عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

حينما حان موعد عودتي إلى القاهرة أمس سألني أصدقائي فى السودان... متى تعودين ثانية؟....هم لا يدرون أنني لا أغادره حتى أعود إليه، وأننى أغادره بجسدي فقط ...أما قلبي وروحي وعقلي فهي معلقة بهذا الوطن الحبيب، تحوم بأرجائه، تبتهل إلى الله أن يحفظه آمناً سالماً معافى .

ورغم ذلك أعود إلى السودان كل مرة تسبقني أشواقي إلى ثراه الطاهر وإلى أهلي وأحبائي وأصدقائي ..... أعود إليه مشتاقة يسبقني قلبي وحنيني إلى عوالمه ومعالمه وأهله الطيبين....أعود إليه لأكحل عيني بمرأى الأحبة ومنظر النهر عند ملتقى النيلين....أعود إليه لأشحن الروح والنفس بمحبة من آليت على نفسى أو آلت نفسي على محبتهم أو بالأحرى من أودع الله حبهم قلبي.

أعود إليه دوماً وأنا أتذكر لقائي الأول به...يوم أحببته قبل أن أراه....يوم أحببته حين أحببت أبناءه الذين عرفتهم خارجه، وكانوا جميعاً خير عنوان له.....يومها كنت أتهيّب اللقاء الذى تأخر بفعل هذا التهيّب بضع سنوات....كنت أشعر يوم قدوم إليك يا سودان أني ذاهبة إلى مكة أو أم القرى، كما عبر شاعرنا الكبير الراحل محمد سعيد العباسي، وهو يصف ذهابه إلى مصر.

وعند اللقاء لم أشعر بغربة، ووجدتني أغوص منذ أول لحظة فى أنهار مودة، وأذوب عشقاً لهذا البلد وأهله، واليوم لم يزدني مضي السنوات إلا حباً ومودة, لكن عشرات الزيارات والجولات المتكررة بطول البلاد وعرضها، لم ترو ظمأي بعد، ولم تزدنِ إلا تعلّقاً ولهفة إلى مزيد من الصلات والرغبة فى مزيد من المعرفة.....فأمضي بعد كل زيارة ،وأنا أشعر أنني لم أغرف من بحر تراث السودان ومعارفه وآدابه وعلومه وتاريخه إلا غرفة ولكنني أمضي وأنا أحمل منه حباً ومودة تكاد تكفي العالم بأسره.

ورغم صلتي العميقة بالسودان وأهله، إلا أننى ما زلت غير قادرة على كتمان دهشتي حيال الكثير من تصرفات الغالبية العظمى من السودانيين، فى حلاوة روحهم، وطيب معشرهم، وكرم أخلاقهم ،وأخوّتهم الصادقة، رغم كل التحولات الكبرى والمتغيرات التي يمر بها السودان حالياً،وتنعكس تأثيراتها السلبية بشكل كبير على حياة الناس، ورغم أن الألفة والمعايشة تُذهب الدهشة، إلا أن هؤلاء الناس ما زالوا قادرين على إثارة دهشتي فى كل وقت.

وحين أكون فى السودان اعتدت ربما فى زحمة الوقت والجري المتواصل على تقبل طيبة الناس وكرم أخلاقهم، ولكن حينما أعود إلى مصر، وأخلو إلى نفسى يؤرقني ذلك كثيراً..... وأكثر ما يؤرقنى هو طيبة وكرم بسطاء الناس فى كل مكان ذهبت إليه فى الجنوب ودارفور وشرق السودان وشماله وأنحاء الخرطوم...... لا يمكن لأحد أن يصدق أن هؤلاء الناس فى بلد خارج لتوه من أتون حرب، توصف بأنها الأطول فى القارة الأفريقية، ولا يزال يعاني من مشكلة أخرى فى غربه.

وأكثر ما أحببت فى السودان هو هذا الشعور التام بالأمان، وهذا الاحترام العميق الذى يحمله السوداني فى كل مكان بالسودان للغريب أياً كان، ولا سيما إن كان امرأة.

والسودان هو الدولة الوحيدة، التى يمكن أن يصبح أهلها جميعاً أهلك وأصدقاءك،إن أردت، ولو توافر لك الوقت وإذا تعرفت على سوداني لبضع دقائق، صار أخاً وصديقاً لك العمر كله.

قال لي صديق مصري: ابحثى فستجدين لك قطعاً جذوراً هنا فى السودان، ولكننى أجبته:أنا لا أحتاج إلى البحث عن أسرة لى فى السودان حقيقية أو مدعاة، فكل السودانيين هم حقيقة أهلي، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فلماذا أبحث عن أسرة محدودة، قد تكون أو لا تكون، وأُضيع كل هؤلاء وجذورى، التى أشعر أنها تضرب عميقاً فى كل أنحاء السودان.

ولى صديقة عادت من السودان يوماً، ففتحت حقيبتها، وجلست مطرقة واجمة، تضع رأسها على يدها، فهال أمها منظرها فسألتها جزعة: هل نسيت شيئاً يا بنيّتى فى السودان، فقالت لها الإبنة: نعم نسيتُ قلبي.