دراسة مهداة لشباب الإنتفاضة


الطريق إلي الإنتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب السياسي العام

صفحات من كتاب شعبنا .

د. جعفر كرار أحمد- أستاذ جامعي وباحث سوداني .


كان هذا هو الباب الثاني (الفصل الأول والثاني ) من كتاب لي تحت الطبع بعنوان الربيع العربي عود إلى بدء – التجربة السودانية- ويتناول تجربة الإنتفاضة الشعبية المصحوبة بالأضراب السياسي العام والعصيان المدني خلال فترتي النظام العسكري الأول والثاني 1958 – 1964،  1969-1985 . وكان هذا الكتاب في الأصل بحثاً أكاديمياً تم تحت إشراف أستاذنا الجليل بروفسور الفاتح عبد الله عبد السلام بمعهد الدراسات الأفريقية والأسيوية بجامعة الخرطوم كجزء من متطلبات درجة الماجستير في ذلك المعهد العريق ، وقد أنجزهذا البحث في عام 1986 . ورأيت بعد ثورات الربيع العربي- الإفريقي أن أعده ككتاب للقاريء السوداني والعربي يحكي عن تجربتنا والدروس المستفادة منها . وكنت أقوم بمراجعته لإعداده للنشر و حرصت علي أن لا أتدخل في محتوياته التي كانت عليه في عام 1986. عندما هبت رياح الهبباي التي أرسلها شباببنا الذي خرج " لشغل الوطن "كما يقول أستاذنا الكبير عبد الله علي إبراهيم رأيت أن إستل هذا الجزء من الكتاب ونشرة الآن عل شبابنا الذين ملئوا الشوارع بالجسارة  يجدوا فيه ما يعينهم في إنتصار ثورتهم .إلا إنني أود أن انبه هنا إن البحث ربما تطرق لمواقف القوي التقليدية ونعني بها حزب الامة والاتحادي الدبمقراطي في فترة من فترات الحكم العسكري الأول مثل ترددهم في الإلتحاق بتيار الانتفاضة والإضراب السياسي العام ، إلا إنه وفي ظل حركة المقاومة الحالية فأن شباب هذين الحزبين يقودون حركة الإحتجاجات بجسارة جنباً الي جنب القوي الوطنية والديمقراطية الأخري بما فيها الإسلامية ممثلة في شباب المؤتمر الشعبي بزعامة الشيخ حسن الترابي .
وأهمية هذا الجزء من الكتاب يأتي من كونه يؤكد أن النضال المدني السلمي يمكن أن يسقط هذا النظام البائس . ويتناول هذا الجزء من الكتاب  نظرية الأضراب السياسي العام والعصيان المدني السودانية ، كيف إبتكرتها القوى الحية لشعبنا ؟ كيفية الإعداد ومواصلة الإنتفاضة ؟ ما هي آلياتها ؟. كيفية  تنظيم العمل اليومي والتعبئة في أماكن العمل والأحياء ؟ ، كيف أتحدت قوى شعبنا في جبهة واسعة إتسعت لكل المدارس الفكرية والقطاعات ؟ وكيف يمكن للعمل اليومي النضالي المنظم أن يرهق جهاز الدولة ويسقط النظام .إنها قصص الجسارة لشعبنا في ذات يوم .وأنا أدفع بهذا الجزء من الكتاب مهداه إلى أبنائنا الذين ينسجون خيوط الفجر ويملئون الساحات أعلم أن مياه كثيرة قد جرت تحت جسر النضال وأن أبنائنا قد إبتدعوا آليات جديدة، إلا أن تمليكهم صفحات نضرات من كتاب شعبنا .. جزء من تاريخ أبائهم سيكون حافزاً لهم في مواصلة المعركة الصعيبة الراهنة ضد نظام عقائدي قاسي وفاسد وبلا ضمير. هذا الجزء من الكتاب قد يمنحهم الأمل في أن النضال المدني يمكن أن يسكت فوهات البنادق التي يعدها لهم نظام المؤتمر اللاوطني السييء الصيت ...
أدفع بهذا الجزء من تاريخنا في صورته الأولى وأهتف في وجه هؤلاء الذين حولوا شعبنا إلى مجاميع من الجوعي والفقراء الهاربين من قسوة طائراتهم في قمم جبال كردفان ودارفور . ونثروا جثت أبناء شعبنا في مياه النهر العظيم في أرض المناصير في الشمال ، وعلى سطوح الجبال في جبال النوية وجنوب كردفان وفي سهول دارفور وفي شوارع بورتسودان ، أهتف في وجوههم الملعونة وأقول لهم أنتم خفافيش الظلام خرجتم من الكهوف  المظلمة ، وأنتم شذاذ الآفاق الذين أدمنوا الرقص على جثت شعبنا ، ونسوا الله فأنساهم الله أنفسهم
إن شعبنا يكرهكم .
لم نعد نخافلكم .
أخرجو من حياتنا وواجهوا مصيركم .
ولا نامت أعين الجبناء.


البــــــــــاب الثـــــــانى
الفصــــــل الأول

الاضراب السياسى العام فى السودان
التجربة الأولى 1958- 1964

بعد نضال مرير وعبر طريق طويل معمد بالدم والشهداء طوال تاريخ السودان الحديث استطاع السودان فى مطلع 1956م ان ينتزع استقلاله من بين براثن الامبريالية البريطانية الآفلة فى ذلك الوقت ، استقلال لا تلوثه معاهدات ولا احلاف ولا قواعد اجنبية .
ولكن كان اعلان الجمهورية الفتية ايذاناً ببدء صراع جديد فالقوة الاجتماعية الرئيسية كانت تحاول وضع سياسة البلاد فى الطريق الذى يلبى مصالحها بينما كانت القوة التقليدية تسعى جاهدة لتفريغ الاستقلال من مضمونه وربط البلاد بسياسة الاستعمار الحديث .
لقد وعت قوى العاملين وكل القوى الوطنية أهمية تعزيز الاستقلال السياسى بالاستقلال الاقتصادى وانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية .
هذه القوة المتنامية كانت تدعو الى تحويل جهاز الدولة الى جهاز ديمقراطى تعبر عن ارادة الاغلبية الشعبية وذلك بالقضاء على البيروقراطية وإزالة كافة القوانين المقيدة للحريات مثل قانون النشاط الهدام الذى كان يحرم نشر الفكر الشيوعى فى السودان وانتهاج سياسة خارجية مستقلة مساندة لحركات التحرر الوطنى فى افريقيا والعالم العربى.  وفتح باب التعاون الاقتصادى الدولى مع كل الدول على أساس االمنفعة المتبادلة وانشاء صناعة وطنية مستقلة وبإنهاء احتكار الشركات البريطانية الكبرى لتجارة الصادر والوارد والعقار والقضاء على نفوذ البنوك الاجنبية التى تضر باقتصادنا الوطنى .
كما كانت هذه القوى تدعو الى الاهتمام بالطبقة العاملة السودانية بوضع حد أدنى عادل للأجور ونشر شبكة واسعة من الخدمات الصحية والاجتماعية على نطاق السودان كله . ووضع التعليم فى متناول الجميع .
