عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قبل سنوات التقيت مع أخى وصديقى العزيز الصحفى الواعد ياى جوزيف ،وخلال حوار جمعنا مع بعض الأصدقاء التفت إلى ياى ليقول لى :أسماء رغم حبى لك فأنا لا أحب بلدك ،ولا أمر على مصر إلا عابرا ،ففى هذه البلد عانى أهلى وتشردوا وتعبوا وتعرضوا لمضايقات شتى و..و..و....لم يكن حديث أخى ياى الذى هو إبن أخت الراحل الدكتورجون قرنق ،هو أول حديث أسمعه فى السودان يوجه اللوم لمصر ،ولن يكن آخر حديث ،فمصر ملامة تقريبا من كل الأطراف ،وهى تلام  على الشىء ونقيضه ،وكل طرف يحملها المسئولية عن أشياء كثيرة ....وبعض الذى يلومونها عليه حق ،وبعضه الأخر أوهام ،وكثير منه أشياء تاريخية عفا عليها الزمن ،ولا ذنب للمصريين فيها.

وغالبا ما أقابل مثل هذه الشكاوى بتفهم كبير لعدة أسباب ،أولا أنه لايوجد من هو فوق النقد أو الإختلاف عليه ،حتى الله سبحانه وتعالى اختلف الناس حوله فبعضهم آمن به وبعضهم كفروا به،وبالتالى فإن  مصر رغم حبى الكبير لها ليست فوق النقد ،وثانيا لأننى أدرك أن كثيرا من لوم السودانيين لمصر هو عتاب المحبين كما يقول المثل السودانى "إللى مادارك مالامك "أى من لايريدك ولايرغب فيك حقا لايلومك أو يعاتبك ،وثالثا لأننى قد إنتفت فى نفسى هذه الحدود الوهمية التى تفصل بين مصر والسودان ،وصار وطنى حقيقة هو كل تلك البقعة الممتدة فى البلدين ،وصار أهلها جميعا أهلى .

لما قال لى ياى كلامه السابق ،قلت له :معك حق يا أخى العزيز فى كثير من كلامك ،فنظر لى مستغربا ،قلت له نعم أهلك السودانيين جميعا تعبوا فى مصر ....لأن المصريين ذاتهم تعبانين فى بلدهم ،قلت له :يا أخى العزيز نحن شعب كبير ،سواده من الكادحين المكافحين من أجل قوت يومهم ،وبالتالى فإن عذرنا أن معاناة أهلك هى جزء من معاناة الغالبية العظمى من الشعب المصرى ،وحكيت له قصة بعض منظمات المجتمع المدنى المصرية التى ذهبت فى قافلة طبية لعلاج أعداد من السودانيين المقيمين بمصر فى أماكن تجمعاتهم بالأحياء الفقيرة  ،ففوجئت هذه القافلة بأعداد كبيرة من المصريين يأتون مع السودانيين ويرجون من القائمين على القافلة علاجهم ويقولون أنهم جيران السودانيين الذين اتوا لعلاجهم !!

دار حديث طويل شرحت فيه لأخى ياى جوزيف الكثير من الملابسات والظروف المتعلقة بوجود السودانيين فى مصر ،وقلت له:إن مصر ليست بلد أحد ،وعظمة مصر الحقيقية أنها تستوعب كل قادم إليها بشرط ألا يتورط في أنشطة أو تصرفات تضر أمنها،وأوضحت له : أن لا أحد فى مصر مطلقا يسأل لماذا السودانيون موجودون هنا ،وأننى لاحظت أن هذا السؤال طرح حول وجود العراقيين بعد سقوط بغداد ،ومجىء أعداد كبيرة منهم إلى مصر ،رغم الإرتباط العاطفى بين المصريين والعراق ،ولكن هذا السؤال لم يطرح البتة بشأن السودانيين ،الذين يعتبرهم المصريون  حالة خاصة جدا .

 

وبعد أن أنهيت حديثى الطويل جدا مع أخى ياى ،حدثتنى صديقة مصرية قائلة: يبدو أنك  ستتعبين كثيرا فى هذا المضمار ....وقالت  ساخرة :أنت مثل من يحفر فى صخر قاس عنيد بأظافره ....فلا الصخر لان والأظافر تكسرت،قلت لها :لا أحفر وحدى عزيزتى، وغدا سيتشقق هذا الصخر الذى تتحدثين عنه ،ويصبح أنهارا وجداولا ...قالت صديقتى بيأس :لاتحاولى ...الأمور كما أرى أصعب وأعقد مما تتخيلين .

.....وبعد ساعات دعانى صديق سودانى للقائه فى مطعم ومقهى جراند كافيه بالخرطوم ،ولما ذهبت إليه ،رن جرس هاتفى الجوال ،كان المتحدث هو ياى جوزيف ،رحبت به ،قال :أسماء أحب أن أعرفك على صديقى المصرى محمد خذى كلميه ،وأعطانى محمد الذى قال لى إنه يعمل كبير جرسونات بالجراند كافيه ودعانى لزيارة المحل،قلت له :أنا موجودة الآن فى المحل بالفعل ،فسألنى هو وياى :أين أنت ؟ ،كنت فى آخر المحل ،وهما فى آخره من الجهة المقابلة ،ولما لمحانى جاءا يركضان نحوى ،كان ياى يريد أن يقول لى بذلك :ليس صحيحا ماقلته لك صباحا أننى لا أحب مصر ،وما أكرهه فقط هو التصرفات الخاطئة،وقد أراد أن يقدم لى دليلا عمليا بصديقه المصرى هذا ،ركضت نحوه بدورى أكاد أصرخ فرحا وتأثرا،ولسان حالى يقول :أفهم ماتعنيه يا أخى وصديقى العزيز ياى  ....وتمنيت أن تكون صديقتى المصرية موجودة هى وأصدقاء سودانيين آخرين لأقول لهم : إننا نحتاج إلى حوار بين مصر والسودان من ناحية ،وجنوب السودان وشماله من ناحية أخرى ...وأن أى جهد مخلص ولو قليل لن يضيع ....وأنه لايجب أن نيأس أو نحبط أبدا مهما كانت الظروف ....وأنه ليس علينا أن نحتقر أى مجهود مهما صغر  .

نقلا عن صحيفة "الحقيقة "