يعيش بلدنا السودان منذ أكثر من 28 عاماً واحدة من أحلك الحقب في تأريخه، حيث عرف السودانيون الدولة منذ أكثر من 3000 سنة في فترات متقطعة صانوا حدودها تعاملوا معها ، قاتلوا معها وقاتلوها احياناً ، لكن الدولة التي أنشئتها الحركة الإسلامية السودانية منذ عام 1989 ولا تزال كانت شيئاً مختلفاً ، حيث أسس الإسلاميون دولتهم وحافظوا عليها بجماجم مئات الالاف من السودانيين الذين راحوا ضحايا لدولتهم الهمجية بمختلف الطرق والاساليب ، بالقتل العمد أحياناً وبالإبادة الجماعية والتطهير العرقي وقتل الناس في الطرقات لاتفه الأسباب، وبالأوبئة والفقر والجوع . لقد حولوا بلداً كبيراً إلى سجن كبير، رافعين رآيات الله على جثث المؤمنين ، لقد زحم الإسلاميون سماوات الوطن منذ يومهم الأول برآيات العنف وصبغوها بلون الدم ورائحة الجثث ، وأخرجوا من جوفهم المظلم أسوء ما يمكن أن تخرجه النفس المريضة وفي أكثر لحظاتها توحشا . كل ذلك ليركعوا تحت رآياتهم الهمجية شعباً لقاحياً عزيزاً فأجأته قطعان الذئاب من حيث لا يحتسب ، إمتلئت شوارعنا براياتهم الكاذبة وأمسكت الأنفس المريضة برقاب الناس في بلد طيب . وبالرغم من حالة الإنكسارالمؤقته التي تبدو في شوارع المدن وإستمتاع القاتل بإستسلام ضحاياه في سنوات صلفهم الأولى قدم شعبنا أمثلة في الصمود وأدخل بصموده الذعر في الأنفس المريضة المنتشية بالسلطة وألة القمع . قاوم شعبنا الاسلاميين في كل مكان وهم يخفون جبنهم وفزعهم وسط ضجيج التكبير الكاذب والآيات التي لا يفقهون معانيها وهم يصوبون الرصاص بأسم الرب على صدور الصبية والرجال والنساء. لقد هزم سودانيون وسودانيات بسطاء السجانين في زنازينهم وعلموهم كيف يكون السودانيون ساعة الشدة ونظروا لمعذبيهم في اقببة التعذيب ببسالة واحتقار ، واستهجنوا صلاتهم التي يقيمونها على مقربة من أجسادهم المصلوبة وبركة دمهم التي تلامس سجادة الشيطان الذي يتقرب بدمهم وأنينهم إلى الله ، يا الاهي ما هذا الدين الجديد الشديد القسوة الذي جاء به الاسلاميون لبلد وشعب غالبيته مسلمه . لقد جالدهم شعبنا في شجاعة منذ يومهم الأول وواجههم في الجنوب القديم والجديد وفي دارفور وفي بورتسودن وفي المناصير حيث الجثث التي صبغت لون النهر، وفي شوارع الخرطوم ومدن الأبيض ونيالا وفي التخوم البعيدة وفي الوديان . لقد رسم السودانيون لوحة نضالية ملحمية بطول وعرض خارطة الوطن . يا الهي من أين جاء هؤلاء الناس الذين يقتلون بأسم أنبيائنا ويسرقون قوتنا بأسم شهداء لا وجود لهم ، ويحرقون نخيلنا وينزعون أرضنا وقرانا لان الأرض أرض الله . هذا هو النموذج الذي قدمه الاسلاميون السودانيون في عقود الظلام هذه . إلا أن شعبنا قدم نموذجا آخر شديد الإختلاف قدموه في المعتقلات حيث يواجهون جلاديهم الغارقين في دمهم وصلواتهم وهم يغسلون ايديهم من دماء الضحايا استعداداً للصلاة. واجهوهم في شوارع المدن بعزم وبسالة وصمدوا في وجه ألة قمع الإسلاميين ورموزهم الغارقة في الفساد والدم والنهب والشهوات ، قدم السودانيون نماذجهم أين ما دارت معاركهم الحناجر في مواجهة الرصاص ... حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب . ذلك نموذجنا في مواجهة زخات الرصاص وشعارات العنصرية البغيضة .