وقد رأت القوى الوطنية والتقدميه ان هذا البرنامج يمكن تنفيذه فى ظل تشكيل وزارة للوحدة القومية تضم كافة الاحزاب ومن بينها الجبهة المعادية للاستعمار وكتلة العمال والمزارعين لتحرير الاقتصاد والحفاظ على الديمقراطية وتقوية عودها .
هذا ماكانت تراه القوى النيره المتمثلة فى نقابات العمال والمهنين والقوى التقدمية والوطنية والديمقراطية . أما القوى التقليدية فقد بذلت كل طاقتها من أجل الحفاظ على جهاز دولة ديكتاتورى بيروقراطى معادى للشعب وابقوا على القوانين المقيدة للحريات وبقية المؤسسات المتخلفة فى الريف . أما فى حقل السياسة الخارجية فقد رعت القوى التقليدية مصالح الاستعمار وحجمت من دور السودان عالمياً واتخذوا موقف الحياد السلبي بين عراق حلف بغداد والدول العربية المتحرره وتوجوا كل السياسة الرامية الى نسف الاستقلال السياسي بوصول المعونة الأمريكية المشروطة .
ولم تستكن القوى الديمقراطية والوطنية لسياسات القوى التقليدية فشرعت تنظم صفوفها وتناضل فى عناء ضد السياسات الرجعية للحكومة المؤتلفه . ولقد وصلت حركة المقاومة لهذه السياسات ذروتها فى الإضراب التاريخي الذي دعي اليه اتحاد النقابات وتم تنفيذه فى 21 اكتوبر 1958 م .   ولقد صحب هذا الاضراب مظاهرات ضخمة وكانت هتافات وشعارات ذلك الموكب تنحصر اساساً فى وحدة المعسكر الوطنى وضد المعونة الأمريكية . وبدأت الجماهير العاملة تبرز كقوة داعية للديمقراطية والوحدة .
وقد نجح ذلك الإضراب والموكب أو المواكب التي انتظمت كل أنحاء البلاد وكان واضحاً ان القوى الوطنية تقترب من بعضها وانها ستلتقى عند انعقاد البرلمان فى 17 نوفمبر من ذلك العام .
فبعد إتساع الحركة الجماهيرية تتقدمها الطبقة العاملة السودانية المنتظمة فى نقاباتها ذات الشعارات التقدمية المضمون ضد الاستعمار الامريكى وعملائه فى الداخل ودوائر رأس المال الاجنبى والسوق الأوربية المشتركة كما كانت تري الأمر الحركة الشيوعية السودانية، وبات واضحاً أن جبهة عريضة تضم اغلبية من نواب البرلمان قد تكونت وانها ستطيح بحكومة عبدالله خليل عند إنعقاد جلسة البرلمان في 17 نوفمبر وتقيم مكانها حكومة اقرب الى مصالح الشعب . وأهم من هذا ان الجماهير خارج البرلمان كانت قد رصت صفوفها أكثر وأكثر واقتربت من الصدام المباشر مع الحكومة في ذلك الوقت .
فى هذا الوقت الذى تقدمت فيه القوى الحديثة بالمعركة الى نهايتها المعروفة ممسكة بذمام الحركة الجماهيرية الديمقراطية جاذبة اليها حتى بعض نواب حزب الامة .   وقطاعات هائلة من جماهير الاحزاب الاخرى . فى ذلك الوقت نقل الاستعمار واعوانه معركة الصراع الاجتماعى من الأشكال البرلمانية الي الاشكال الديكتاتورية المكشوفة . ونقلوا الصراع من حيزه السلمى الى حيز اشهار السلاح فى وجه الحركة الديمقراطية للشعب .
وكان الانقلاب الأول فى تاريخ السودان كان انقلاباً رجعياً منذ ولادته . إذ انه بحكم القوى التى جاءت به وعملت على اتاحة الفرصه له من البداية يشمل امتداداً طبيعياً لسياسة حزب الامة باكثر مراحل هذا الحزب تخلفاً وهشاشة وكان امتداداً لسياسة حزب الحركة الديمقراطية ، ولتمهيد السبيل عن طريق القمع المكشوف لاخضاع السودان لدوائر الاستعمار الحديث وخصوصاً الامبريالية الامريكية التى كانت تعمل فى ذلك الوقت لتحل محل الامبراطوريه البريطانية بعد ان دب فيها الوهن والضعف وافل نجمها ولم تعد قادرة على حماية مصالح الغرب. ويبدو ان الشيوعين السودانيين فى بيانهم بتاريخ 18/11/1958م حين وصفوا الانقلاب بأنه امريكى لم يكونوا على خطأ .   إذ بعد ثمانية وعشرون عاماً ينشر السيد احمد بخارى عضو المكتب السياسى لحزب الامة وعضو البرلمان لأكثر من دورة فى ذلك الوقت في حديثً لجريدة الصحافة يكشف فيه العلاقة بين تحرك الجيش فى 17 نوفمبر والمخابرات الامريكية وذلك بعد الازمة التى استفحلت داخل النظام نفسه ورفض حزب الشعب الديمقراطى للمعونة الامريكية واشتداد ساعد المعارضه ضده حيث وضح ان الحكومة القادمة ستكون حكومة ائتلافيه بين الاتحاديين وبين حزب الشعب الديمقراطى وهدد عبدالله خليل حزبه ووزرائه بالاستقالة ، الامر الذى ناقشته الهيئة البرلمانية لحزب الامة فى اجتماع خاص خرج بعده السيد عبدالله خليل غاضباً بلا استئذان ، وبعد ايام قليله من هذا الاجتماع العاصف ارسل سفيرنا فى القاهرة السيد/ يوسف مصطفى التنى تقريراً استلمه من صحفى امريكى – اتضح فيما بعد انه من قبل المخابرات الامريكية – يقول التقرير ان اسماعيل الازهرى وعلى عبدالرحمن وكلاهما كانا فى مصر – قد اجتمعا مع الرئيس جمال عبدالناصر واتفق معهما على اسقاط حكومة عبدالله خليل من داخل البرلمان واعلان الاتحاد مع مصر . واثر ذلك دعا عبدالله خليل الهيئة البرلمانية والمكتب السياسى معلناً ان الموقف بات خطيراً جداً . 
لقد كان من الواضح  أن الانقلاب الامريكى فى نوفمبر 1958م لم يكن وليد صدفه أو تحليل سطحى للوضع السياسى فى السودان . لقد درست القوى التقليدية المعادية للديمقراطية والتى سلمت السلطة للعسكر ، الوضع السياسى فى تلك الفترة التى اتسمت بنمو وازدياد حجم القوى الحديثة التى ظهرت كقوى هائلة قادرة على التأثير على القرار السياسى فى السودان ، وهي ذات القوى التى ستقود معركة الاضراب السياسى العام فى المستقبل . هذه القوى هى فى الاساس الطبقة العاملة السودانية وقوى المزارعيين والطلاب والمهنيين والمثقفين الديمقراطيين  ورجال ونساء الخدمة المدنية .
