عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

مما يروى عن الدكتور جون قرنق الزعيم الراحل للحركة الشعبية لتحرير السودان والذى كان فضلا عن مقدراته العقلية الفذة رجلا خفيف الظل ،أنه قال لمحدثيه :إن السودانيين لن يدخلوا الجنة ولاالنار ،ولما سألوه بإستغراب :كيف ؟ قال ضاحكا :إنهم سيصلون يوم القيامة إلى الجنة متأخرين بعد أن تكون قد أغلقت أبوابها وكذلك النار.....ولعل هذا هو حال السودانيين اليوم فى الحياة الدنيا ،فلا هم بقادرين عل تحقيق الوحدة التى تحتاج عملا حقيقيا كبيرا لم يتم حتى اليوم رغم إنقضاء أكثر من ثلثى الفترة الإنتقالية لإتفاق السلام،ولاهم كذلك قادرين على تحقيق الإنفصال الذى كان يطرحه البعض فى الشمال والجنوب بإعتباره الحل الأسهل ويبدو الأن أنه أكثر صعوبة من الوحدة البعيدة المنال ،وهكذا يقف السودانيون فى منطقة وسطى  غير قادرين على بلوغ جنة أونار الوحدة أو الإنفصال ،لأن لكل منهما إستحقاقات ومطلوبات غير هينة .

وماذكرنا بحديث الجنة والنار فى السودان هو حديث باجان أموم الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان عن أن تأجيل إستفتاء الجنوب سيدخل الفترة الإنتقالية فى السودان إلى فترة جهنم أى سيجعلها جحيما ،ملوحا أو مهددا بإمكان إتخاذ قرار إنفصال الجنوب مبكرا من داخل برلمان الجنوب إذا ما استمر شريك الحركة فى الحكم حزب المؤتمر الوطنى الذى يرأسه الرئيس السودانى عمر البشير بوضع العراقيل امام إجازة قانون إستفتاء تقرير  المصيرالمقرر إجراؤه فى عام 2011،وقال باجان :إن الحركة الشعبية تمهل المؤتمر الوطنى حتى نهاية العام الحالى لإجازة قانون الإستفتاء ،مؤكدا أن الجنوبيين إذا لم يجدوا مصالحهم فى الوحدة فإنهم سيحاولون إيجادها فى الإنفصال ،موضحا أن الإنفصال لم يعد من الخيارات الصعبة بالنسبة لهم ،ومشيرا إلى أن للسودان تجربة سابقة فى الإستقلال من داخل البرلمان كما حدث عام 1956 ،مشيرا إلى أن المؤتمر الوطنى حتى الآن غير قادر على مجاراة الواقع السياسى محليا ودوليا .

وقد أثار حديث باجان زوبعة داخل السودان وخارجه ،وأثار الكثير من الهواجس بشأن بقاء السودان موحدا ،وإعتبره المؤتمر الوطنى غير مقبول وخروجا على المألوف وتمردا على الدستور الإنتقالى ،فيما اعتبره محللون سياسيون إبتزازا تمارسه الحركة الشعبية لحصد مزيد من المكاسب والحقوق والتنازلات ،ولم يستبعد هؤلاء أن تلجأ الحركة لتنفيذ ماهددت به إذا ماواصل المؤتمر الوطنى تنفيذ برنامجه دون السماح للحركة بمشاركة فعلية  ،وقالوا :إن إحتمالات الإنفصال أصبحت مرجحة بشكل كبير وفى أى لحظة ،معتبرين أن إتفاقية السلام أسست لدولة مستقلة بالجنوب منذ توقيعها .

والواقع أن حديث باجان النارى ومانتج عنه من شرارات ضربت فى إتجاهات شتى يثير العديد من القضايا الهامة المتعلقة به ،والتى يجب الوقوف عندها :

       أن حديث باجان عن إنفصال مبكر للجنوب لم يكن جديدا تماما ،فقد كان متداولا فى الشارع السودانى كأحد الخيارت التى يضعها القادة الجنوبيون فى إعتبارهم ،وإن كان أول حديث رسمى على هذا المستوى ،كما أنه ليس اول حديث لأمين عام الحركة الشعبية الذى يؤكد فيه على تنامى التيار الإنفصالى داخل جنوب السودان،فقد كرر من قبل فى أكثر من مناسبة أن حوالى 90%من أبناء الجنوب سيصوتون للإنفصال إذا ماتم الإستفتاء الأن .

       أن الخلاف الحالى بين شريكى الحكم فى السودان  ليس هو الخلاف الأول ولن يكون الخلاف الأخير بينهما،وقد ظلت علاقاتهما طيلة السنوات الأربع الماضية بين مد وجزر ،والتهمت الخلافات المتتالية بينهما الفترة الإنتقالية ،بسبب كثرة المشكلات فى الواقع  وكثرة التفاصيل المنصوص عليها فى إتفاقية السلام الموقعة بينهما عام 2005،وأيضا بسبب التناقض البين بين مشروعيهما على الصعيدين الفكرى والسياسى،وقد بلغ الخلاف ذروته سابقاعندما سحبت الحركة الشعبية وزرائها فى الحكومة المركزية إلى الجنوب رافضة إعادتهم إلا بعد أن تتم الإستجابة لمطالبها .

       أن تصريح أموم جاء بعد هجوم عنيف عليه من المؤتمر الوطنى والموالين له وجهات أخرى بعد حديثه أمام لجنة الشئون الأفريقية فى الكونجرس الأمريكى، وهوماإعتبروه تحريضا لواشنطن على عدم تطبيع العلاقات مع الخرطوم وعدم رفعها من قوائم الدول الراعية للإرهاب ،وهو مادافع عنه باجان بالقول :إنه طلب فقط من المسئولين الأمريكيين إشتراط وفاء المؤتمر الوطنى بإلتزاماته قبل تطبيع العلاقات معه ومن بينها التوصل لحل مشكلة دارفور وتطبيق إتفاق سلام الجنوب والتحول الديمقراطى .

       أن الخلاف الأخير بين الطرفين تركز حول رفض الحركة لنتائج الإحصاء السكانى وللخلاف بين الطرفين على قانون الإستفتاء ،حيث يرى المؤتمر الوطنى أنه إذا ما أراد الجنوبيون الإنفصال فعليهم الحصول على نسبة 75%من المقترعين ،فى حين ترى الحركة الشعبية أن الحصول على نسبة 51%كاف لتحقيق الإنفصال ،أما الخلاف الآخر فهو على من يحق لهم التصويت فى الإستفتاء ،حيث ترى الحركة أن يكون مقصورا على الجنوبيين القاطنين فى الجنوب ويستثنى منه الجنوبيون الموجودون فى الشمال ،بينما يرى المؤتمر الوطنى أحقية جنوبيى الشمال فى التصويت ،وهناك خلاف آخر حول مراكز التصويت بل وحول صناديق الإقتراع هل تكون صندوقين أحدهم للوحدة والأخر للإنفصال أم صندوق واحد ،وحتى الآن لم يتفقا على رئيس مفوضية الإستفتاء ولاعدد أعضائها ولاحول من يحق له مراقبة الإستفتاء ،وحجم التعقيد فى الإتفاق على قانون الإستفتاء يعطى مؤشرا بسيطا حول أبواب جهنم الحقيقية التى سيفتحها الإنفصال سواء جاء اليوم أم غد بما يتضمن من قسمة للبشر والأرض والبترول والميا ه والديون وفك الإرتباط الإقتصادى ،ومايمكن أن يؤدى إليه كل ذلك من مشكلات .

 

 

       أنه من الملاحظ أن كل تشدد أو تصعيد من جانب الأمين العام للحركة باجان أموم تجاه المؤتمر الوطنى غالبا مايقابل بتهدئة ولين ومرونة من جانب زعيم الحركة الشعبية سلفاكير ميارديت ،وهوما يثير تساؤلات عما إذا كانت هذه المواقف داخل الحركة الشعبية هى نوع من توزيع الأدوار ،أم أن هناك خلافا حقيقىا وتيارات متعددة ،أم أن مايبدوأنه خلاف فى الظاهر يعبر فى الحقيقة عن مضمون واحد بأشكال مختلفة ،وهذا المضمون هو الضيق والتململ من الوحدة القائمة بشكلها الحالى ،وأيا كانت الأسباب للتناقض الظاهرى فى سلوك الحركة تجاه شريكها المؤتمر الوطنى فيبدو أنها اعتادت من خلال خبرتها فى التعامل مع المؤتمر الوطنى على التصعيد وممارسة الضغوط  لتجنى المكاسب ،وهى لاتريد أن تقدم للمؤتمر الوطنى أى تنازلات مجانية .

       تصريحات أموم كذلك تثير تساؤلات حول دوافعها الحقيقية و حظوظ الوحدة والإنفصال فى توجهات قيادة الحركة الشعبية ،وما إذا كان أموم قد تخلى عن مشروع السودان الجديد الذى طرحته الحركة الشعبية ،وعن ذلك يقول  نصر الدين كوشيب رئيس مكتب الحركة الشعبية  فى مصر إن تهديد أموم بإمكانية إعلان الجنوب للإنفصال عبر البرلمان وعدم إنتظار موعد إستفتاء تقرير المصير عام  2011 هو رد فعل طبيعى على سياسات وتصرفات حزب المؤتمر الوطنى ،ومن بينها توجه المؤتمر الوطنى لجعل خيار الإنفصال أكثر صعوبة عبر العديد من الإجراءات  ،وأضاف كوشيب :أنه ماهكذا تبنى الوحدة المنشودة فى السودان ،عبر القهر والإجبار ،وإنما كما نصت إتفاقية السلام بجعلها وحدة جاذبة ،حتى يقدم أبناء الجنوب طواعية على التصويت لها ،وذلك بمنحهم حقوقهم وبإشعارهم أنهم جزء من السودان ،وبتنفيذ المشروعات التنموية وبربط الجنوب بالشمال ،عبر الطرق البرية والنهرية .

