عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

  

إذا ماقدر لك مثلى أن ترى هذين المشهدين قبل أيام فى قاعة الصداقة كبرى قاعات الخرطوم فقد تصيبك الدهشة ...المشهدان اللذان لم يكن يفصل بينهما سوى ساعات قليلة يمكن أن يلخصا حقيقة الإستقطاب الحاد والأوضاع الحالية الخلافية التى يضطرم بها السودان ،فى المشهد الأول اجتمعت فى قاعة الصداقة مساء أحزاب المعارضة السودانية فى الجلسة العلنية للمؤتمر الثالث لحزب الأمة بزعامة مبارك الفاضل المهدى الذى إنشق عن حزب الأمة القومى الذى يتزعمه الصادق المهدى وأصبح مساعدا للرئيس السودانى ثم غادر الحكومة إلى صفوف المعارضة ،ومع هذه الأحزاب كان هناك ممثلون للحركة الشعبية لتحرير السودان شريك الحكم مع حزب المؤتمر الوطنى الذى يتزعمه الرئيس السودانى عمر البشير ،وقد كانت لهجة هذه الأحزاب المعارضة ومعها الحركة الشعبية تتصاعد ضد المؤتمر الوطنى وما أسموه سياساته الإقصائية . وفى صبيحة اليوم التالى أى بعد ساعات من هذا الإجتماع إحتشدت القاعة ذاتها بجماهير اخرى لحزب آخر منشق عن حزب الأمة ،أطلق على نفسه إسم حزب الأمة الوطنى برئاسة عبد الله مسار مستشار الرئيس البشير ،وقد كان سابقا مع مبارك المهدى عند إنشقاقه عن الحزب الأم ثم مالبث أن إنشق عليه ،وهو حزب يصفه خصومه بأنه صنيعة المؤتمر الوطنى ،وقد ارتفعت حناجر المشاركين فى هذا المؤتمر خلافا للمؤتمر الآخر بالشعارات المؤيدة لموقف الرئيس السودانى عمر البشير وضد المحكمة الجنائية الدولية وبهتاف أصبح ذائعا فى السودان «سير سير يابشير ...إحنا جنودك للتعمير «،وقد شهد هذا المؤتمر حضورا عاليا من قيادات المؤتمر الوطنى والأحزاب المتحالفة معه ومن بينهم عدد غير قليل من مستشارى الرئيس والوزراء . كان المشهدان -فضلا عما يعكساه من التشرذم الذى اصاب الأحزاب السودانية جميعها ولم ينجُ منها حتى حزب الأمة - كأن كلا منهما فى بلد مختلف ،فلا شىء تقريبا يجمع بينهما سوى بعض الشعارات الفضفاضة ،التى أصبح يفهمها كل على طريقته الآن فى السودان ،فالتحول الديمقراطى على سبيل المثال يراه بعض أنصار المؤتمر الوطنى الحاكم توطئة وتمهيدا لإكسابه شرعية جديدة عبر الإنتخابات القادمة المقررة فى فبراير المقبل فى مواجهة مايراه هجمة شرسة لنزع الشرعية القائمة عنه وعن رئيسه من قبل قوى دولية تقف خلف المحكمة الجنائية الدولية التى أصدرت مؤخرا أمرا بإعتقال الرئيس البشير ،بينما لايعترف بعض من أنصار المعارضة بأى تحول ديمقراطى لايؤدى إلى إزاحة حزب المؤتمر الوطنى عن الحكم فى السودان ،وكلا الخيارين سيظل مشكوك فى جدواه فى مثل ظروف السودان الحالية إذا مامضى كل منهما فى محاولة إقصاء الآخرين. والخطير فى حديث حزب المؤتمر الوطنى الحاكم ومعارضيه هذه المرة أنه يتزامن مع تحديات داخلية وخارجية خطيرة لاقبل للسودان بها ،كما يتزامن مع الإستعداد للإنتخابات الوشيكة ،التى أصبح الجميع يستعدون لها بشكل أو بآخر ويبحثون عن التحالفات الممكنة لخوضها ،وإن تشكك كثيرون فى إمكانية إجرائها فى ظروف السودان الحالية. وقد تحدثت قيادات المعارضة والحركة الشعبية عن ضرورة التنسيق فى مواجهة المؤتمر الوطنى ،وقد قطع هذا التنسيق أشواطا متسارعة فى الأيام التالية عبر إجتماعات مكثفة