ان هذه القوى التى دافعت عن برنامج سياسي يربط بقوة بين الحريات والتنمية الإقنصادية والسيادة الوطنية  تعود جذورها القريبة الى عشرينات هذا القرن حينما بدأت حركة الطبقة العاملة السودانية تنمو فى العشرينات متأثرة بالفكر الاشتراكى الذي كانت تبشر به بعض طلائع العمال والموظفين المصرين والجنود الانجليزالعاملين في السودان ، يقول دكتور جعفر محمد على بخيت "ان الافكار الماركيسية وجدت طريقها للسودان عن طريق الحزب الشيوعى المصرى الذى تأسس عام 1919م ، وكذلك عن طريق العمال اللذين يعملون بالسكة حديد بعطبرة والذين ينتمون الى آرمينيا ووسط اوربا ودول البلطيق". 
هذه القوى ترعرعت ونمت حتى قوى عودها وهى تخوض معاركها ضد الاستعمار من أجل حق التنظيم ، متوجه نضالها باضرابها الشهير فى آواخر عام 1947م الذى استمر ثلاثة وثلاثين يوماً .   وساندته كل قوى شعبنا المناهضة للاستعمار مكتشفه بهذا الاضراب سلاحاً جديداً منتقلة بالحركة الوطنية كلها من حرب المذكرات والخطب والمفاوضات الى مرحلة الصدام المباشر مع الاستعمار. وامام وحدة هذه القوى الحديثة فى المجتمع وامام صمودها البطولى رضخت دوائر الاستعمار فى ذلك الوقت للاعتراف بهيئة شئون العمال نواة التنظيم النقابى فى السودان . ولم تقف معاركها المتوجه بالانتصارات بعد ذلك فخاضت معركتها ضد القوانين التى تنظم الحركة النقابية وعلاقات العمل فصدر قانون العمل والعمال عام 1948 الذي ل لبى الشروط الاساسية لديمقراطية التنظيم النقابى . لقد حُظى صدور ذلك القانون صفحة جديدة من تاريخ السودان إذ كان أول تشريع فى ظل الاستعمار لا تفرضه ارادته وانما تفرضه ارادة الجماهير المنتجه الحديثه .
وبانتظام العمال فى نقاباتهم وعلى أثر صدور قانون 1948م انفتح الباب على مصراعيه امام جماهير كل المهن لتنظيم نفسها فى الاشكال التى تناسبها ، وشهدت البلاد حركة تنظيمية واسعة شملت الطلاب والموظفين والمحامين والأطباء والشباب والنساء والاقسام المتقدمة من المزارعين .
وهكذا بدأت هذه القوى الحديثه تشق طريقها مكتشفه وسائل جديدة لتنظيم نفسها محطمة الاشكال التقليدية القديمة وقد كانت تستفيد من جوانبها الإيجابية ، كحركة الطلاب والموظفين الذين حاولوا ان ينظموا صفوفهم منذ 1918م فى نادى الخريجين ثم مؤتمر الخريجين 1937 م فى محاولة لإيجاد اطار تنظيمى يعبر عن طموحاتهم وآرائهم مستفيدين من فترة الانفراجه الديمقراطيه النسبية فى عهد سايمس وتوسيع قاعدة التعليم والنجاحات الأولية التى لقيها مؤتمر الخريجين ومن قبل اضراب الطلاب الشهير الذى يعتبر أول اضراب فى السودان تنظمه العناصر السودانية فى عام 1934 . 
بعدها عادت هذه القوى لتتجمع مرة أخرى فى مؤتمر الخريجين لتبدأ نضالها ضد الاتجاهات الطائفية والاستعمار لتنقسم الى تيارين رئيسين لتسقط هذه القوى – لضعفها وتكوينها الفكرى الهش –فى احضان الطائفية التى استطاعت ان تجذب الحركة الى احضانها وليتكون تيار تقوده طائفة الختمية وآخر تقوده طائفة الانصار .
ولا شك ان الصراع كان يدور بين هذين التيارين لوقت طويل وحتى نشؤ الاحزاب فى 1945م حيث ظهرت هذه القوى وخصوصاً بعد ثورة 1924 كقوى لا يمكن تجاهلها ابداً ولا يمكن القفز فوقها وانها اخذت تهدد الوجود الفعلى للقوى الطائفية وخصوصاً بعد ان استطاعت هذه القوى الحديثة ان تنشئ أول حزب سياسى إن صح التعبير وهو الاتحاد السودانى .  وان تنظم اكثر المنظمات قوة وجماهيرية وهى اللواء الابيض هذا التنظيم الذى استطاع ان يقود حركة المقاومة ضد الاستعمار البريطانى بشجاعة نادرة ودرجة من التنظيم معتمداً على جماهير المدن متجاوزاً القيادات الطائئفية التقليدية الموالية للاستعمار البريطانى . بل ان القوى الحديثة فى تلك الفترة اخذت تهدد مناطق نفوذ القوى التقليدية نفسها وذلك بتغلغلها فى الريف وتبنيها لمشاكله الاساسية . 
وبلغ نفوذ هذه القوى الجديدة فى المجتمع الى حد اشعال الانتفاضات فى المدن ضد الاستعمار مستعرضة قوتها بالصدام المسلح المباشر مع الاستعمار البريطانى .
وقد إبتدعت هذه القوى ادوات نضال متنوعة مثل تحريرر وتوزيع المنشورات السرية. وبهزيمة انتفاضة 1924 التى كانت هزيمة للقوى الحديثة (الطبقة الوسطى الناشئة الجديدة ) لضعف برنامجها وعدم نضوج اهدافها ووضوح برنامجها الذى فشل آنذاك فى استقطاب الجماهير .  نجح الاستعمارمؤقتاً  فى تقليم اظافر القوى الحديثة بالتعاون التام مع القوى التقليدية المتمثلة فى طوائف الختمية والانصار والهندية . وعملت الحكومة الإستعمارية علي  تقليص التعليم الذى فرخ هذه القوى المتنامية وعملت علي مطاردتها ومضايقتها، ولكن القوى التقليدية فطنت ايضاً الى اهمية اختراق هذه القوى فبدأت من ذلك الوقت فى الاقتراب منها حتى استطاعت فى النهاية وعند انشاء مؤتمر الخريجين ان تخترق المؤتمر وتعمل على شقه وإثارة الخلاف داخله كى تخرج من رحم المؤتمر الاحزاب السودانية الكبرى .
وقد تابعت هذه القوى من خلال احزابها وهيئاتها النضال ضد الاستعمار حتى توحدت تحت شعار تقرير المصير للشعب السودانى بعد ان طرحت العناصر الأكثر تقدمية فى اوساط القوى السياسية السودانية شعار تقرير المصير للشعب السودانى والنضال المشترك مع الشعب المصرى بديلاً عن السودان تحت التاج البريطانى أو السودان تحت التاج المصرى .
لاشك ان قيادات الاحزاب الطائفية الكبرى استطاعت ان تجتذب الى صفوفها الكثير من الكفاءات المحسسوبة علي تيارات القوى الحديثة التي شاركت في إدارة جهاز الدولة بعد الإستقلال وتعايشت مع البرامج السياسية والإقتصادية الفقيرة للقوى الطائفية في ذلك الوقت .
