من القلب

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   من يزور منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان ،هذه المنطقة التى تبدو هادئة وادعة وسط جبال يقال إن عددها يزيد على 99 جبلا تظللها الأشجار ويكسوها اللون الأخضر أينما وقع بصرك فى منظر ساحر يخلب الأنظار ،لا يمكن أن يتخيل حجم المشكلات التى تعانيها المنطقة شأنها شأن كثير من مناطق السودان ،الذى خرج منذ بضع سنوات من أتون حرب توصف بأنها الأطول فى القارة الأفريقية ،ولايزال يعانى مشكلة كبرى فى دارفور،وإن كانت الحرب قد انتهت فى الجنوب والمناطق الثلاث،جبال النوبة ومنطقة أبيى الغنية بالبترول المتنازع عليها بين الشمال والجنوب والتى أحيلت للتحكيم فى محكمة العدل الدولية ،إضافة إلى الأنقسنا ،إلا أن آثار الحرب الرهيبة لاتزال تلقى بظلالها ومازالت لها ذيول كثيرة ،أبرزها هو هذه الحروب القبلية ،التى هى الآن بمثابة قنابل موقوتة تتهدد المسيرة السلمية فى السودان ،وتكاد تطيح بإتفاق السلام الهش الذى وقع فى نيفاشا عام 2005بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية لتحرير السودان ،وما وقوع عشرات القتلى فى صراع بين قبيلتين عربيتين كبيرتين فى جنوب كردفان يوم الثلاثاء الماضى إلا دليل على ذلك. وحينما وصلت إلى جنوب كردفان برفقة وفد حكومى ذهب لإفتتاح النشاط الطلابى لإتحاد طلاب السودان بدعوة كريمة مفاجئة من الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السودانى خلال وجودى بالخرطوم ،لم أكن أؤمل كثيرا فى الوقوف على أوضاع المنطقة فى هذه الزيارة السريعة الرسمية ،لكن ما إن نزلت إلى مطار كادوقلى عاصمة الولاية حتى وجدت ما خالف ظنونى ،وتمكنت أن أجوب المنطقة ،وأستمع إلى مواطنيها وأزور القوات المصرية لحفظ السلام بالمنطقة ،كماإلتقيت مع السيد عبد الله محمد على بلال مسئول مفوضية التسريح ونزع السلاح ودمج القوات ،والذى ذكر لى إن مفوضيته تعمل بشراكة بين شريكى إتفاق السلام والأمم المتحدة ،و تستهدف فى الولاية 90ألفا تم تسريحهم من قوات الدفاع الشعبى التابعة للحكومة وقوات الجيش الشعبى التابع للحركة الشعبية ،وكان يوم وصولنا يصادف بداية هذا المشروع التى تستهدف مرحلته الأولى تسريح 17 ألف و500مقاتل ،وأطلعنى الرجل على المشروعات المعدة لإستيعاب هؤلاء المسرحين لإدماجهم فى الحياة المدنية ...ولا شك أن نجاح مثل هذا العمل وإستكماله يمكن أن يحتوى جزءا كبيرا من المشكلة ،التى يعد البطء فى عمليات نزع السلاح وتركه متاحا فى أيدى المدنيين هو أحد أهم مسببات تصاعد الخلافات القبلية والقلاقل بالجنوب والمناطق التى تجاوره . وفى وقت لاحق زار الرئيس السودانى عمر البشير ووزراؤه المنطقة ,ودشن المشروع،وكان قد أصدر قبلها قرارا بتعيين أحمد هارون واليا للولاية ،وكان من قبل وزير الدولة بوزارة الشئون الإنسانية ووزير دولة سابق بوزارة الداخلية تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بإرتكاب جرائم فى دارفور ،وقد استبشر البعض بتعيينه لماوصفوه بقدرته على التحاور مع الحركة الشعبية الشريك فى الحكم ولأنه من ابناء المنطقة ،بينما ذهب آخرون إلى خلاف ذلك ،وكانت الحركة الشعبية قد عينت أيضا مؤخرا نائبا جديدا للوالى هو عبد العزيز آدم الحلو وهو أيضا شخصية لايستهان بها ومن أبناء المنطقة ،بينما اشتكى لى كثير من السكان الذين قابلتهم فى كادوقلى من الإنفلات الأمنى وغيبة القانون ،وكل جماعة كانت تشكو من الأخرى ،وقد قالوا لى إن الإنفجار سيكون مروعا إن لم يتم حسم الأمور . ولم تكن المعارك التى حدثت قبل بضعة أيام فى جنوب كردفان هى الوحيدة فى الجنوب والمناطق المحيطة ،فقد شهدت الشهور الأخيرة معارك طاحنة فى مناطق مختلفة من الجنوب والمناطق الثلاث ،فإذا ما غضضنا الطرف عن أحداث العنف