أثارت على مايبدو مخاوف المؤتمر الوطنى الذى جدد على لسان عدد من قياداته التأكيد على قدرته على إكتساح أى إنتخابات مقبلة ،ووصف هؤلاء تهديدات المعارضة والحركة بمقاطعة الإنتخابات بأنها تعبير عن قوى يائسة من قدرتها على المنافسة غير واثقة من قدرتها على المنافسة ،وأنها تسعى لإسقاط المؤتمر الوطنى مع قوى خارجية ،وان ذلك لن يكون بمقدورها عن غير طريق الإنتخابات . ويبدو ان الإستعداد للإنتخابات والتحالفات الإنتخابية سيضيف إرباكا آخر للساحة السودانية المرتبكة أصلا بالعديد من القضايا ،وسيأتى ذلك بلاشك على حساب القضايا المصيرية التى يواجهها السودان حاليا وتتهدد بقائه كدولة واحدة ،وتحتاج إلى توحد وإتفاق بشأنها وليس إلى ستعداد للمصارعة حولها والمزايدة بشأنها ،فضلا عن إختلاق معارك جديدة يتم التخندق إستعدادا لمواجهتها ،وهو مايزيد الأمور تعقيدا . ويخشى أن تصبح هذه الإنتخابات فى ظل الملابسات المحيطة بها أداة لتمزيق السودان بعد أن كانت من قبل أملا فى الخروج من مأزقه الحالى ،حيث أن الشبهات ستظل تلاحقها بسبب الخلاف حول نتائج الإحصاء السكانى الذى تشكك الحركة الشعبية وحركات دارفور فى نتائجه ،ويؤكدان أن أية إنتخابات ستترتب عليه ستكون باطلة ،وقد ساندتهما فى ذلك أصوات أخرى من بينها الصادق المهدى الذى قال :إن إحصاء مختلفا عليه لايعتد بنتائجه ،بينما اعتبرت قيادات بالمؤتمر الوطنى الحاكم أن ذلك محاولة من هذه القوى للتهرب من الإنتخابات ،وهناك مخاوف لدى البعض أن يتكرر سيناريو العنف الذى حدث فى كينيا اثناء الإنتخابات بالسودان إن لم يتم الإعداد لها بإجراءات متوافق عليها ،وفى مقدمتها الإحصاء السكانى الذى يتوقف عليه تحديد الدوائر الجغرافية . وهناك تعقيد آخر يتعلق بقضية دارفور ،ومايرتبط بها من تصعيد تشادى سودانى وصل ذروته هذه الأيام ،ففى الوقت الذى تتواصل فيه جهود مبادرة الدوحة والوسطاء للتوصل إلى إتفاق بين الحكومة السودانية أوالمؤتمر الوطنى وحركة العدل والمساواة المتمردة بدارفور التى قامت بغزو الخرطوم قبل عام ،وأيضا إلى محاولة الجمع بين الرئيسين السودانى والتشادى ،يبدو أن الأوضاع تزداد تعقيدا على الأرض ،وربما لاتكفى هذه المحاولات القطرية لحل أزمة دارفور التى أصبح من الواضح الآن أنها لن تحل إلا من خلال تسوية أشمل فى إطار حل كلى للقضايا السودانية ،وفى ظل توافق دولى وإقليمى بشأنها ،وفى هذا الإطار أيضا يمكن الحديث عن مشكلة المحكمة الجنائية الدولية التى سينظر مجلس الأمن الشهر المقبل فى شأن قرارها إعتقال الرئيس السودانى ،وكلا الأمرين يحتاجان إلى توافق القوى السودانية توافقا حقيقيا بشأن معالجتهما ،وللنظر أيضا فى قضايا السودان المصيرية الأخرى ،وفى مقدمتها التحول الديمقراطى ،والإستفتاء على حق تقرير المصير فى الجنوب الذى بدأ العد التنازلى له ولم يبق عليه سوى أقل من عامين ،ولم يتم بعد عمل شىء يذكر من أجل تعزيز وحدة السودان الطوعية ،وأيضا لمواجهة المشكلات الراهنة فى جميع أنحاء السودان ،سواء الإقتصادية المتعلقة بإنعكاسات الأزمة الإقتصادية العالمية وإنخفاض أسعار البترول ،أو الأمنية والإجتماعية والمتمثلة فى العنف القبلى الذى تصاعد بشكل خطير فى الشهور الثلاثة الماضية بجنوب السودان ،وينذر بالأسوأ ،خاصة فى ظل شكوك وهواجس بل وإتهامات من الحركة الشعبية لشريكها فى الحكم المؤتمر الوطنى بأنه يسعى لشق صفوفها وإثارة القلاقل بالجنوب . ويبقى أن مشهدى قاعة الصداقة لايمكن المراهنة على إستمرار ثبات بعض عناصرهما إلى أن تحين ساعة الإنتخابات المقررة إذا مامضت الأمور كما يخطط لها ،فالحركة الشعبية التى يراهن المعارضون للمؤتمر الوطنى على أن تكون عنصرا فاعلا فى صفوفهم ،تبدو فى موقف غريب ،فهى فى الحكم والمعارضة فى آن واحد ،فى الحكم شريك مع المؤتمر الوطنى الذى خبرته حربا وسلما ،فقد حاربته طيلة سنى حكمه التى بدأت عام 1989ووقعت معه دون غيره من الأحزاب إتفاق سلام عام 2005،وتتباين معه أيدولوجيا ،ومشروعها السودان الجديد يتناقض مع مشروعه الحضارى ،ويبدو أن الحركة الشعبية ستظل ربما إلى حين تحسم فيه خياراتها ،تتأرجح فى مواقفها مابين ثوابتها ومصالحها ، هذه المصالح التى تعززها قطاعات فى الحركة يرى بعضها أنه لامصلحة للحركة فى معاداة المؤتمر الوطنى ،وقد يرضخ بعضها الآخر تحت ضغوط الفوائد التى قد يجنيها من المؤتمر الوطنى ،وهناك آخرون يرفعون شعار «الجنوب أولا»فى إنتظار ساعة الإستفتاء لإعلان رأيه . ويبقى حزب الأمة السودانى بزعامة السيد الصادق المهدى محلا للتنازع مابين المؤتمر الوطنى والقوى المعارضة له ،كل يريد إجتذابه لصفوفه ،فالمؤتمر الوطنى يريد اليوم أن يكمل معه إتفاق التراضى الوطنى المتعثر الذى وقعه معه العام الماضى ،بينما تنتظر جوبا عاصمة زيارة زعيمه لإصلاح ما أفسدته السنوات الأخيرة الماضية بين الطرفين ،فى حين يظل الحزب الإتحادى الديمقراطى هو الآخر تشغله خلافاته الداخلية ،بينما تبدو أن الهوة قد إتسعت بين تياره الرئيسى بزعامة السيد محمد عثمان الميرغنى وبين الحركة الشعبية بعد وفاة زعيمها السابق جون قرنق الذى كانت تربطه علاقة قوية بالميرغنى . والواقع أن القوى السودانية تحتاج اليوم توافقا لمواجهة القضايا المصيرية أكبر من كل هذه التحالفات التى لن تجدى أوضاع السودان الحالية نفعا ،وربما تلحق به مزيدا من الضرر ،ومن هنا تبرز أهمية الدعوة لتشكيل حكومة توافق وطنى متراضا عليها تراضيا حقيقيا للعبور بالسودان الأزمة الحالية والتوصل إلى حل فى دارفور وإقامة العدالة وتنفيذ إتفاق الجنوب والإشراف على الإنتخابات المقبلة ،وهذا بلاشك المخرج الآمن والأقل تكلفة من الحلول التى يتطلع إليها بعض المعارضين للمؤتمر الوطنى على يد المحكمة الجنائية ومجلس الأمن أولما يتطلع له بعض أنصار المؤتمر الوطنى عبر صفقة مع المجتمع الدولى .

 

 آخر الكلام : يقول الشاعر اليمنى عبد العزيز المقالح :

 

كرهتك نفسي

 

كرهت الحروف التي غرقت في الدماء كرهت الجبال ،

 

 كرهت السهول ووجه السماء

 

 كرهت الحناجر تهتف ظامئة للظما

 

كرهت البصيرة مفتوحة وكرهت العمى

 

أنأكل أنفسنا في المدينة

 

ومن حول أسوارها تتمطى العيون اللعينة؟

 

أنشحذ للأقربين الحناجر؟

 

ونزرع فوق البيوت المقابر

 

ونصلب أحلامنا في سكينة

 

وأعداؤنا يسلبون الديار

 

شموع النهار أقول لكم إننا تافهون

 

 وإن مدافعنا كالقلوب جبانة

 

 نوجهها حيث يحتشد الظالمون

 

فترجع خائبة ومهانه لتحصدنا ..

 

 لتسد العيون

 فلا تجتلي في الدخان رؤوس الخيانة