ولكن الاغلبية الساحقة من جماهير هذه القوى لم تكن بمستكينة فقد خاضت نضالها كما اسلفنا حتى انتزع العمال السودانيون حق التنظيم واجبار السلطة لتشريع قوانين 1948 النقابية فبدأت هذه القوى تجمع نفسها فى النقابات والإتحادات إستعداداً لمعاركها القادمة بعد أن فتحت الطبقة العاملة الطريق أمامها  بكثير من التحديات والشهداء .
وقامت طليعة القوى الحديثة الطبقة العاملة السودانية بدور كبير وقسط وافر فى النضال ضد الاستعمار بعد ان ناضلوا حتى كونوا الاتحاد العام لنقابات العمال الذى نادى بحق تقرير المصير للسودان طارحاً للقوى الوطنيةفي عام 1952دعوة لقيام جبهة متحدة لتحرر السودان  تضم الى جانب ممثلى اتحاد عمال السودان ممثلى الاحزاب السياسية االسودانية .
خاض الاتحاد العام للنقابات بوصفه طليعة القوى الحديثة معارك عنيفه ضد الاستعمار منذ اضراب 1952 الاضراب العام الذي اشتهر فى تاريخ الحركة النقابية باضراب الحريات وذلك لأن الاضراب كان قائماً اساساً ضد اصدار  قانون الطوارئ وقانون النشاط الهدام المعوق للعمل النقابى .
ان القوى الحديثة صاحبة النضال المنظم فى السودان ومنفذة الاضراب السياسى العام كانت تدرك منذ زمن طويل سر قوتها فى اقترابها من بعضها الآخر وفى العمل على تنظيم قواها ولذلك قام الاتحاد العام لعمال السودان ببذل جهود كبيرة لاستنهاض المزارعين وتنظيمهم فى مؤسسات نضالية تدافع عن مصالحهم وحقوقهم وتشارك فى النضال الوطنى ، فبمساعدت عمال السكة حديد بعطبرة ولجان العمال الوطنية تأسس اتحاد مزارعى الشمالية ، وبمجهود الاتحاد الفرعى للنقابات فى مدنى والشيوعين فى ارجاء الجزيرة تأسس اتحاد مزارعى الجزيرة..
إن اتحاد مزارعى الجزيرة ألهم الاتحادات وبشكل خاص  جماهير المزارعين والمنتجين للقطن فى النيلين االأزرق والابيض وفى القاش وطوكر وجبال النوبة فنهضوا لتأسيس اتحادات مماثلة بنضال شاق ودموى فى بعض الاحيان كما حدث عند تأسيس اتحاد مزارعى النيل الابيض فى جنوب كوستى حيث استشهد بعض المزارعين فى مشروع جودة فى فبراير 1956م . 
لقد كان يتضح جلياً لطلائع القوة الحديثة المنظمة فى نقابات العمال أن التضامن من مختلف الهيئات والفئات هام لتحقيق النصر لأن العدو الذى يواجه الجميع هو الاستعمار وعملائه فى الداخل وأن أية موقع تكسبه أية فئة من ذلك العدو هو فى الواقع اضعاف له وتأمين للمكاسب التى حققتها الفئات الأخرى وبهذا الوعى الطليعى قاد الاتحاد العام للنقابات جماهير العمال لتأييد كل المعارك التى تخوضها الفئات الاخرى مقدمين تضحيات جمة فى هذا السبيل . ويشهد على ذلك مواقف الاتحاد إيذاء الحركة الطلابية خاصة بعد ان فصلت حكومة الجمعية التشريعية ما يزيد عن المئة من طلبة مدرسة خور طقت الثانوية وتأيد الاتحاد العملي لاضراب البوليس الذى وقع عام 1952م ودعمه القوي  لقادة ذلك الاضراب.   وحركة الاحتاج الواسعة التى  قام بها الاتحاد العام لنقابات العمال عندما وقعت مجزرة مشروع جودة الزراعى عام 1956 . هذا  الدعم الواسع والمتنوع الذي قدمته حركة الطبقة العاملة السودانية لمختلف النقابات والإتحادات علمت جماهير القوى الحديثة عموماً والطبقة العاملة خاصة أهمية تضامن كل القوى المقهورة فى نضالها ضد قاهريها .
لقد كانت دروس التضامن الفئوى والنقابى جد مفيدة للقوى الحديثة حيث ساعدتها تقاليد التضامن في إستيعاب نظرية الاضراب السياسى العام حينتم طرحها لاحقاً طرح ولم تجدها صعبة الفهم والتنفيذ عندما  وجدت الاحزاب التقليدية الامر كذلك .

القوى الحديثة تقاوم النظام العسكرى وتبتكرسلاح الإضراب العام
منذ الساعات الأولى للانقلاب اعلن الحزب الشيوعى السودانى معارضته للحكم العسكرى واصفاً الانقلاب بأنه رجعى ودعا الشعب لمقاومته . 
لتبدأ منذ الساعات الأولى لتوزيع بيان الحركة العمالية الحليف القوى للحزب الشيوعى فى ذلك الوقت القوي الحديثة  تستعد لمعركة الديمقراطية بينما بدأت الخلايا الشيوعية النشطة داخل الحركة الطلابية تستعد هى الاخرى لتبدأ أولى معاركها .
اما عن جبهة القوى التقليدية فقد كان الامر مختلفاً تماماً فقد ايدت الطائفتين الرئيسيتين فى السودان الانقلاب وهما طائفة الختمية والانصار بزعامة السيد على الميرغنى والسيد عبدالرحمن المهدى وذلك ببيان اذاعه راديو أمدرمان ام درمان .   وكان هذا يعنى تأييد هيئتي الانصار والختمية للانقلاب. أما السيد اسماعيل الازهرى فلم يكن يرى فى الانقلاب فى بدايته خطراً كبيراً بل انه كان يثق فى وطنيه الضباط الذين نفذوه  ويرى "ان يعطوا الفرصة ليعملوا فلعلهم يوفقون فيما لم توفق الاحزاب فيه مشيراً الى انهم لن يضعوا العراقيل امامهم وسيفسحوا امامهم الطريق للعمل فالمهم خير البلد ". 
وهكذا استكانت القوى التقليدية خلال العام الأول من عمر الانقلاب العسكرى الأول وأخلدت للراحة والتأييد . أما القوى الحديثة المنظمة فى نقاباتها وفى احزابها الطليعية فقد كانت ترى ان كل ما جاء به عبود فى انقلابه لم يكن مبرراً لتغيير حكم برلمانى بحكم عسكرى مهما كانت اخطاء النظام البرلمانى السابق . وبعد تعطيل النشاط النقابى وحل الاتحاد العام للنقابات بايام قليلة ارسل الاتحاد العام للنقابات فى الثامن من ديسمبر 1958 مذكرة تطالب باعادة النشاط النقابى مؤكدة ان حجج النظام العسكرى الجديد والتى على اساسها تم تعطيل العمل النقابى والتى تلخصت  فى عبارة واحدة وهى الاحوال الامنية للبلاد ، حجة مردود عليها  مشيرأً الى ان اللجنة التنفيذية ستتمسك بحق النقابات والاتحاد العام فى ممارسة النشاط النقابى . وكان رد الحكام العسكريين علي مذكرة الحركة العمالية  هو الهجوم على مقر جريدة الطليعة التابعة للإتحاد العام للعمال واعتقال اربعة عشرة من قادة النقابات فى 17 ديسمبر وتقديمهم لمحاكم عسكرية شكلت بمقتضى القوانين الإستثنائية والتى حكمت على خمسة منهم ومن بينهم السكرتير العام للاتحاد السيد الشفيع احمد الشيخ مدداً وصلت مجموعها 21 عاماً . 
