عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

دعت مصر قيادات  سبع من حركات دارفور المسلحة  إلى  لقاء تشاورى بالقاهرة عرف بإسم «ملتقى القاهرة- لتوحيد الصف الدارفورى» ،وقد وقعت هذه القيادات بعد ثلاثة أيام من المشاورات مع القيادات المصرية يوم الثلاثاء الماضى بيانا اتفقوا فيه مع طرح مصر بشأن توحيدهم كضرورة ملحة للدخول فى تفاوض مع الحكومة السودانية لحل الأزمة بدارفور ،وقالوا إنهم سيدرسون خريطة الطريق الثلاثية الأبعاد التى طرحتها مصر ،والتى تصب على العمل فى ثلاث إتجاهات لحل الأزمة ،أولاها توحيد الحركات المسلحة بالإقليم عبر صيغتين، إما أن تكون الوحدة عبر تنظيم واحد كحد أعلى، أوعبر رؤى تفاوضية مشتركة ووفد تفاوضى واحد كحد أدنى ،وثانيها هو العمل على تحقيق المصالحة السودانية التشادية ،وثالثها هو العمل على تحسين الأوضاع الإنسانية والأمنية بالإقليم .


 ويمكن القول أن التحرك المصرى الأخير يعكس مخاوف مصرية كبيرة من مآلات إستمرار الأوضاع فى السودان كما هى عليه الآن ،فى ظل إستحقاقات غاية فى الأهمية وتطورات غاية فى الخطورة ،تخشى مصر من عواقبها على السودان الذى تعتبر أمنه وإستقراره ووحدته جزءا من أمنها القومى ،وكانت القاهرة قد شهدت  خلال الأسابيع الماضية حراكا سودانيا كثيفا ،حيث زاراها قادة ورؤساء الأحزاب السودانية فى الحكومة ،والمعارضة بشقيها السلمى والمسلح ،توجت بزيارة الرئيس السودانى عمر البشير الذى قضى فى القاهرة 3 أيام قبل توجهه إلى شرم للمشاركة فى قمة عدم الإنحياز، وقد عكس هذا التحرك السودانى الكثيف بإتجاه مصربدوره رغبة من الفرقاء السودانيين على إختلاف توجهاتهم وكياناتهم على ضرورة إضطلاع مصر بدور أكبر فى حل المشكلات الراهنة فى السودان ،كما عكس أيضا مخاوف مماثلة لدى هذه القوى من عواقب الأوضاع التى تتأزم فى السودان يوما بعد آخر،والتى تؤثر جميعها وتتأثر بمشكلة دارفور . حيث إنقسام الحركات المسلحة بدارفور وتشرذمها ظل هو المعوق الأكبر فى سبيل تحقيق التسوية السلمية للأزمة بدارفور التى دخلت عامها السابع ،وأدخلت السودان معها فى تعقيدات لاقبل له بها ،حيث صدرت بحقه العديد من القرارات الدولية من مجلس الأمن ،الذى أحال قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية ،التى أصدرت فى مارس الماضى قراراها بإعتقال الرئيس السودانى عمر البشير بتهمة إرتكاب جرائم فى دارفور ،وفضلا عن ذلك ألقت قضية دارفور بظلال واسعة على مجمل الأوضاع فى السودان ،وأسهمت فى تعثر تنفيذ إتفاق السلام بشأن الجنوب وفى إجراءات التحول الديمقراطى المنشود فى السودان .


وقد تعددت المحاولات دون جدوى من أجل توحيد الحركات المسلحة بدارفور التى تعددت وتكاثرت من ثلاث حركات فقط عام 2005إلى حوالى ثلاثين حركة  ،وذلك بعد  توقيع إتفاق أبوجا للسلام بين الحكومة السودانية وحركة واحدة فقط هى حركة تحرير السودان برئاسة مينى أركو ميناوى الذى أصبح بعد ذلك مساعدا لرئيس الجمهورية ورئيسا للسلطة الإنتقالية ،وقد ظلت القاهرة على تواصل مع  هذه الحركات المسلحة بدارفور ،وأكدت لها المرة تلو الأخرة ضرورة التوحد ، وتزامن مع مساع أخرى على المستويين الإقليمى والدولى من أجل حل المشكلة بدارفور فضلا عن المساعى الداخلية بالسودان.


