عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

بينما إنصب أغلب الإهتمام العالمى فى السنوات الخمس الماضية على قضية دارفور فإنه تجاهل بشكل كبير الأوضاع فى جنوب السودان ،غافلا بذلك عن مخاطر كبيرة تتهدد الجنوب فى ظل مخاوف من تجدد نشوب الحرب بين الشمال والجنوب بسبب وجود بعض المشكلات والقضايا العالقة بين طرفى الحكم فى السودان ،المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية لتحرير السودان، اللذين وقعا إتفاق سلام عام 2005ينص على فترة إنتقالية تنتهى عام 2011،حيث سيقرر أبناء الجنوب عبر إستفتاء مصيرهم بالإختيار مابين الإنفصال أوبقاء السودان موحدا .

 

وقد مثلت أحداث العنف القبلى التى إرتفعت وتيرتها خلال الأشهر القليلة الماضية فى جنوب السودان جرس إنذار للجميع ،حيث إرتفع ضحاياها إلى مايفوق عدد الضحايا فى دارفور فى الفترة ذاتها .

 

ولم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن هذا التوجه العام تجاه قضايا السودان ،وقد قامت مؤخرا بإستضافة طرفى الحكم بالسودان فى واشنطن لمناقشة القضايا العالقة ،فى محاولة للعب دور إيجابى لإحتواء أزمة الشريكين بشأن منطقة أبيى الغنية بالبترول المتنازع عليها بين الشمال والجنوب والتى سيصدر الحكم بشأنها من هيئة التحكيم الدولية قريبا ،حيث من المتوقع أن يثيرالحكم  مشكلات فى المنطقة ،وأيضا لإحتواء مشكلات أخرى تتعلق بالإستفتاء والحدود والإحصاء وقضايا أخرى .

 

ولم يكن للمؤتمر الذى عقد فى واشنطن بحضور 30 سياسيا سودانيا و170 مراقبا من 32 دولة ومنظمة دولية  نتائج حاسمة بشأن القضايا الخلافية بين شريكى الحكم فى السودان ،ووصفه البعض بأنه ضربة بداية أكثر منه نقطة فاصلة تضع حدا للخلاف بين الشريكين ،فكل القضايا التى طرحت فيه تقريبا كالتعداد وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وقانون الإستفتاء تم ترحيلها إلى جولتين لاحقتين ،وقال المبعوث الأمريكى للسودان اسكوت جرايشين أن المؤتمر نجح فى تحديد نقاط الخلاف والتى ستوضع على مائدة الحوار مجددا فى إجتماعين يعقد أولهما فى منتصف يوليو بالخرطوم وثانيهما فى منتصف أغسطس بجوبا،وإن كان الطرفان قد إعتبرا إجتماعات واشنطن أمرا إيجابيا بإعتبارها عودة قوية للولايات المتحدة للتوسط فى مسيرة السلام بالسودان التى رعتها من قبل عام 2005 وأدت إلى توقيع إتفاق السلام الشامل الذى أدى إلى إنهاء الحرب الأهلية بالسودان التى توصف بأنها الأطول فى القارة الأفريقية .

 

إلا أن هذا التوجه الأمريكى نحو السودان سيظل محكوما بعاملين :

 أولهما هو الخلافات فى أوساط الإدارة الأمريكية فى سياساتها تجاه السودان،وقد ظهرت هذه الخلافات فى تصريحات المبعوث الأمريكى الجديد للسودان جرايشين التى أقر فيها بتحسن الوضع بدارفور ،وهوماصدرت تصريحات ومواقف أخرى مخالفة له على الفور فى واشنطن ،وفى هذا الصدد يقول أندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكى السابق للسودان فى مقال كتبه مؤخرا فى صحيفة "الواشنطن بوست "الأمريكية :تحت عنوان "إدارة أوباما والسودان :توهان على غير هدى ":إن هذه الخلافات داخل الإدارة الأمريكية الجديدة تكاد تخمد جهود الولايات المتحدة لمنع

إنزلاق السودان نحو الحرب الأهلية ،مشيرا إلى الخلاف داخل هذه الإدارة حول ما إذا كان مايجرى فى دارفور إبادة أم لا ،وقال : إن إستمرار القول بالإبادة الجماعية فى دارفور لايزال عقبة أمام الدبلوماسية الأمريكية و يهدد بتقويض مساعيها فى السودان ،كمايرى أنه بينما ينصب أغلب تركيز الإدارة الأمريكية على رؤية متقدمة عن دارفور فإنها تغفل عن مخاطر أعظم وإحتمالات لفظائع ينذر بها المستقبل لو نشبت حرب بين الشمال والجنوب ،مشيرا إلى ان السودان ينتظر حدثين مهمين هما إنتخابات عام 2010وإستفتاء عام 2011،وأن هذين الحدثين سيحددان مدى قدرة السودان على مقابلة الإستحقاقات ومجابهة المشكلات السياسية الداخلية ،فإما أن ينجح أو أن يتدهور الوضع إلى فوضى شاملة كالصومال أو إلى فظاعات وبشاعات من المقاس الرواندى .