وفتح النظام ابواب السجون للمعارضه النقابية ورغم حملة القمع هذه إلا ان الوفود لم تنقطع مطالبة بالحقوق النقابية والديمقراطية .
الى ان جاء يوم 21 اكتوبر 1959م حيث انعقد فى الجريف مؤتمر سري فى يوم 21 اكتوبر 1959 وفيه تقرر رفع مذكرة شديدة اللهجة الى الحكومة . وفى اليوم الأول من نوفمبر 1959 رفعت قيادات العمال مذكرة اعتقلوا على اثرها ، وفى 2 نوفمبر أى فى اليوم التالى تم اضراب عمال السكة حديد فى الخرطوم تأييداً لمطالب تلك المذكرة واحتجاجاً على اعتقال اقادة الحركة العمالية.
وأهمية هذا الاضراب فى كونه أول اضراب يقع بعد الانقلاب العسكرى فكسر حاجز الخوف وتحطمت هيبة النظام وفضح ضعفه ، وهكذا تتقدم القوى الحديثة مرة اخرى فى طليعة المعارك الوطنية متصدية ببسالة ووعى لقضية الديمقراطية مستعدة للصدام وفى طليعتها الطبقة العاملة السودانية الرقم الثابت فى معركة التغيير السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى السودان .
ان الاضراب السياسى المنظم الذى خاضته الطبقة العاملة من أجل حق التنظيم كان اشارة ذات مغزى لبقية القوى الحديثة تحرضها علي  شهر اسلحتها وإظهار أرادة المقاومة وإمكانيتها،  فنهضت حركة جماهيرية واسعة تطالب بالحريات الديمقراطية وعودة الجيش الى ثكناته وتصفية الحكم العسكري ، وقد عبرت مذكرات الطلاب والمحامين وعرائض العمال و المزارعين التى وقع عليها آلاف من مزارعى الجزيرة والنيل الابيض والأزرقعن هذه المطالب بشكل جلي . 
وإزاء ضغط الحركة الجماهيرية اصدر النظام العسكرى قانون 1960 الذى يعترف بحق التنظينم النقابى ولكنه يحرم الاضراب ولقد منح هذا القانون رغم علاته الحركة الجماهرية ثقة كبيرة  في قدرتها علي المقاومة وتحقيق الإنتصارات رغم ظروف القمع وغياب الحريات .  وكان هذا أول تراجع للسلطة وبالفعل شنت الحركة العمالية عدة اضرابات رغم وجود هذا القانون .
وما أن حل صيف 1961 كان جميع العمال الذين يسمح القانون لهم بتكوين النقابات قد انتظموا فى نقاباتهم وكان هذا بحد ذاته يمثل نصراً كبيراً للطبقة العاملة وجميع القوى الحديثة والديمقراطية فى السودان .
بعد اكتساب العمال حق الانتظام فى نقابات بدأوا يتحفزون للصدام مع الدكتاتورية العسكرية وجاء الاضراب التاريخى الذى اعلنته نقابة عمال السكة حديد فى الفترة 17- 24 يوينو 1961 .  والذى طالبت فيه بالغاء قانون العمل والعمال لسنة 1960 والعودة الى قانون عام 1948 وزيادة اجور العمال بنسبة 45% ، وتعديل كادر ويكفيلد ورفع حالة الطوارئ . بلغ الهلع والخوف بالنظام العسكرى حداً كبيراً ، فبعد أن فشلت كل محاولاته لإثناء العمال عن تنفيذ الإضراب خرجت قوات البوليس المسلحة تجوب الطرقات فى الخرطوم وعطبرة وكل المدن الرئيسية وقام البوليس بحملة اعتقالات واسعة فى تلك المدن .
وعندما تأكدت الحكومة من تصميم العمال على تنفيذ الاضراب اقدمت على حل نقابة عمال السكة حديد قبل 3 أيام من موعد الإضراب ،إلا أن الحزب الشيوعى السودانى الحليف الطبيعى لحركة الطبقة العاملة كان قد أصدر بياناً وزع توزيعاً جيداً حث فيه العمال ضرورة التمسك بالاضراب والمضى به قُدماً وإلا فان مكاسبهم ستضيع كلها مما دعا بقية عمال السودان لاعلان تضامنهم مع عمال السكة حديد وكانت بيانات الحزب الشيوعى السوداني عاملاً هاماً للعمال ترسم لهم  خطوات عملهم القادمة . 
وبالفعل تم تنفيذ الاضراب موجهاً ضربة قوية وناجحة لوجه الدكتاتورية الكالح .
ولقد كان من الآثار السياسية لذلك الاضراب ان تحركت احزاب المعارضه وواجهت النظام الحاكم لأول مرة منذ نوفمبر 1959 مما أدى الى نفى زعماء الاحزاب الى جوبا يوم 14/7/1961 .
وما دمنا بصدد انتصارات الطبقة العاملة السودانية لابد ان نشير لاضراب 25 يوليو 1961 الذى دفعت اليه بعض العناصر الانتهازية دافعه العمال لدخول اضراب لم تعد له القوة وكان ان فشل هذا الاضراب تاركاً الكثير من الكدمات والجروح لازمت الطبقة العاملة لوقت طويل .
يري هذا الكاتب أن تاريخ 2 يوليو 1961 معلماً بارزاً فى مسيرة تطور الفكر السياسى السودانى . ففى صيف 1961 بدأ الحزب الشيوعى السودانى ينافس ويبحث عن افضل السبل لتسديد ضربة قاضية للنظام العسكرى للاطاحة به وقد بدأت تلك المناقشة ببيان تحت عنوان تفاقم الازمة الثورية وتفكك الدكتاتورية صدر بتاريخ 2/7/1961 . 
وقد بدأ البيان بتحليل الموقف السياسى فى تلك الايام مستعرضاً اتساع ونهوض الحركة الجماهيرية ونجاح اضراب العمال فى النصف الثانى من يونيو مشيراً الى امكانية تسديد ضربة قاضية له من جانب القوى الثورية .
ولنترك الطبقة العاملة السودانية والبيان الشيوعى الذى يحمل بوادر طرح نظرية الاضراب السياسى العام لأهمية الاشارة الى نضال القوى الحديثة فى السنوات من 1958- حتى اغسطس 1961 .. ضد النظام العسكرى لأن هذه الجبهة ، جبهة  المزارعين والمهنين والمحامين والطلاب هى جبهة الاضراب السياسى العام . لقد كان اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في مقدمة حركة النضال الطلابية فى السودان وقد بدأ هذه الإتحاد الوطني صراعه مع الدكتاتورية العسكرية الأولي مبكراً ، وتعتبر المذكرة التي رفعها الإتحاد الي المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 10 سبتمبر 1959م والتي بلور فيها مطالب وأشواق الحركة الطلابية والشعب السودانى فى الحياة الديمقراطية والكريمة واقامة حكومة مدنية تمثل كافة الاتجاهات السياسية الوطنية ووضع دستور دائم للسودان والغاء جميع القوانين المقيدة للحريات ، واحدة من أهم الوثائق المعبرة عن أماني شعبنا في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة . 
