من القلب

ظللت أتابع الأوضاع في السودان الشقيق عن كثب وبشكل يومي حوالي‏17‏ عاما‏,‏ وأعتقد أن المصريين اليوم بحاجة إلي تأمل هذه التجربة بشكل متعمق واستخلاص العبر منها‏,

علي ضوء التشابه في وجهة النظامين الحاكمين بالبلدين, لكي تتجنب مصر وكذلك الإسلاميون أنفسهم ما وقع فيه أقرانهم في السودان من أخطاء أدت لانفصال الجنوب الذي يمثل حوالي ثلث الشعب وربع الأرض ومعظم الثروات النفطية والمائية والغابات والمراعي, وكان أهم سبب للانفصال هو الفشل في إدارة التنوع, وتغليب جبهة الإنقاذ الإسلامية التي وصلت للحكم قبل24 عاما مصالحها الأيديولوجية علي حساب المصالح الوطنية. وهناك مؤشرات كثيرة في مصر علي التشابه مع الحالة السودانية, مثلما حدث في الدستور, والتركيز علي الحلول الأمنية وحدها, والتي تم تجريبها في السودان بالجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وفي شرق السودان وشماله, وأدت إلي إلحاق أكبر الضرر بعملية البناء الوطني.
وأعتقد أنه انطلاقا من ذلك, لابد من مراعاة البعد التنموي في قضية النوبة كمكون مصري أصيل, وإعطاء الاعتبار للثقافة النوبية في إعلامنا وتعليمنا, وأن نعتبر تحرك أهلنا في النوبة لإيصال شكاواهم جرس إنذار, وأمر جيد أن يتم التوجه لتدريس تاريخ النوبة في مناهجنا, وليتنا نجد مذيعة نوبية وأكثر علي شاشاتنا الكثيرة, وعار علينا إن لم نبادر لإنصاف أهل النوبة في كل ما يشكون منه ولاسيما قضية الأراضي, ويوم نفعل ذلك لن تضطر تلميذتان نوبيتان كما حدث مؤخرا إلي الشكوى من معلمتهما التي قالت لهما إنهما ليستا مصريتين, ووجهت لهما إهانات قبيحة ليس هناك داعي لذكرها هنا, ولن تكون هناك حركة كتالة التي تشكلت مؤخرا كحركة مسلحة من أبناء النوبة.
وتعلمنا كذلك دروس التجربة السودانية المريرة أن أي تنازلات تقدم لصالح المحافظات أو المناطق الأقل نموا يجب أن يكون من أفق وطني وليس أفق مناطقي, مثل الذي حدث في توزيع عوائد بترول الجنوب, أي أن تكون تنمية أي منطقة من ميزانية الدولة وليس من حصة ثرواتها, لأن غير ذلك قد يكون بداية لمشكلات خطيرة.