عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 <http://www.alhagiga.com/upload/heroeshost-1271746768.gif>

 

كنت أنوي كتابة هذا المقال أثناء الحملة الإنتخابية، التي تعرض فيها أخي وصديقي العزيز ياسر عرمان القيادي البارز بالحركة الشعبية والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية لحملة ظالمة وتشويه كبير، لكنني أثنيت نفسى عن ذلك وقتها، لأننى لست جزءاً من هذه العملية الإنتخابية التى كان يتنافس فيها عدد كبير من الإخوة والأصدقاء الذين تربطني بهم صلات وثيقة ، وكذلك لأن رأيي هذا الذي أطرحه كنت أريده أن يُفهم فى إطار آخر غير مناخ التنافس الإنتخابي المسموم ...ولما كانت الإنتخابات قد انتهت فيحق لي أن أتكلم الآن، وابتداء أقول إن ياسر عرمان بغض النظر عن التنافس الحزبي الضيق الذي لا علاقة لي به هنا استطاع أن يبلو بلاء حسناً أثناء الإنتخابات، وأنه كان بحق مفاجأة لأصدقائه قبل خصومه، وأنه أظهر شخصية قيادية غير عادية ذات كاريزما وتأثير، استطاعت أن تبعث الأمل فى نفوس كثيرين، علقوا عليه آمالاً كبيرة، ثم جاء انسحابه بمثابة لطمة مروعة لهم.

 

لم يخف ياسر خصومه فى الشمال فقط، وإنما هدد بالقطع خطط آخرين فى الجنوب عقدوا العزم على المضي بجنوبهم نحو الانفصال، فجاء ياسر ليقلب لهم مخططاتهم، ويحيي آمال الوحدة فى النفوس من جديد، تلك الآمال التي وئدت أو كادت بموت زعيم الحركة الراحل الدكتور جون قرنق.

 

معرفتي بياسر تعود إلى سنوات منذ بدء اهتمامى بالسودان، وقد كان أحد أهم الشخصيات التي أفادتني في علاقتي بالسودان، وقد أسدى لي نصائح مهمة فى بداية طريقي، مستمدة من تجربته الشخصية فى تجسير العلاقة بين الشمال والجنوب، وهو صاحب المقولة المشهورة :(إذا كانت الطرق تقصر المسافات بين الأماكن فإن البشر يستطيعون أن يفعلوا ذلك أيضاً ) ،ولعله أراد عبر مسيرة حياته أن يطبق تلك المقولة....

 

وياسر فضلاً عن ذلك شخصية ديناميكية نشطة، سياسي محنك، يعرف كيف يعقد الصداقات، ويقيم التحالفات ويمد الجسور مع القوى المختلفة، وكيف يصل إلى مواءمات لا يستطيع الوصول إليها غيره، لديه روح مشبعة بالأمل ،وقدرة على العيش في الظروف الصعبة، ورغم شخصيته المنفتحة لا يثق في أحد بسهولة، إلا بعد إختبارات عديدة، ويطبق ذلك حتى على الصحفيين الذين يتعامل معهم،دقيق ومنظم وأنيق، وفى نفس الوقت شخصية جسورة عنيدة، منذ صغره، روى لي الدكتور روماني الذى كان طبيباً لسجن كوبر ذكرياته مع ياسر حينما سجن أثناء حكم مايو وعمره لما يجاوز العشرين من عمره، وكيف وقف بشجاعة يرفض منه أي مساعدة لنقله إلى مستشفى أو تقديم أي تسهيلات له.

 

لماذا أقول ذلك الآن ...ربما لأننى أريد أن أنبه إلى أن ياسر وأمثاله من الرموز الذين يوحدون البلد قليلون، وهم في رأيي ثروة ينبغي المحافظة عليها واستثمارها، وهذا هو الأمر الذي أكد عليه الرئيس البشير نفسه فى المؤتمر العام الأخير لحزب المؤتمر الوطني، حين قال إن الشماليين بالحركة والجنوبيين فى المؤتمر الوطني هم أقوى روابط الوحدة بين الشمال والجنوب....وفي البلاد التي تريد أن تتوحد أو تتقدم يصنعون الرموز الموحدة صنعاً، ليجتمع الناس حولها، وهي مهمة ليست سهلة، لأن مثل هذه الشخصيات تحتاج إلى مواصفات خاصة للغاية.

 

والقبول الذي يحوزه ياسر في الجنوب كان نتاج سنوات طوال قضاها فى صفوف الحركة الشعبية، التي انضم إليها قبل 24 عاماً، وانحاز إليها يوم أن كانت حركة متمردة منبوذة فى أحراش الجنوب، وخاض معها وفيها حروباً إلى أن أصبح رمزاً لنضالها، وأول مرشح لها لرئاسة الجمهورية، وأعتقد خلافاً لما يرى البعض أن ياسر ليس كارتاً محروقاً، ولا أدري لماذا الحرق دوماً هو نصيبه لدى خصومه، وإنما هو وأمثاله من رموز وحدة السودان القائمة على المساواة والعدالة، هم من يجب أن يكونوا الكروت الرابحة لكسب وحدة البلد فى المرحلة المقبلة، حينما تهدأ الزوابع التي أثارتها الإنتخابات، وتهدأ النفوس، ويكون هناك استعداد حقيقي لمواجهة التقسيم المقبل.

 

 

 

 

 

نقلا  عن صحيفة "الحقيقة "