عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لم يتبق سوى أقل من ثمانية أشهر على الموعد المحدد لإستفتاء تقرير المصير ،الذى سيتحدد على ضوئه ما إذا كان السودان سيبقى وطنا موحدا أم لا ،ويبدو واضحا  أن مصير السودان محاط بأخطار غير مسبوقة تهدد وحدته وكيانه وحاضره ومستقبله ،ولم تؤد الإنتخابات الأخيرة إلا لمزيد من الإنقسام داخل السودان ،مابين من فازوا فيها ومن قاطعوها ويعتبرونها إنتخابات غير نزيهة ويرفضون الإعتراف بنتائجها من ناحية ،ومابين حزب المؤتمر الوطنى الذى فاز بإكتساح فى الشمال والحركة الشعبية التى فازت بإكتساح فى الجنوب وكل طرف يتهم الآخر بأنه زور الإنتخابات فى المناطق التابعة له ،ورغم المساعى المبذولة لتشكيل الحكومة حاليا فإن الجدل حول الإنتخابات ونتائجها يبدو أنه سيستمر طويلا ،ولايبدو أن أيا من الأطراف يريد التزحزح عن موقفه الذى يتخندق فيه ،ولو على حساب وحدة البلد المهددة .

 

هذه الوحدة التى تعلن أطراف كثيرة تمسكها بها وتتهم أطرافا أخرى بعرقلتها ،فالرئيس السودانى عمر البشير يقول أنه وحزبه سيعملان على تحقيق الوحدة ،ورئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت يقول أن الحركة الشعبية حركة وحدوية وترغب فى تحقيق الوحدة لكن على أسس جديدة لايكون فيها شريعة تحكم فى الشمال ،وهناك آراء أخرى حول الوحدة المنشودة ،التى لم يتم تحديد مفهوم واحد بشأنها متفق عليه ،فأى وحدة ستتحقق إذن ولم يتبق سوى أشهر قليلة على إعلان صفارة إنتهاء الفترة الإنتقالية ،فى ظل أجواء مسمومة فى الشمال والجنوب على حد سواء ،ينشط خلالها أفراد وجهات وصحف لإثارة الأحقاد والفتن والكراهية بين ابناء الوطن الواحد ،ويدفعون الامور دفعا نحو هاوية تمزيق وحدة بلد وبشر وعائلات وروابط وتاريخ ،ليس فقط إلى شمال وجنوب ،لأن التقسيم إذا بدأ فلن ينتهى بالجنوب ،والكراهية مثل النار إذا بدأت فستاتى على الأخضر واليابس .

 

وقد تصاعدت حدة الوضع فى السودان فى الفترة الأخيرة من ناحيتين ،أولهما فى الجنوب ،حيث لوحت الحركة الشعبية مرة أخرى أنها ربما لاتنتظر موعد الإستفتاء وأنها قد تعلن الإنفصال من داخل البرلمان ،واتهمت المؤتمر الوطنى بأنه يعمل على إثارة القلاقل فى الجنوب ،كما تصاعد الوضع فى دارفور ،وحدثت إنتكاسة للإتفاق الإطارى للسلام الذى وقعته الحكومة السودانية مع حركة العدل والمساواة كبرى الحركات المتمردة بالإقليم فى منبر الدوحة،حيث أعلنت الحركة تجميدها لمشاركتها فى مباحثات السلام ،التى قالت إنها تحولت إلى فوضى يشارك فيها كل من هب ودب دون أن يكون لديهم أدنى صلة،كما اتهمت الحركة الوساطة بالإنحياز إلى الجانب الحكومى وبأنها لاتملك منهجا أو رؤية للتفاوض ،فضلا عن إتهامها للحكومة السودانية بعدم الرغبة فى السلام ،وأنها وقعت الإتفاق فقط من أجل التهدئة لعقد الإنتخابات ،وهو الأمر الذى تنفيه الحكومة متهمة الحركة بالتشدد فى مطالبها وبأنها تريد الإنفراد بتمثيل أهل دارفور ،وأن هناك حركات أخرى غيرها وقعت معها إتفاقا إطاريا مماثلا.

