عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

ربما يكون من أهم ما أنجزته  الإنتفاضات والثورات الشعبية التى تندلع الآن على إمتداد وطننا العربى الكبير من المحيط الأطلسى غربا إلى الخليج العربى شرقا أنها أحيت مجددا الوجدان والمشاعر المشتركة للشعوب العربية ،وأعادت لهذه الشعوب من جديد التلاحم و الثقة فى بعضها البعض ،بعد أن كانت قد فقدت الثقة فى نفسها وفى غيرها ، تحت حكم أنظمة شمولية قمعت الحريات وأساءت توزيع الثروات واستبدت بالسلطات ،فكانت النتيجة الحتمية هي هذه الإنفجارات المروعة فى وجه أنظمة حكم طال بها المقام على كراسى السلطة،ولم تعد لديها القدرة حتى على التنبؤ بردود فعل الشارع ،أو التعامل معه.

ثم يأتى هذا الحراك الجماهيرى الهادر فى بلاد ظن حكامها أن أهلها موات أو حجارة أو سوائم ليعيد كل شعب على حدة إكتشاف نفسه وقدراته وإنسانيته من جديد ،بل وتعيد الشعوب العربية إكتشاف بعضها البعض ،بعد أن وصمها حكامها وأنظمة حكمها بالبلاهة والغباء والتخلف وإنعدام الكرامة وعدم الجدارة بالحياة الإنسانية .

وهاهى الشعوب العربية فى كل مكان تكتشف أنها واحدة سواء كانت تحت حكم أنظمة ملكية أو جمهورية ،بترولية أم غير بترولية،فى دول الشام أوالخليج أوالمغرب العربى، فى مصر أوالعراق أواليمن أوالسودان أوالصومال ،وهاهى تدرك  أن معاناتها واحدة وأن قضاياها وأهدافها واحدة ،وأن عدوها أيضا واحد ،وهو فى المقام الأول هذه الأنظمة الشمولية التى سلبتها إرادتها وكرامتها وقدرتها على العيش الآمن والحلم بغد أفضل ،وعوضا عن ذلك افتعلت لها قضايا جانبية مع أشقائها ما كان لها أن تكون لو كانت هناك إرادة حقيقية لحلها ومراعاة لمصالح الشعوب ،ففى هذه الأيام يكتشف المصريون أن لامشكلة لهم مع أشقائهم فى فلسطين أو الجزائر أو السودان أوسوريا أو أى مكان آخر ،ويتأكدون من كذب إدعاءات سابقة كانت تتساءل :لماذا يكرهنا العرب ،وتحاول أن تروج لهذه المفاهيم التى أثبتت الأيام الأخيرة سقوطها سقوطا مروعا ،فلا أحد فى العالم العربى يكره مصر ،بل أثبتت الشواهد أن خوفهم عليها ثم فرحهم لثورتها يماثل مشاعر المصريين إن لم يكن يفوقها،وقد كانت دعوات المصلين من إخواننا العرب فى كل بقاع الدنيا تصلنا فيوض رحمتها وهدير مظاهراتهم تضامنا مع مصر يصلنا صداها .

وستكون لهذه الإنتفاضات الشعبية تأثيرات هائلة فى إعادة تعريف الشعوب العربية ببعضها البعض ،وإزاحة الصور النمطية التى ألصقت بكل شعب على حدة فى العقود الأخيرة ،وستعيد الثورات ودماء الشهداء رسم خارطة جديدة لأوطاننا تعرف فيها الأجيال الجديدة الوجه الحقيقى لأوطاننا وشعوبنا ، الذى كاد أن يغيب بفعل عوامل عديدة ،سيعود لبلداننا بهاؤها وستكون تونس الخضراء هى بلد أبو القاسم الشابى بحق ،وستكون ليبيا من الآن فصاعدا هى بلد المجاهد عمر المختار ،وتصبح اليمن البلد السعيد والبحرين درة الخليج ،وتبقي مصر بلد الثوار والأحرار ،وهلم جرا .