 لكن البعض تساءل عن أهمية هذا الملتقى المصرى للفصائل ،ومايمكن أن يكون قد أسفر من نتائج ،كما شككت أطراف من بينها حركة العدل والمساواة المسلحة بدارفور التى قامت بغزو العاصمة السودانية فى مايو من العام الماضى ،ثم دخلت فى مفاوضات مع الحكومة برعاية قطر فى أهمية هذه الفصائل التى قالت إنه لاوزن عسكرى أوسياسى لها ،مؤكدة أنها الحركة الوحيدة فى الميدان وأن ماعلى باقى الحركات سوى اللحاق بها ،مهددة بعدم الإستمرار فى مفاوضات الدوحة المتعثرة أصلا إن إلتحقت بها حركات أخرى بدارفور،وهو الأمر الذى ردت عليه هذه الحركات بعنف متهمة  حركة العدل والمساواة بالرغبة فى الهيمنة وإبتلاع الأخرين ،لكن مسئولين مصريين أكدوا: أنهم يسعون عبر هذا الملتقى أولا إلى توحيد الحركات غير المنضوية فى العملية السلمية ،واعتبروا أن ماحققوه فى الملتقى هو خطوة على سبيل توحيد الحركات المسلحة كشرط لحل الأزمة ،وأن الأزمة التى تطاولت وتعقدت وتشابكت خيوطها وأصبح لها ذيولا وتبعات لن تحل فى ثلاثة أيام،وأن هذه الجولة من المفاوضات ستعقبها جولات أخرى بعد أن تتدارس الفصائل التى وعدت بالتجاوب المقترحات المصرية بالتوحد،مشيرين  أنهم لم يوجهوا الدعوة لحركة العدل والمساواة للمشاركة فى الملتقى ،وأن ذلك سيحدث فى وقت لاحق ،ومؤكدين أنهم يحتفظون معها بعلاقات جيدة ،وأن وفدا منها زار القاهرة قبل أيام ،وأنهم يحتفظون بعلاقات متوازنة بجميع الأطراف السودانية ،ويقفون على ذات المسافة منها جميعا،وقالوا أيضا أنهم وجهوا الدعوة لجناح عبد الواحد محمد نور زعيم حركة تحرير السودان المقيم فى باريس لإخراجه من عزلته التى يعيشها منذ أكثر من ثلاث سنوات .


والجيد فى التحرك المصرى  هو إدراكه لتعقيدات الوضع الداخلى فى دارفور وإرتباطاته الخارجية،وإيمانه بضرورة أن يكون  هذا الحل  المرجو حلا شاملا وعادلا حتى تكتب له الديمومة والإستمرار ،وإدراكه أيضا جيدا بأنه  لايمكن  لأى جهة  أيا كانت من صنع هذا الحل بمفردها ،وهذا هو ماعبرت عنه القيادات المصرية جيدا  التى قالت إنها منفتحة على التنسيق والتعاون مع جميع الأطراف والجهود الإقليمية والدولية من أجل المساهمة فى حل مشكلة دارفور والحفاظ على وحدة السودان ،وتأكيدها على ضرورة التنسيق مع الجانب الليبى والبناء على الجهود التى بذلت فى طرابلس لتوحيد الفصائل ،ولعل الأيام المقبلة تشهد مقترحات من داخل السودان أو خارجه  من أجل توحيد الجهود المصرية والليبية والقطرية ،وهو الأمر الذى دعا إليه الدكتور غازى صلاح الدين مستشار الرئيس السودانى ومسئول ملف دارفور،كما أن هناك فهما مصريا للحل فى دارفور ،وهذا يتضح من إسم الملتقى الذى سمى بإسم توحيد الصف الدارفورى ،ولم يسم بإسم توحيد فصائل دارفور المسلحة ،وتعنى التسمية المصرية ضرورة إشراك مكونات المجتمع الأخرى فى دارفور غير الفصائل المسلحة ،وقد وردت إشارة للمجتمع المدنى فى البيان الختامى للملتقى ،والفهم المصرى للحل فى دارفور يتجاوز هذه الحدود أيضا ويراه حلا فى إطار الحل السودانى الشامل ،ولعل ذلك يتضح من أفكار مصرية عرضت فى أوقات سابقة،ولكن سيبقى من الضرورى إيجاد صيغة توحيدية مقبولة تراعى الأوزان النسبية للحركات التى تتفاوت قوتها على الأرض،كما أن  القيادة المصرية تدرك أن فرصة الحل فى دارفور والسودان كله مواتية الآن أكثر من أى وقت مضى،وأنه يجب الإستفادة من ذلك فى ظل إدارة أمريكية جديدة راغبة فى تحقيق السلام بالسودان.