 

والأمر الثانى الذى سيحكم التوجه الأمريكى الحالى حيال السودان هو مواقف الأطراف السودانية ذاتها  ،حيث ذهب وفدا الشريكين الحاكمين بالسودان إلى واشنطن كل يغنى على ليلاه ،وقد بدا الوفد الحكومى الذى ترأسه الدكتور غازى صلاح الدين مستشار الرئيس السودانى الذى تولى مسئولية ملف دارفور مؤخرا أن اكثر مايعنيه  هو هذه الفرصة الذهبية التى اتيحت له بهذا الشكل الكبير لاول مرة للقاء المسئولين الأمريكيين بشكل مباشر على مستويات عدة من أجل تحسين العلاقات الثنائية وتطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء العقوبات المفروضة عليه .

 

وهو الأمر الذى بدا أن الحركة الشعبية ترفض ان تكون أداة فى تحقيقه بلا ثمن ،وكان وفد الحركة قد ذهب إلى واشنطن تسبقه تصريحات رئيسها ورئيس حكومة الجنوب والنائب الاول للرئيس سلفاكير ميارديت وتحذيراته من إمكانية تجدد الحرب الاهلية ،وإتهامات الحركة لشريكها المؤتمر الوطنى بالتورط فى إذكاء الحروب القبلية بالجنوب وفى دعم إنشقاق حزب عن الحركة الشعبية بقيادة لام أكول وزير الخارجية السابق تحت مسمى "الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطى" .

 

وقد بدا أن مفاوضات واشنطن قد أتاحت مدخلا لعلاقة جديدة وتواصل بين واشنطن وحزب المؤتمر الوطنى ،كما عكست تصريحات وفد المؤتمر الوطنى إنحيازا لمن إعتبره الفريق المعتدل فى إدارة أوباما ،مسميا سوزان رايس مندوبة الولايات المتحدة فى مجلس الأمن كأحد الصقور المتشددين تجاه السودان ،كما غابت عن المفاوضات وفقا للمعلن قضية المحكمة الجنائية الدولية وقرارها بإعتقال الرئيس السودانى عمر البشير وآخرين فى الحكم بتهمة إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بدارفور ،وهو الذى اثار إرتياحا فى أوساط حزب المؤتمر الوطنى الذى يتزعمه البشير بحسبانه موقفا أمريكيا إيجابيا سيكون له مابعده ،فى حين إعتبره الكاتب والمحلل السياسى السودانى الحاج وراق مدعاة للقلق ،حيث يرى أن الموقف اللين لبعض الأطراف الأمريكية تجاه السودان خطر على مستقبل السودان ووحدته بحسبانها ترتيبا لفصل مريح للجنوب ،لكنه يرى أن الخلافات رغم ذلك لازالت قائمة داخل الإدارة الأمريكية بشأن التوجه نحو السودان ،ويشير إلى مخاوف أمريكية من أن أى إنهيار فى السودان قد يجعله كما الصومال مرتعا للإرهاب وهو الأمر الذى تخشاه واشنطن .

 

فى حين يرى الصادق المهدى رئيس حزب الأمة السودانى أن إجتماع واشنطن ليس هو الإتجاه الصحيح لحل قضايا السودان ،لانه يتجه صوب ذات الطريق القديم فى معالجة قضايا السودان فى الإطار الثنائى وليس على مخاطبة القضايا الحقيقية فى إطار قومى ،مشيرا إلى أن إتفاق السلام السودانى الذى رعته واشنطن من قبل وتسعى الآن إلى ترميمه عالج المشكلات فى السودان بإعتبارها مشكلات شمالية جنوبية مما أدى إلى إتفاق ناقص يدفع السودانيون ثمنه الآن فى دارفور وغيرها ،ويحتاج إلى مراجعة الآن غير تلك التى تمت فى واشنطن ،كمايرى  أن هناك قوى ولوبيات ضغط  داخل الولايات المتحدة ستقاوم أية إتجاهات لدى إدارة أوباما للتطبيع مع النظام السودانى الحالى ،ويقول :إن الإدارة الأمريكية الحالية ستميل فى أى خلاف بين الشريكين إلى حليفتها الحركة الشعبية ،وهو مايستوجب وجود منبر قومى سودانى يتصدى لكل خلاف بين شريكى الحكم بعيدا عن أى إستغلال خارجى ،كما يشير إلى أن فصائل دارفور ستسعى إلى جر الإدارة الأمريكية الجديدة لموقف منحاز لها ،كما ستضغط المحكمة الجنائية فى إتجاه تنفيذ مطالبها ،ويقول انه ربما أدركت الإدارة الأمريكية أن تنفيذ هذه المطالب غير ممكن عمليا ،ولكن التعامل مع المحكمة كأنها غير موجودة ليس ممكنا أيضا ،وهو مايوجب تحقيق معادلة تجمع بين العدالة والإستقرار فى السودان ،وأى وسيلة لضمان نتائج إيجابية فى علاقة السودان مع الولايات المتحدة هى أن يفلح السودانيون فى تحقيق وفاق وطنى يحقق السلام الشامل العادل والتحول الديمقراطى ،وإلا صار السودان كما يحذر المهدى المنطقة الوحيدة التى سيكون التغيير الأمريكى حيالها فى عهد أوباما نحو مزيد من التدخل والتشدد.

 

آخر الكلام :

 

يقول الشاعر المصرى الراحل صلاح عبد الصبور:

 

إن ربى لن يصنع خارقة أو معجزة

  

لقوم هلكى

 قد ماتوا قبل الموت