وكرد فعل لهذه المذكرة اعتقلت السلطات لجنة الاتحاد والتى كانت برئاسة الاستاذ جعفر شيخ ادريس ودخل الاتحاد فى اضراب فى 13 نوفمبر 1959 . 
فى ذلك الوقت اصدر الحزب الشيوعى السودانى بياناً يدعو فيه المواطنين لتدعيم موقف طلبة الجامعة وتشديد الضربات للنظام العسكرى داعياً جماهير العمال والمزارعين والتجار والمثقفين الوطنين ان يهبوا جميعاً للتضامن مع الطلبة لانقاذ البلاد من حكم الدكتاتورية الخانقة . 
واخذت مقاومة الطلاب تقوى وتتسع فقد اضرب طلاب معهد شمبات عن الدراسة والطعام واعتصموا بالداخليات احتجاجاً على فصل الطالب ابراهيم محمد احمد بتهمة الشغب والتحريض .
ويعتبر اضراب طلاب جامعة الخرطوم يوم 13/11/1959 تضامناً مع اضراب عمال السكة حديد بالخرطوم بتاريخ 2/11/1959 واحداً من اشكال التضامن الذى ابتكرته القوى الحديثة فى السودان فى محاولتها التاريخية لتجميع صفوفها والمضى الي الأمام لتحقيق أهدافها .
ان هذا التضامن كان مثالاً رائعاً للتحالف العمالى الطلابى. لقد اكتسبت الحركة الطلابية منذ مذكرة 10 سبتمبر وإتساع حركة المقاومة الطلابية للحكم العسكرى فى كل مدن السودان والاقاليم وبخروجها المستمر الى الشوارع  ، مقدرة صدامية هائلة .
وإزاء إتساع حركة المقاومة الطلابية التي لعبت خلالها إنحادات جامعة الخرطوم دوراً رئيسياً خلالها  حاول النظام العسكرى عبر ادارة الجامعة ان يفرض القانون رقم 9 الذي يرمي الى  تحويل  الاتحاد الى مكتب ادارى بلا مواقف قومية .
فهب الطلاب يدافعون عن دستورهم الشرعى الذى اجازته الجمعية العمومية متمسكين بحقهم فى المساهمة فى المسائل القومية وامام وحدة الحركة الطلابية لم تجد الجامعة سوى حل الاتحاد فى يوم 25/10/1960 وأعتبرت الحكومة الإتحاد ونشاطاته غير شرعية ، إلا أن الإتجحاد واصل معركته لإسترداد الديمقراطية ، ونشط في معارك مناصرة الشعب النوبي إبان وبعد عملية التهجير التي تمت لفسح الطريق لبناء السد العالي . 
لقد كانت لمناصرة الحركة الطلابية لقضية الشعب النوبى اثراً كبيراً فى ازدياد الالتفاف الجماهيرى حولها  فقد خرجتالآلاف من طلاب جامعة الخرطوم والقاهرة الفرع والاحفاد تعبر عن استيائها من سياسات الحكم العسكرى مطالبة باسقاطه ، فتعرضت قيادات الحركة الطلابية للإعتقال والفصل التعسفى ، كما ان السلطة تجرأت وهاجمت الطالبات فى الداخليات منتهكة كل الاعراف التي تعارف عليها شعبنا .   لقد اتضح مدى النضج الوطنى والإنساني والقوة الثورية والصدامية التى تتمتع بها الحركة الطلابية السودانية اثر اعتقال الزعيم الكنغولى باتريس لومبا ، فقد سيرت الحركة الطلابية الغاضبة والمتضامنة مع الزعيم التأريخي لشعب الكنغو مواكبها فى كل انحاء السودان . هكذا نري أن الحركة الطلابية كانت حركة نشطة جبدة التنظيم وفصيل صدامي متقدم لم تثنيه عن واجباته الوطنية إكتظاظ  قوائم المعتقلين والمفصولين  بقياداته وعضويته ودون ان يخمد حماسها .
اما عن جبهة المزارعين فقد ساهم الشيوعيون والديمقراطيون والكوادر المتقدمة فى اوساط المزارعين في إعادة  تنظيم حركة المزارعين مرة اخرى بعد النكسات التى اصابت الحركة إثر تغلغل الخط الانتهازى فى كثير من الإتحادات  ، حيث عمل الشيوعيون السودانيون وغيرهم من القوي الديمقراطية علي إستنهاض حركة المزارعين مرة أخري ومدوا أيديهم  للمزارعين فى ام هانى والخنجر والشوال والبساطة وغيرها من مشاريع النيل الازرق والابيض .
وبالفعل تمت اضرابات فى الجزيرة وجبال النوبة والفاشر ، كما عملت القوى الوطنية والديمقراطية  لجلب التأييد لاضراب مزارعى الفاشر الكبير 1961 وذلك اداراكاً من هذه القوى بان نضال المزارعين وتضامن الطلاب والعمال معهم  أمر حاسم في معارك القضاء على نظام 17 نوفمبر.
وتماماً كالمزارعين والعمال والطلاب اخذ المثقفون السودانيون مكانهم فى موكب النضال ضد النظام  العسكري الأولى . فقد لعب المحامون السودانيون دوراً ملحوظاً فى الدفاع عن الحريات فقد وقف المحامون يدافعون متطوعين بامانة وشرف عن جميع الوطنيين الذين واجهوا محاكم النظام العسكرى . وقد رفع المحامون عبر نقاباتهم مذكرات عدة فى اوقات مختلفة تطالب بانهاء الحكم العسكرى .
وقد نظم المحامون موكباً ورفعوا  مذكرة للنظام الحاكم فى فبراير 1962 يكشفون فيها الطبية الرجعية للنظام ،مطالبين فيه النظام المتواطيء بالإعتراف بحكومة أنولوان  فيرنجا كحكومة شرعية للكنغو . وقد اعتقل نتيجة لذلك المحامى فاروق مصطفى ابوعيسى وحكم عليه بالسجن ستة اشهر . كما ارسلت نقابة مذكرة تستنكر فيها تعذيب المعتقل حسنين حسن . 
أما القضاة السودانيون الذين حاول محمد احمد ابو رنات رئيس القضاة الى تحويلهم الى  اداة فى يد الطغمة العسكرية فلم يستسلموا لهذا  لهذا الاتجاه . وكان أوضح المواقف هو موقف القضاة الثلاثة الطيب عباس وعثمان خالد وعلى محمود حسنين الذين رفضوا بيع ضمائرهم وهم يحققون فى احد القضايا الإخلاقية التى هزت الرأى العام في ذاك الوقت مما أدى  الى فصل ثلاثتهم من السلك القضائى كما احيل القاضى عبدالرحمن النور الى المعاش تحت المادة 32 ب لمعارضته للنظام العسكرى . 
