عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

لم يكن يوم السبت الماضي يوما اعتياديا بالنسبة لي ،فقد كنت مدعوة للغداء من أخي وصديقي العزيز الإعلامى والروائي السوداني المتميز خلقيا ومهنيا خالد عويس مع بعض المثقفين المصريين ،على شرف السيد الصادق المهدى رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار فى مقهى ريش

وعلى كثرة المناسبات التى جمعتني مع السيد الصادق فى أوقات وأماكن شتى ، كان لهذا اليوم خصوصيته ،من حيث الزمان والمكان والشخوص أيضا ،وقد سيطرت قضيتي الانتخابات السودانية ومياه النيل على النقاش، رغم أن الحاضرين جميعا حاولوا دونما اتفاق أن يبحروا بعيدا عن شبح هاتين القضيتين ،الذى ظل رغما عنا يطاردنا ونطارده من حين لآخر،ورغم ذلك جاب بنا السيد الصادق فى عوالم الفكر وآفاق الثقافة والأدب والفنون وقضايا المجتمع والعالم.

وقد اختار أخى خالد عويس مقهى ريش مكانا للدعوة لما له من خصوصية فريدة ،حيث يقف هذا المقهى بوسط القاهرة ،يحمل ذاكرة أجيال عاشت وأبدعت فى مصر وتعاقبت عليه ،وقد بني المقهى عام 1908 ،وكان أحد القواعد التى انطلقت منها ثورة 1919 فى مصر ،ومنه انطلقت أول مظاهرة لمناهضة اتفاقية كامب ديفيد ،كما انطلقت منه ثورة الأدباء المصريين احتجاجا على اغتيال الروائى الفلسطينى غسان كنفاني ،وفيه غنت أم كلثوم أولى حفلاتها بالقاهرة ،وفيه جلس الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يحتسى القهوة ويعد لدوره فى ثورة يوليو ،وبه كانت تجلس تحية كاريوكا وإسماعيل ياسين وأنور وجدى ونجيب الريحاني وغيرهم من فناني مصر ،وكان المقهى ولايزال ملتقى الأدباء والمثقفين المصريين والعرب ،ومن بينهم الراحلين نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وصلاح جاهين ،وأهم رواده الآن جمال الغيطانى وأحمد فؤاد نجم .

وخالد عويس صاحب الدعوة هو أحد الشباب السودانيين المبدعين ،عمل فى قناتي العربية بدبي ،والحرة بواشنطن ،ومنها انتقل مؤخرا إلى جدة حيث يساهم فى تأسيس قناة فضائية سعودية اسمها «ألف ألف»،ويحظى خالد بثقة واحترام السيد الصادق ،الذى لبى دعوته للغداء رغم مشغولياته العديدة وبرنامجه المزدحم فى القاهرة هذه المرة ،ولخالد صلات وصداقات عديدة عميقة مع مثقفى مصر وأدبائها من جيل الشباب ،الذين دخلوا مع السيد الصادق فى حوارات ثرية ممتعة على الغداء وبعده .

والسيد الصادق غالبا مايفاجىء مستمعيه بأوجهه المختلفة ،التى لكل وجه منها بريقه وألقه ،إذ يبدو مبهرا فى الفن والثقافة والأدب والفكر ،كما هو فى عالم السياسة . وهو صاحب شخصية مختلفة عن السياسيين الآخرين فى عالمنا العربى، منفتح على الآخرين ، له حضور طاغ ، ووقار ظاهر ، وتواضع واحترام لايغادرانه فى تعامله مع الآخرين ،لايمكن أن يجارى فى صفاء الذهن وحضور البديهة ،هو دائما قوي البرهان واضح البيان ،لايبحث عن الكلمات ، بل لعلها تبحث عنه .

والحقيقة أن السيد الصادق المهدى لايمثل الوجه المشرق للسودان فحسب ، وإنما لعالميه العربي والإسلامي بأسرهما ،وهو موضع تقدير واحترام الأوساط الفكرية والثقافية والسياسية فى العالم بأسره ،بما يملكه من عقلية مستنيرة ورؤى تقدمية وروح ديمقراطية ،يجمع فى شخصه فى توافق وانسجام بين روح العصر وأصالة الموروث ، وكل هذه الصفات تؤهله للعب دور أكبرلصالح وطنه العربي وأمته الإسلامية ، بل ولصالح الإنسانية جمعاء ،التى يعصف بكيانها الآن صراع الحضارات والأديان والقوميات ، وكان يمكن للسيد الصادق أن يفعل ذلك بشكل أكبر ، لولا مسئوليته العميقة تجاه وطنه السودان ....

ولايزال السيد الصادق قادرا على إثارة الدهشة فى كل المنابر والأوساط بحيوية أفكاره وأطروحاته ،كما لايزال حاملا لواء الديمقراطية يعتبرها خيار الشعب السودانى وأفضل خيار لشعوب المنطقة ،وهو يعتبر الالتزام بها واجبا وطنيا ،لأنها السبيل الوحيد الذى يمكّن شعوبنا من القيام بدورها كاملا ،ويحقق المصالحة بين هذه الشعوب والأنظمة العربية ، كما يمهد لوحدة شعوبنا بإرادة شعبية وليس وفقا لتدابير فوقية لاتسمن ولا تغني.

 

 

 

عن صحيفة "الحقيقة "