 

وقد إزداد الوضع سوءا بإنهيار وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين ،وهو مايهدد بإتساع دائرة الإضطراب فى الإقليم ،وجاء إلى القاهرة مؤخرا الدكتور خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة ووفد كبير من قيادات حركته ،بعد أن ناشدت الحركة مصر التدخل لحل أزمات السودان ،وخلال زيارته لمصر اصدرت الخرطوم  مذكرة اعتقال للشرطة الدولية الإنتربول لإلقاء القبض علي الدكتور خليل  بتهم تتعلق بهجومه على العاصمة السودانية عام 2008،رغم أنه كان قد تم العفو عن أسرى الحركة المشاركين فيها بعد توقيع الإتفاق الإطارى معها ،وربما كان فى تلك الخطوة محاولة لزيادة الضغط على الحركة ومحاصرتها ،وإن فسرتها الحركة بأنها موجهة للدور المصرى الذى لاتريده الخرطوم،وستزيد هذه الخطوة على أى حال الأمور تعقيدا.

 

وقد  هاجمت بعض الأقلام فى السودان  الموقف المصرى مؤخرا ،مستنكرين  إستقبال مصر للدكتور خليل إبراهيم وقيادات حركته ،و فى الواقع لن يكون الدكتور خليل آخر من تستقبلهم مصر وليس أولهم بالطبع،فى إطار سعيها لمساعدة السودان للوصول إلى حلول لمشكلاته  ،والحشد الذى استقبل الدكتور خليل إبراهيم  أولا ليس فى مطار القاهرة كما زعموا بل أمام فندق سونستا بمدينة نصر الذى نزل فيه ،وثانيا لم تنظمه السلطات المصرية ،بل كان من قبل مؤيديه من ابناء الجالية السودانية بمصر ،وثالثا أن مصر لم تستقبله لكى تنافس أى دور أو أحد آخر ،وإنما استقبلته لكى تبحث معه إستئناف المسيرة السلمية ،وستظل مصر على الدوام تفتح ابوابها لكل السودانيين على إختلاف إنتماءاتهم وتوجهاتهم ،كما فعلت فى السابق دون أن تكون فى منافسة مع أى أحد .

 

وبالتزامن مع ذلك توجه الوزيران عمر سليمان وأحمد أبو الغيط إلى كل من الخرطوم وجوبا ،فى مشهد تكرر من قبل خلال السنوات الست الماضية ،كلما ألمت أزمة بعلاقة شريكى الحكم ،التى اتسمت بالمشاكسات وإنعدام الثقة ،لكن الزيارة تكتسب هذه المرة أهمية بالغة ،لأن الفترة القليلة المتبقية ،هى الفرصة الوحيدة للحفاظ على وحدة السودان ،التى ستكون فى مصلحة الجميع ،وفى مقدمتهم أبنائه ثم دول جواره .

 

لكن تبقى التساؤلات مطروحة حول ما إذا كان التحرك المصرى الأخير الهادف لدعم وحدة السودان واستقراره يمكن ان ينجح فى وقت استسلسم فيه الجميع لحتمية إنفصال الجنوب الذى أصبحت تروج له دول كبرى وجهات داخلية وخارجية،فيمايرى الحادبون على وحدة البلد أنها تحتاج فى ظل الأجواء الحالية إلى معجزة ،وهل يمكن لأقل من ثمانية أشهر تدارك أخطاء أوضاع وسياسات استمرت  أكثر من نصف قرن من الزمان وأدت إلى فشل الوحدة القائمة ...الحقيقة أن الدور المصرى أو أى دور خارجى لايمكن أن يقدم للسودانيين شيئا أكثر مما يستطيعون هم تقديمه لأنفسهم ،ويجب أن تدرك الأطراف السودانية جدية وخطورة الأمر هذه المرة ،وأن البلد بحاجة إلى صيغة توافقية حقيقية تنهى التخندق والإنقسام الحالى ،لتمكن من مواجهة التقسيم المقبل .