وقال كوشيب إن قيادات الحركة الشعبية تدرك أن الإنفصال لن يكون عملية سهلة وستكون عواقبه وخيمة على السودانيين جميعا فى الشمال والجنوب ،وأكد أن الإنفصال ليس توجها للحركة الشعبية وليست هى التى تسعى لتحقيقه  ولكنها أطراف أخرى فى حزب المؤتمر الوطنى وصفها بالمتشددة التى تفاخر بتوجهاتها الإنفصالية فى وسائل الإعلام ،محذرا من أنه إذا ما أصر حزب البشير على المضى قدما فى تلك الممارسات فإنه سيواجه برد فعل أعنف من داخل الحركة،وانتقد كوشيب ما أسماه بالهجوم الشرس من المؤتمر الوطنى على قيادات الحركة وحديثه  عن إسقاط حصانة ياسر عرمان نائب الأمين العام للحركة الشعبية وذهاب البعض إلى تكفيره بدلا من  تركيزهم على القضايا الأساسيةالتى يطالب بها ،وكذلك هجومهم على باجان أموم بسبب صراحته وقوله الحقائق دون مواربة ،وأكد أن عرمان وأموم وغيرهما من قيادات الحركة هى قيادات وحدوية، ،متهما المؤتمر الوطنى بالوقوف وراء الإشتباكات القبلية الأخيرة بالجنوب ووراء تسليح قبيلة المورلى بأسلحة ثقيلة اشتبكت بها مع قبيلة الدينكا وقال :لدينا مستندات وأدلة تثبت تورط المؤتمر الوطنى فى تسليح القبائل خاصة فى جنوب كردفان ،وأضاف :نحن لانتكلم من فراغ ،والتصعيد ليس من فراغ .

أماالمفكر الإسلامى السودانى الدكتور حسن مكى رئيس جامعة أفريقيا العالمية فهو يرى أن أموم شخصى وحدوى رغم خصومته للمؤتمر الوطنى ،لأنه وعرمان قاتلا ضد الإنفصاليين فى الحركة من أجل مشروع السودان الجديد ،ولكنهما يختلفان مع المؤتمر الوطنى فى أنهما يريدان دولة علمانية لادينية ،وهو حق مشروع لهما ،ولكنه يرى أن قيادات الحركة الوحدوية  لاتريد أن تتكلم عن الوحدة حتى لاتفقد فرصتها فى المزاد السياسى السودانى ،لأنها لوسلمت بالوحدة إبتداء فلاشىء يبقى فى يدها لتفاوض عليه ولتضغط به من أجل  إمتيازات أكبرللجنوب .

       ويبقى أن التلويح بالإنفصال جنوب السودان لم يعد كماالسابق يثير الخوف والشفقة على مصير البلد لدى الأحزاب والقوى السياسية السودانية ،ويبدو أنه لايثير حماسا كبيرا بين هذه القوى وغيرها من منظمات المجتمع المدنى والمثقفين وغيرهم من فئات المجتمع للعمل من أجل مصير محتوم يواجهونه بعد اقل من خمسمائة يوم ،حيث ان بعضهم قد يأس واستعد لما أطلق عليه السيد الصادق المهدى مصطلح"الجوار الأخوى "لدولة الجنوب التى تلوح فى الأفق وستصبح بعد قليل حقيقة ماثلة إن لم تحرك التهديدات القائمة ركود الساحة السياسية السودانية .

       والحقيقة أن تلويح باجان بالإنفصال المبكر هو جرس إنذار غير مبكر للحرائق التى يمكن أن تشتعل إن لم يتم تداركها ،والمشكلات التى عبر عنها أموم هى فقط قمة جبل الثلج ودون ذلك إشكاليات عميقة ستعصف بإستقرار البلد ووحدته التى لن تتحقق إلا بتوافق حقيقي أوسع وأشمل يضم باقى الأحزاب المعارضة التى تلوح وتهدد هى الأخرى بعدم المشاركة فى الإنتخابات المقبلة ،توافق يعبر بسفينة السودان إلى بر الأمان، بدلا من توافق بين شريكين متشاكسين تعصف به الريح من كل جانب  .

        أنى خيرتك .. فاختاري

مابين الموت على صدري

أو فوق دفاتر أشعاري

اختاري الحب .. أو اللاحب

فجبن أن لا تختاري

لا توجد منطقه وسطى

مابين الجنة والنار

ارمي أوراقك كاملة وسأرضى عن أي قرار