أما الاطباء السودانيون فقد تعرض الكثير منهم الى اضطهاد النظام العسكري بسبب مواقفهم الوطنية كما حدث بالنسبة للدكتور احمد بخيت الذى مُنع من العمل فى المستشفيات الحكومية رغم حصوله على شهادات عاليه فى الجراحة من الاتحاد السوفيتى . كما منع الدكتور مامون محمد حسين من العمل ايضاً بسبب مواقفه ضد النظام العسكرى . كما اعتقل الدكتور عزالدين على عامر مرتين ونفى النى ناقشوط.  وهكذا نرى ان القوى الحديثة النشطة سياساً اصبحت تشكل صداعاً دائماً للحكم العسكرى وخطراً حقيقياً على نفوذ القوى التقليدية .
وطلائع الجيش وضباطه وجنوده الاحرار الذين لايمكن الا ان تدرجهم تحت لافته القوى الحديثة الملتزمة بالنضال الوطنى . وعبر فهمنا لبنية المؤسسة العسكرية نستطيع ان نضع باطمئنان فئة صغار الضباط والجنود فى صف القوى الاكثر قرباً من الشعب خلافاً لجنرالات الجيش الذين يدافعون فى كل الاحيان – ماعدا استثناء بسيط – عن مصالح الطبقات العليا والمجموعات الحاكمة.
ان الضباط والجنود كقوى حديثة مقاومة لعبت دورها فى التاريخ الوطنى الحديث وبدأت معاركها مبكرة ضد الاستعمار منذ 1865 مروراً بحركة 1924 التى قادها طلائع الضباط والجنود ضد الوجود الاجنبى.  هذه القوى الحديثة من الضباط والجنود لم تستكن طوال الحكم العسكرى فقد اعربت عن اسبيائها عبر عدة محاولات كان أولها حركة أول مارس 1959 . ففى 4 مارس قاد الاميرلاى عبدالرحيم محمد خير شنان والاميرلاى محي الدين أحمد عبدالله انقلاب حركة إنقلاب عسكري داخل الجيش كان نتيجتها إجراء تغيرات كبيرة داخل المجلس الأعلي للقوات المسلحة أدت الى ابعاد الكثير من العناصر الاكثر رجعية فى المجلس العسكرى آنذاك وادخال الاميرلاى شنان والاميرلاى محى الدين احمد عبدالله والاميرلاى المقبول الامين الحاج . 
لقد كانت انتفاضة الجيش فى 4 مارس بلا شك تعبيراً عن تململ الوطنين داخل القوات المسلحة ودليلاً على ان القوى الحديثة داخل الجيش مستعدة ايضاً للمقاومة . بيد ان الحركة الجماهيرية لم تكن قد وصلت الى مستوى من القوة والتنظيم الكافيين لحماية انتفاضة 4 مارس والإلتحام بها لتتحول الى حركة تساهم مع الحركة الشعبية المدنية فى القضاء على الدكتاتورية واستعادة الديمقراطية .
ثم شهد الجيش محاولة رابعه للانقلاب على حكومة عبود وابعد يسببها البك باشا محمود حسين . ثم اهتزت البلاد من أقصاها الى اقصاها بأكبر محاولة انقلابية اشترك فيها أاربعة من اعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وهم اللواء احمد عبدالله حامد والاميرلاى عبدالرحيم محمد خير شنان والاميرلاى محى الدين احمد عبدالله . 
وحكم على اربعة منهم بالسجن المؤبد وسنتان للبوزباشه أسامة المرضى وخمسة عشر عاماً لمحجوب بابكر سوار الدهب ، وسنتان للملازم أول محمد عثمان . كما حكم على صالح عبدالحفيظ صالح حسين بسنة واحدة . كما طرد عدد كبير من الضباط من الخدمة فى الجيش وعلى رأسهم اللواء احمد عبدالله حامد والقئمقام  على صالح سوار الدهب . 
وهكذا استمرت حركة المقاومة من صغار الضباط وبعض الرتب العليا فى الجيش للنظام القائم تعبيراً عن رفضها له متعاطفة بطريقتها مع الحركة الشعبية . معلنة من وقت لآخر ان هذا النظام الذى يحكم بأسم القوات المسلحة السودانية يتعرض لمقاومة حتى من نفس هذه القوات .
ويصل النظام الى مرحلة الانقلاب وبشراسة على رفقاء السلاح حينما اكتشفت اجهزة مخابراته فى 10 نوفمبر 1959 محاولة انقلابية يقودها البكباشى على حامد . وبسرعة مريبة شكلت لهم محكمة عسكرية اصدرت حكمها بالإعدام شنقاً للضباط الخمسة وهم البكباشى على حامد ، والبكباشى يعقوب كبيدة والصالح عبدالبديع على كرار واليوزباشى طه الصادق محمد الحسن واليوزباشى عبدالحميد عبدالماجد وقد تم تنفيذ الحكم فيهم قبل اعلانه ووسط تكتم شديد واستقبل الضباط الموت رابطي الجأش .
ولقد عبرت جماهير الشعب السودانى عن رفضها لهذه الاحكام بالمسيرة  الكبيرة التى سارت فى موكب دفن البكباشى على حامد والتى رددت فيهاالجماهير الهتافات المنادية بسقوط النظام العسكرى .
وتماماً كما تضامنت القوى الحديثة المدنية مع حركات المقاومة التى قادها العمال والمزارعين والمحامين والطلاب وغيرهم تضامنت أيضاً وبقوة عبر بياناتها  ومسيراتها مع  حركة الضباط ، ودعت الى  المزيد من النضال وجمع الصفوف للإطاحة بالنظام العسكري .
ففى الكتاب الأسود السنوى الذى اصدره الحزب الشيوعى عام 1960 والذى يحوى كالعادة كل عام سجلاً لمخازى العهد الدكتاتورى أورد الحزب "وهكذا يبرهن النظام الراهن على انه ليس رجعياً وحسب ، وليس موالياً للاستعمار وحسب . بل اصبح نظاماً دموياً ازهق ارواحاً شابه ترفرف الآن فى سماء الوطن تطلب الثأر . كل هذا يعرفه شعبنا وتعرفه القوات المسلحة التى ما زالت وستظل تحتفظ بطابعها الوطنى على الرقم من محاولات حسن بشير نائب القائد العام لنقل الضباط الوطنين الى الوحدات النائيه وابدالهم بضابط موالين  
ولكن رغم ذلك ظلت القوى الوطنية الحية داخل الجيش تجمع صفوفها للاشتراك مع القوى الوطنية للاطاحة بالنظام العسكرى ليصدر تنظيم الضباط الاحرار وسط الجيش مجلته التى تعرف باسم صوت القوات المسلحة . وقد حدد التنظيم فى العدد الثامن من المجلة اهدافه فى الاطاحة بالوضع الحاضر وتقديم كل من اشترك فى الوضع الراهن أو استفاد منه أو أضر بقضية الشعب والجيش الى محكة شعبية وعسكرية. – الشئ الذى لم يحدث بعد ثورة 21 اكتوبر - واعادة الحياة النيابية ووضع دستور يكفل الحريات العامة وتطهير الجهاز القضائى وجهاز الشرطة وتكوين مجلس دفاع وطنى واعادة كل الضباط المفصولين الى الخدمة .