في مواجهة رموز الاسلاميين المريضة التي تقتات بمال السحت قدم شعبنا رموزاً شتى للمقاومة رجال ونساء منهم قائداً إنساناً من طراز فريد يمثل بسطاء السودانيين في أحسن صورهم قائد عصي على الخضوع أنه القائد ياسر عرمان سعيد الذي عرفته منذ أيام صبانا الباكر . التزم الزميل ياسر بقضايا شعبه وعض عليها بالنواجز ووهب شبابه الغض لبسطاء الناس حمل معهم البندقية، وحمل معهم غصن الزيتون وذهب معهم للحرب للدفاع عن ما تبقى من الوطن، ودخل معهم إلى قاعات المفاوضات بحثاً غن سلام يجنب الوطن مزيداً من الآلآم وعندما أدرك هذا القائد الكبير ورفاقه أن النظام يراوغ ولا يحترم تعهداته وان شعبنا قد قال كلمته بلاءاته الاربعة وهي العصيان المدني، العصيان المدني ، العصيان المدني ، العصيان المدني ، اصطف إلى جانب شعبه واشهر شعار العصيان رافعا شعاره "لا تفاوض إلا على تسليم السلطة والوطن لأهله" . لقد كان هذا القائد في مختلف ساحات النضال ملتزما بقضايا شعبه صامداً وهادئاً .
ولما عجزوا عن منازلته وارهابه قرروا تجريب اسلحة قديمة إغتيال الجسد بالرصاص وإغتيال الروح بالاكاذيب . لقد ضاق الاسلاميون السودانيون ذرعاً بهذا القائد العصي على المساومة لتكشف القيادية الاسلامية عفاف تاور على الهواء مباشرة عن لهفتها الى تفجير نفسها للتخلص من القائد ياسر عرمان بحزام ناسف ... يا الهي من أين يأتي كل هذا الحقد كل هذا العنف من اين ياتي هذا النوع من البشر. إن هلع الحركة الاسلامية الشديد والعداء السافر للقائد ياسر عرمان ياتي من كون هذا القائد يحمل الرمزية والرؤى التي تخشى الحركة الاسلامية من تجذرها في تربة هذا الوطن الطيب لأنها رؤى مغايرة تماماً لمشروعهم الدموي الاستعلائي اللاإنساني ، إنها رؤى تسع الوطن كله رؤى تحتشد فيها رآيات الفرق الصوفية ورقصات الصبية في جبال النوبة وحنين النوبيين للغاتهم وتاريخهم وطبول ورقصات البقارة واهازيج الجعليين والشايقية ومجد دارفور القديم والشوارع الجديدة والمدن الناهضة المزينة بالمساجد والكنائس والترانيم وصوت المؤذن الرخيم وضحكات الاطفال العائدين من المدارس بلا خوف ولا وجل . هذه الرؤية لا تستوعبها عقلية العصابة الداعشية التي تستبيح الوطن الان .
اتذكر جيداً في عهد صبانا الباكر ونحن متحفزون لاسقاط الدكتاتورية العسكرية الثانية ، اتذكر حوارا مع الصديق ياسر عرمان اتذكر ابتسامته التى لا تغيب عن وجهه في احلك الظروف حين قال " نحن منفتحون على الحلول التي توقف سفك دماء شعبنا هنا وهناك ونعيد ترتيب هذا الحياة في هذا الوطن الجميل المترامي الجمال" اتذكر قوله ايضاً " نحن ايضاً مستعدون للقتال حتى آخر رمق للدفاع عن حق شعبنا في الحياة الكريمة " . كنت اعلم في كل مرة التقي به منذ 28 عاما بان هذا اللقاء قد يكون الأخير، لكنه كان دائما ومثل كل السودانيين الممتلئين بالنفحات الصوفية كان علاقته بالموت علاقة هادئة ، أتذكر حديثه الأخير حول الموت " هذا الموت قطعاً سوف يأتي ليسرق الحياة لكن الحياة نفسها بلا قضية لعنة " ً. ظل هذا القائد يستمد ايمانه بقيم العداله الاجتماعية والحرية من منابع شتى ، من السودانيين الذين عاشوا على وجه هذه الارض منذ آلاف السنين لقاحيين وفرسان ، ومن الأديان ، ومن الوعي التراكمي الإنساني على مر العصور " قضية الحرية والعداله سوف تنتصر " هكذا كان يردد دائماً . كان هذا القائد شديد الوضوح حول قضية الديمقراطية والحرية لم يتراجع ابداً عن ايمانه بالحرية كطريق وحيد لاحترام كرامة الانسان حتى يومنا هذا كان يقول لي في الامسيات القديمة قبل اكثر من ربع قرن " لا تعيش أية رؤية أو مشروع انساني أو دولة أو مجتمع في غياب الحريات " قالها قبل ربع قرن وها هو يحتفظ ببهاء الحرية في عقله المنظم يقول ياسر في مقال جديد نشره في الخامس من ديسمبر 2016 تحت عنوان ( المحاربون القدامى لا يموتون إضاءات عابرة حول العلاقة بين فيديل كاسترو والحركة الشعبية) يقول ياسر" ومن الثابت لنا جميعاً أن قضايا الديمقراطية والحقوق الاساسية تقع في صلب قضايا التقدم الاجتماعي ولا غنى عنها لبناء مجتمع جديد "