فهل تستطيع هذه الحركات التى تشرذمت وتفتت ،وكل منها يدعى أن له الغلبة والقوة والتأثير من التنازل عن بعض طموحاتها ومصالحها والتجاوب مع الأفكار المصرية والتوحد فى كيان واحد أو وفد تفاوضى واحد يعبر عن مطالب أهل دارفور العادلة التى لم يعد العالم يتذكرها بقدر مايتذكر هذه الفصائل المبعثرة وصور بعض قادتها، الذين يبدون وكأنهم لايبالون بإستمرار المعاناة فى الإقليم ،وقد لجأ البعض منهم إلى تصرفات أساءت إلى القضية وصرفت الأنظار عن المطالب الحقيقية لأبناء دارفور ،مثل إفتتاح حركة تحرير السودان مكتبا لها فى إسرائيل،وأصبح بعضهم جزءا من الأزمة والتعقيد وليس عاملا فى الحل ،لايدركون أن الظروف لن تبقى مواتية للأبد،وأن العالم لن ينتظرهم طويلا ،والحقيقة أن الخلافات بين الحركات كما يقر قادتها ليست على أساس موضوعى أو لخلاف بينها فى الفكر أو التوجه أو الأهداف ،وإنما هى لما يرجعونها هم لأسباب خارجية ممثلة  فيما يصفونها بمساعى الحكومة السودانية لشق صفوفهم وإضعافهم ،ولايعفون المجتمع الدولى من ذلك عبر الإغراءات التى قدمت على حد قولهم  لأعضاء الحركات للمشاركة فى السلطة بعد إتفاق ابوجا فى مايو عام 2005 ،ولكن قيادات الحركات المسلحة لاينكرون  أن الخلافات بينهم تعود أيضا لأسباب داخلية تتعلق بأزمة القيادة ،ولسعى  هذه القيادات أيضا لمصالحها وتغليبها للعوامل القبلية والعشائرية،وأيضا للطموح الشخصى ومحاولة تولى القيادة بأى وسيلة .....فهل تشهد الأيام المقبلة تنازلا من قيادات هذه الحركات عن بعض طموحاتها ومصالحها ،وتنازلا مماثلا من قبل الحكومة السودانية للوصول إلى حل يجنب دارفور والسودان كله مزيدا من الدماء والدمار والتدويل لمشكلاته،وتنازلات أخرى قد تكون أشد إيلاما تنتقص من سيادة السودان ووحدته  .


 
آخر الكلام :


يقول الشاعر الفلسطينى سميح القاسم :


ليُغنِّ غيري للسلام


و هناك.. خلف حواجز الأسلاك.. في قلب الظلام


جثمت مدائن من خيام


سُكّانُها..


مستوطنات الحزن و الحمّى، و سلّ الذكريات


و هناك.. تنطفئ الحياة


في ناسِنا..


في أبرياء.. لم يسيئوا للحياة !


و هنا... ! 


 
أجدادهم غرسوا لهم..


و لغيرهم، يا حسرتي، الخير الكثير


و لهم من الميراث أحزان السنين !
 
 
ليُغنِّ غيري للسلام..


و على ربى وطني، و في وديانه.. قُتِل السلام ؟