 

ولعل مصر تستطيع أن تبدأ بالعمل على وقف لإطلاق النار فى دارفور ،يجنب سفك مزيد من الدماء وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ،ليكون مقدمة لإتفاق سلام عادل وعاجل ،لانه بدون حل مشكلة دارفور ،لا يمكن التفرغ لقضية وحدة البلد المهددة .

 

 والإنفصال ليس هو النتيجة الوحيدة للأوضاع الحالية المقلقةفى السودان ،فهناك الآن مخاوف حقيقية من سيناريوهات عديدة قد تلحق بالسودان  ،وبغير شك ستكون عواقب ذلك وخيمة على السودان وقارته الأفريقية ومنطقته العربية ودول جواره جميعا وعلى رأسها مصر ،بل وعلى السلم والأمن الدوليين ،فالسودان مجرد نموذج أفريقى ،وإذا لحق به التفتت أو التجزئة –لاقدر الله -فلن يقف ذلك عند حدوده ،بل سيسرى إلى جميع دول جواره التى تعانى مثله من مشكلات بسبب عدم إستيعاب التعددية داخل مجتمعاتها .

 

هذه المخاطر الراهنة وغيرها مما يلوح فى الأفق القريب جدا فى إعتقادى يفرض على مصر تحركا إستثنائيا قويا لمواجهة هذه الأوضاع الإستثنائية على حدودها ،وهذا يتطلب منها أن تلقى بثقلها كله عبر تدخل كبير وشامل فى سبيل دعم حل شمولى لمشكلات السودان ،حيث أن تجزئة حل القضايا السودانية أثبت أنه لايجلب سوى مزيد من التعقيدات ،وهذا الأمر يحتاج من مصر إلى مبادرة جريئة فعالة لجمع القوى السياسية السودانية لتحقيق وفاق وإجماع سودانى حقيقى وتوافق حول القضايا المطروحة جميعا ،وفى هذا السياق يجب أن تضع مصر الأطراف السودانية أمام مسئولياتها الحقيقية ،حتى لايبدو أنها تجامل احدا على حسا ب بلد بأكمله،ولعل الحاجة ملحة للتحرك المصرى فى ظل  التعثر الذى تعانيه المبادرات المطروحة ،وهذا التحرك ينبغى أن يكون بهدف نقل السودان إلى مرحلة أخرى مختلفة عن المرحلة الحالية التى يتعرض فيها للضغط والإبتزازوالترهيب من أكثر من جهة ،بما لايوفر مناخا إيجابيا لأى عمل بناء ،ولن يتحقق ذلك بدون حل وإيجاد مخرج آمن ومرض لجميع الأطراف .

 

 إن القول بعدم فاعلية الدور المصرى تاريخيا أمر لايلقى فيه باللوم على مصر وحدها،وإنما يقع اللوم على الأطراف السودانية أيضا ،وما خلقته الأنظمة المتعاقبة على حكم السودان من حساسيات تجاه هذا الدور ،فضلا عن محاولات بحثها الدائم عن بديل للدور المصرى

 

ولايمكن إغفال الضغوط الدولية والإقليمية ،فهناك  بعض  القوى الدولية الكبرى ومجموعات الضغط  التى تسهم فى صنع قراراتها من لايريد لمصر أن تكون صاحبة اليد الطولى فى شئون السودان ،وهذه القوى هى التى تحاول تعزيز أدوار إقليمية أخرى على حساب الدور المصرى ، ،تساندها فى ذلك  أطراف سودانية  فى كل موقف على حدة لحسابات خاصة بها ،بدءا من رفض وإسقاط المبادرة المصرية الليبية وإنتهاء بالمفاوضات الجارية لحل أزمة دارفور.