غياب النقد الذاتي في مجتمعاتنا أو عدم قبوله, من أكبر العوامل التي تؤدي إلى الهزيمة والتخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وإلى العجز عن التطور. وقد وصلتني رسالة من أحد الأصدقاء السودانيين في كندا توجه نقداً للسلوك الاجتماعي للسودانيين بأسلوب خفيف الظل، وتطرح تساؤلاً: ((تخيل كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني؟ وتُجيب الرسالة التي يبدو أنها محصلة إجابات أشخاص متعددين: كنت ح تلتزم بالمواعيد - كنت ح تدفع فاتورة المحامي أو الطبيب قريبك - كنت قاضيت المهندس اللي خرب ليك بيتك - كنت عملت مشروعك بنفسك دون محاكاة - كنت بدأت دوامك في الموعد المحدد - كنت حتنطق حرف الـ(ق) و الـ(غ) كما ينبغي, وما كنت حا تقول للتسعة (تزعة) كنت بطلت تسف ساعوط - كنت حتلبس شيك جداً عند خروجك أمام التلفاز وأجهزة الإعلام.

ولو ما كنت سوداني كنت عرفت أن بالدقيقة 60 ثانية وبالساعة 60 دقيقة وباليوم 24 ساعة، وكنت خططتَ لحياتك ومستقبلك، و كنت اخترت المساق التعليمي بنفسك ودرست الجامعة بالكلية اللي تناسب مقدراتك ومواهبك ورغباتك المستقبلية, مش عشان ود جيرانكم اختار الكلية دي بالذات، كنت ح تتصل بالتلفون قبل زيارة أي أحد في منزله بدري شويه, مش وإنت في خشم الباب، ده طبعاً لو اتصلت وما جيت داخل زي قدر الله بدون حتى ما تدق الباب.. وكنت ح تنهر أولادك لما يبهدلوا ليهم بيت زول ويعيثوا فيهو فساد, ورافع لي ناس البيت الضغط والسكري. كنت ح تتردد في زيارة شخص ما أنصاص الليالي، كنت ترددت في إرسال حاجات وزنها خمسة كيلو وما فوق مع كل من تسمع بأنه ماشي السودان، كنت رجعت القروش الاستلفتها في وقتها, أو في الحقيقة رجعتها و بس. كنت امتنعت عن زيارة أحدهم في مكتبه, للونسه أو مناقشة أمور لا صله لها بالعمل, كنت خجلت من عدد المسكولات التي تعملها, مش كمان تقول (شنو يا فردة), خمسه مسكولات ما ترد عليها؟

كنت استمتعت بإجازتك وبي وقتك وحياتك بدل كل واحد يديك الفتوى الفي دماغو.. لو ما كنت سوداني كنت حا تكون سيد نفسك، كنت ارتحت من المجاملات الأتلفت أعصابك، كنت اهتميت بي أولادك أكتر من الضيوف يا زول، وكنت استمتعت بي ماهيتك براك).

وقد ذكرني هذا النقد الذاتي الذي يمارسه السودانيون بنقد المصريين لأنفسهم في أقوال أصبح بعضها شائعاً يقول: المصري هو اللي ممكن يعدي الثلاثين، ولسه عايش مع أمه وأبوه وماعندهومش مشكلة، هو اللي يشخص المرض ويوصفلك الدوا، وبيفهم في النقاشة والكهرباء، والسياسة والكورة، وتصليح العربيات والطبيخ، وهو أبيض يا ورد، وهو اللي بيحط الريموت كنترول في كيس بلاستيك كعادة فرعونية، ويقف يتكلم على الباب نص ساعة بعد انتهاء الزيارة والسلام، ولما تفتح نملية المطبخ هتلاقي عنده عشرين برطمان بتاع مربى فاضي، وما زال مصر على جمع المزيد، وهو اللي ييجي بعد ميعاده بساعتين ويفتكر إن ده عادي، وهو اللي لسه عنده إصرار إنو يتكلم بصوت عالي في التليفون لما تكون المكالمة دولية عشان التاني يسمعو، وهو اللي بيعتبر نفسو أحسن واحد في الشرا, وبعد ساعة من الفصال يكتشف إن الحاجة في المحل اللي جنبو أرخص من غير فصال، هو اللي بيكون عندو شواية لزوم الرحلات وأقصى حاجة يستخدمها مرة واحدة في العيد، هو اللي بشتري قبل رمضان مواد استهلا كية موجودة عنده لم يستخدمها البيت، هو اللي بيفرش ملاية سرير على الأنتريه عشان يحافظ عليه لما يجي الضيوف, ولما يجي الضيوف ما يشلهاش، هو اللي بيكون مشغول طول العزومة في أي مطعم بقيمة البقشيش اللي هيدفعو هيكون ربع جنيه ولا نص جنيه، ومع ذلك يتخانق بحرارة عشان يدفع الحساب.

alshareefa asmaa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

نقلا عن صحيفة "الحقيقة "