة يتعرض الآن لهزة شديدة, فهو يواجه منذ أسابيع إنتفاضة شعبية بدأت احتجاجا علي رفع الدعم, ثم مالبثت أن تحولت إلي المطالبة بإسقاط النظام ورفض لمجمل سياساته, كما يواجه نظام البشير كذلك تمردا مسلحا في معظم أطراف السودان, في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق, والحركات المسلحة في هذه الأقاليم انضمت لهم أيضا قيادات من الشمال والشرق ويكونون معا مايعرف باسم' الجبهة الثورية', ويتوعدون هم أيضا بإسقاط النظام, فضلا عن حراك كبير داخل صفوف الإسلاميين وأيضا داخل الحزب الحاكم غير راضين عن أوضاع النظام الحالية, من قبل من عرفوا بالإصلاحيين الذين اتخذت ضدهم إجراءات عقابية, وشباب آخرين يسمون بالسائحين, ومجموعة أخري يتزعمها الطيب مصطفي خال البشير. وكل هذه الأطراف الغاضبة فضلا عن الأوضاع الاقتصادية المتردية وغيرها من الملابسات الداخلية والخارجية علي حد سواء, تجعل البشير ونظامه الآن أبعد مايكون عن الرغبة في فتح جبهة حرب جديدة مع خصمهم اللدود في الجارة الجنوبية, وكانوا من قبل يلجأون إلي ذلك لتوحيد جبهتهم الداخلية, ومحاولة إستثارة مشاعر مواطنيهم في مواجهة عدو خارجي, أما الآن فأي محاولة لذلك لن تجد تجاوبا, وفي ذات الوقت هم يحتاجون إلي ما ياتيهم من الجنوب من عوائد مرور بترولهم عبر الشمال التي تصل إلي75% من إجمالي البترول السوداني, ويريدون أيضا إبعاد جوبا عن دعم المعارضة المسلحة ضدهم.
ولايقل وضع سلفاكير حرجا عن نظيره البشير, فهو أيضا يواجه أوضاعا داخلية مهترئة ووضعا إقتصاديا مترديا, بعد وقف إنتاج البترول لفترة طويلة بسبب خلافاته مع الخرطوم, كما يواجه معارضة سياسية شرسة وخصوم ألداء, بعد أن قام بإقصاء العديد من القيادات التي لايستهان بها, ومن بينهم نائبه الأول رياك مشار والأمين العام للحركة باقان أموم وغيرهم, كما يواجه ميليشيات مسلحة أهمها الآن ميليشيات ديفيد ياو ياو, التي ارتكبت مؤخرا أعمال عنف واسعة, وهو يرغب علي مايبدو في الترشح في الإنتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل, مما يستلزم أن يشعر المواطنون الجنوبيون بأنه أنجز شيئا, وهذا لاشك يتطلب أموالا, ويتطلب أن يستمر تعاونه مع الشمال علي الأقل لتصدير بترول دولته الحبيسة.
ولعل كل هذه العوامل والظروف الضاغطة ستدفع كلا الطرفين لتقديم بعض التنازلات في المرحلة الراهنة, لكنها ستظل علي الأرجح مؤقتة وجزئية وشكلية وتكتيكية, لأن كل طرف منهما لن يتخلي تماما عن دعم الحركات المسلحة والميليشيات في الدولة الأخري, لأن كليهما يعتبرانها حليف حائط صد له علي المدي الطويل, كما أن كليهما لايستطيع تقديم تنازلات بشأن أبيي, وإلا انقلب المسيرية علي الخرطوم, وقطاعات واسعة علي جوبا إذا تنازلت... ويبقي أن السلام بين الدولتين سيظل مرهونا بمدي حل كل دولة لمشكلاتها الداخلية أولا.