ظل ياسر قريباً بثقافته ووعيه من غمار الناس ، له قدرة عجيبة على التأثير . لقد اكتشفت هذه القدرة بشكل أفضل عند أمي أطال الله عمرها ومتعها بالعافية وذلك عندما قدم هذا القائد الشعبي الى مدينة عطبرة خلال جولته الانتخابية في عام 2010. عرفت والدتي يومذاك أن ممثل الحركة الشعبية في هذا الانتخابات سوف يخاطب الجماهير وبالرغم من مكان اللقاء الجماهيري كان بعيداً إلا أنها أصرت على الذهاب لدعم هذا الزعيم الذي وعد كل الأمهات بغد أفضل لاطفالهن ، وعندما عرف القائد ذلك سعى خفاقاً للقائها ولغيرها من الامهات . عادت والدتي من لقائه وهي موقنة بأن الوطن لا يزال بخير ، ولا تزال والدتي تختزن لحظات ذلك اللقاء. ظل ياسر قادراً على التأثير على اليافعين من الشباب وفي الأمهات اللواتي طال إنتظارهن لفجر الخلاص. كان ياسر ولا يزال أقرب إلى مزاج السودانيين الصوفي وإلى صورة الفارس في المخيلة الشعبية السودانية ، كانت ولا تزال رؤيته تجسيداً حقيقياً لحلم السودانيين في وطن واسع متنوع الثقافات واللغات والأديان والألحان وطن كبير مترامي الجمال . كانت رؤيته التى تزعج طيور الظلام رؤية شديدة الإختلاف من الرؤية العبثية الخيالية الشديدة التخلف والقسوة التي يختزنها اسلاميو السودان في مخيلتهم الفقيرة والبائسة .. كان هنا مكمن الخطر الذي يشعر به اسلاميو السودان ومن هنا تأتي نداءات تصفيته ، نفسياً وجسديا من رموز الاسلاميين مثل عفاف تاور التي تبحث عن حزام ناسف وراشد عبد الرحيم الذي يتساءل في مقال له عن مصير ياسر عرمان ؟ . مهما كان رأي لصوص الحركة الإسلامية السودانية القابضين الان على اعناق شعبنا في هذا القائد الكبيرفان شعبنا الذكي يعرف من هم ابنائه وفرسانه كما يعرف من هم جلاديه .
إن شعبنا سيستعيد حريته لا شك في ذلك وستدور دورة النور والعلم وسيتعلم شعبنا من تجاربه المرة وسنبني متحفاً كبيراً لجرائم الهولكوست الاسلاموي في السودان ليطلع احفادنا على الكيفية التي سرقت بها الدولة الدينية المتوشحة بالدم احلام اجدادهم لعقود من الزمن ، وكيف قضى في دورتها الدموية مئات الآلاف من اهلهم ، سنوثق في متاحف الهولكوست الاسلاموي رحلة اجدادهم الطويلة نحو الحرية والانفلات من وعث الدولة الدينية التى بناها قساة ولصوص ستروا سيوفهم الملطخة بالدم وذهبهم المسروق بشعارات كاذبة ، سيرون في هذا المتحف اقببة التعذيب وبيوت الاشباح وآدوات التعذيب والقنابل الحارقة وصور الاطفال المحترقين في الكهوف وحبات الرمل المروية بدم الشهيد خليل ابراهيم ، وكل تاريخ وأرث الدم الذي تركه الاسلاميون السودانيون خلفهم ذات عقود كئيبة . في هذا المتحف سيجدون كراسة صغيرة ، كراسة صغيرة لاطفال المدارس عن قائد كبير منح حياته لشعبه قدر جهده ، تخبرهم عن الوجه الانساني لنضال السودانيين في زمن صعب ... كراسة صغيرة لاطفال المدارس عن قائد كبير حاول جهده ان يسهم في بناء عالم افضل لهم قائد اسمه ياسر عرمان .
ويبقى ما ينفع الناس
د جعفر كرار أحمد
كاتب وباحث سوداني


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.