فى ملكال وأبيى قبل أكثر من عام ،فقد شهدت الشهور الأخيرة معارك طاحنة فى مناطق مختلفة من الجنوب ،يمكن القول أنها تتعدى أن تكون خلافات قبلية عادية ،بل كانت كما وصفها بعض المراقبين أشبه بغزوات وحشية متبادلة بين ميليشيات قبلية ،ولا أدل على ذلك من أن صراعا واحدا من تلك الصراعات فى ولاية واراب قتل فيه أكثر من ألف مواطن ،وقد امتدت الصدامات بين قبيلتى الدينكا والمورلى ليتم ذبح النساء والشيوخ والأطفال ،وأمتدت الحرب كذلك لتشمل بطون الدينكا بعضها مع بعض فى ولاية بحر الغزال ،وكذلك بين المجموعات المختلفة داخل قبيلة النوير فى ولاية الوحدة الغنية بالبترول ،وكذلك بين قبيلتى النوير والشلك حول منطقة ملكال ،وقد كان أعنفها ماوقع بين المورلى والنوير ،وقد تميزت هذه المواجهات بحدة الإستخدام الواسع للسلاح النارى ،الذى صار متفشيا فى الجنوب كله ,وقد قال مسئول قبلى معلقا على ما يجرى من صراعات :إنها فى السابق كانت حول الأرض وسرقة الماشية أما الآن فما يتم هو ذبح النساء والأطفال والشيوخ من قبل الميليشيات القبلية . والبعض يتساءل عن دور الجيش الشعبى الذى صار الآن مسئولا عن حماية الجنوب ،ولماذا لم يستخدم قواته لحماية المدنيين ،وإعتبروا ذلك فشلا للحركة الشعبية بعد توليها زمام الأمور بالجنوب ،وطالبوها بحوار جنوبى لحل المشكلات العالقة ،ومن جانبها إتهمت الحركة الشعبية آخرين ربما فى إشارة إلى المؤتمر الوطنى شريكها فى الحكم أو قيادات جنوبية أخرى متحالفة معه داخل الحركة الشعبية أو خارجها بالمسئولية عن إثارة المشكلات القبلية وتحريض الناس فى الجنوب من الخلاف حول قضايا صغيرة إلى الصدام المسلح . والواقع أن إنتشار السلاح أثناء الحرب الأهلية وبقاء الروح القتالية فى ظل بطء المعالجات التى يمكن أن تنقل مجتمعات الجنوب والمناطق المجاورة إلى مرحلة السلام والتعايش السلمى ،كانت من الأسباب التى أدت إلى الإقتتال فى ظل تداخل حدودى ومناطقى بين القبائل وعدم تطبيق القانون وضعف هيبة الحكومة ،وإفرازات الحرب الطويلة من مشكلات معقدة وعميقة ،زادها حدة العقلية القبلية التى لاتزال مستشرية فى السودان كله بنسب متفاوتة ،ويصعد ذلك الخلافات بين شريكى الحكم ،التى جعلت آمال الناس وتطلعاتهم تراوح فى أماكنها ولم تنقلهم كلية إلى أفق جديد ،ومن المؤكد أن عملية نزع السلاح يجب ألن تتم فى إطار سليم لايؤدى إلى مزيد من المشكلات ،وأيضا فى إطار أشمل لايقتصر على الجانب الأمنى فقط ،ويؤدى إلى مصالحات إجتماعية ،ويتضمن معالجات نفسية وإعلامية وتنموية ،وذلك عمل كبير لاينبغى فيه التوقف عند توجيه اللوم لهذا الطرف أو ذاك ،وإنما يتطلب تضافر جهود الجميع من أجل إنجاز سلام حقيقى يعيد الثقة بين الناس ويزيل الجفوة ورواسب الماضى . والصراعات القبلية فى دارفور لا تقل خطورة عنها فى الجنوب ،ويكفى هنا القول أنه فى الوقت الذى يصوب فيه الوسطاء الدوليون جهودهم لتسوية الصراع بين الحكومة والحركات المتمردة بدارفور ،يبدو أن لا أحد يعير إهتماما لصراع آخر أكثر دموية بين القبائل العربية بدارفور . آخر الكلام : تقول الشاعرة العراقية نازك الملائكة فى قصيدتها أنشودة السلام : أيهــا السـادرونَ فـي ظلمـة الأر ض كفـــاكم شــقاوةً وذهــولا احــملوا نــادمينَ أشــلاء موتـا كـم ونوحـوا عـلى القبـور طـويلا ضمّخوهــا بــالعطر لفّـوا بقايـا هــا بزَهْــر الكنــارِ والياسـمينِ واهتفــوا حولهـا بأنشـودة السـلـ ــمِ ليهنـا فـي القـبر كـلُّ حـزينِ اجــمعوا الصبيـة الصغـار ليشـدوا بلحـــون الصفـــاء والابتســامِ أنقـذوا الميّتيـن مـن ضجّـة الحـر بِ ليستشــعروا جمــال الســلامِ فيـم هـذا الصـراع يـا أيهـا الأحـ ـيـاءُ فيـم القتـالُ فيـم الدماءُ فيـمَ راح الشُـبّانُ فـي زَهْـرة العُمْـ ــرِ ضحايـا وفيـمَ هـذا العِـداءُ