إن الأهداف الواضحة التي أعلن عنها تنظيم الضباط الأحرار في مجلته الناطقة بأسمه  يثبت ما ذهب اليه الشيوعين السودانيين  فى تحليلهم للوضع فى بيانهم الاول الذى اصدره الحزب يوم 18 نوفمبر 1958 قداة الانقلاب العسكري حيث اكد الحزب الطبيعة الرجعية الى الانقلاب وافتقاره الى اى سند من القوى الوطنية الديمقراطية ودعا الحزب الى تجميع كل القوى الوطنية الديمقراطية من عمال ومزارعين وطلاب ومثقفين ثوريين بالاضافة الى الوطنين من جنود الجيش وضباطه فى جبهة تطيح بالحكم الدكتاتورى  ، وكانت تلك أول اشارة فى ادب القوى الوطنية منذ قمع حركة 1924 تشير الى  ضرورة مخاطبة القوى الوطنية فى الجيش والسعى لاستهاضها وضمها الى صفوف قوى العمال والمزارعين والمثقفين الثورين وفى النضال الوطنى الديمقراطى العام .
وهكذا وما انقضى عام واحد على الانقلاب العسكرى حتى وضح انه نظام ضعيف ، ففى الفترة من نوفمبر 1958- 1959 حدث اضراب عمالى وثلاثة تحركات فى الجيش وانعقدت ثلاثة محاكمات عسكرية للعمال والضباط هذا بخلاف العديد من حركات الإحتجاج الصغيرة  . وبتصاعد مقاومة القوى الحديثة أدركت  القوى التقليدية المتفرجه على الرصيف أن هذا النظام بات ضعيفاً وأنه لن يستجيب لنداءات الإصلاح وإعادة الحياة النيابية   ليلتقي في عام 1963 زعماء  حزب الامة و الحزب الوطنى الاتحادى فى صلاة عيد الفطرللتشاور حول الوضع السياسي في البلاد ، وق حولوكان لقاء ذو مغزى بياناً يؤلمعسكر المنادي بإسقاط النظام . وكان الشيوعيون السودانيون من هذا الفريق  حيث أصدر الحزب بياناً بارك فيه هذا اللقاء رافعاً شعار (فليكن هدفنا جميعاً تكوين أضخم تجمع شعبى يمشي بخطوات ثابته وجريئة نحو القضاء على التسلط الدكتاتورى ) . 
ولكن فرح القوى الوطنية المتوثبة لإسقاط النظام  لم يدم طويلاً إذ سرعان ما ارسلت سكرتارية الامام الصديق منشوراً الى وكلائه في كافة انحاء السودان يعلن فيه ان السيد الامام لازال سائرأً علي تأييد الامام الراحل للوضع الحاضر واننا متعاونون معه بما يحقق المصلحة العامة للبلاد . 
ومرة اخرى وجدت القوى الحديثة نفسها تقاتل من جديد الحكم العسكرى فهذه القوى الجديدة المنظمة الواعية لم تستكين للنظام فواجهته مرة اخرى فى الاسبوع الاخير من اكتوبر1960 فى حلفا بمظاهرات عنيفه ما لبست ان انتظمت كل مدن السودان واقاليمه وكانت طلائع هذه الحركة عمال ومزارعين وطلاب ومهنين.
لقد استطاعت هذه الحركة ان تنفض التراب عن جسد المعارضة التقليدية المترددة لترسل المذكرة الشهيرة التى رفعتها الاحزاب الى المجلس الاعلى للقوات المسلحة في 29/11/1960 طالبوا فيها بعودة الجيش الى سكناته وعودة الحياة النيابية واطلاق الحريات ورفع حالة الطوارئ .  وعندما لم تكترث السلطة العسكرية بتلك المذكرة بل راحت تعتقل بعض الشخصيات الوطنية الموقعة علي  المذكرة ، قامت الاحزاب برفع مذكرة ثانية فى مطلع عام 1961 للمجلس الاعلى تحتج  فيها على مسلك الحكومة تجاه المذكرة الأولى  
لقد كانت المذكرة الأولى فى نوفمبر والثانية التى اعقبتها إيذاناً بمولد التنظيم الذى عرف فيما بعد بجبهة احزاب المعارضة . وبفشل المفاوضات الفردية بين الحكومة والسيد الصديق المهدى فىى مارس 1961 بدأت الحكومة العسكرية حملة استفزازات ضد الأنصار . 
وفى منتصف يوليو 1961 حدث الاضراب التاريخى لعمال السكة حديد الذى احدث حراكاً ملحوظاً فى صفوف احزاب المعارضة .
وكان أن وردت فى نفس تلك الايام منمدينة الأبيض  انباء عن تعذيب السيد حسنين حسن على يد السيد الزين الطيب وبطانته فأرسل زعماء الاحزاب برقية شديدة اللهجة تدين ذلك العمل الوحشى وتطالب باعادة الحياة الديمقراطية . فاقدمت الحكومة فى اليوم التالى باعتقال قادة جبهة الاحزاب المعارضة . وكانوا اثنى عشر زعيماً من زعماء المعارضة تم نفيهم الى جوبا وكان على رأسهم السيد اسماعيل الازهرى والسيد عبدالخالق محجوب والسيد محمد احمد محجوب وآخرين .
ومثل كل القوى الاجتماعية الاخرى شاركت المرأة السودانية بشكل عام عبر النقابات فى المقاومة ضد الحكم العسكرى لكنها ايضاً شاركت عبر تنظيمها العريق الاتحاد النسائي رفضت الإستسلام لقرار تعطيل الإتحاد وبدأتالحركة النسائية حملة واسعة لاستعادة التنظيم . وظلت صحيفة الإتحاد صوت المرأة منبر ذو صوت عال فى النضال ضد الديكتاتورية .
وهكذا نرى ان القوى الحديثة المتقدمة فى مناطق الانتاج ظلت تقاوم النظام العسكرى مقاومة لا تلين طوال السنوات الثلاثة الأولى من عمر النظام العسكرى.
وظلت الحركة العمالية تدعوا فى كل معاركها لتوحيد الجهود لبناء جبهة عريضة للإطاحة بالنظام الحاكم . . وكان الجميع على يقين تام بأن هذا النظام ليس شرعى ولا يقوى على الصمود فى وجه أية هبة شعبية منظمة .
ان الاساليب التى استخدمتها القوى الحديثة فى صراعها مع النظام العسكرى. مثل حرب المنشورات والمواكب والفضح الشجاع نهاراً جهاراً للسلطة ادت الى انهاك النظام نفسياً وعزلته داخلياً وكشفت عن قوى عظيمة كامنة فى هذه القوى الحديثة كما أدت الى نفخ الروح فى جسد القوى التقليدية المترددة .
وهكذا وصلت القوى الحديثة وأطراف القوى التقليدية  الصاحية من ثباتها الى قناعة بأن النظام قد بات معزول ، ولكن قفز سؤالاً كبيراً امامها ما هو البديل وما هى الاداة للاطاحة به .
كان هذا السؤال المحرج للقوى التقليدية لا يجد اجابة لديها فقد كانت هذه القوى وحتى العام الثالث من عمر النظام وفى احسن حالاتها الصدامية تتوعد النظام بأن ( ارادة الشعب قوية) وتحثه علي ضرورة التفاوض من أجل المصلحة العليا للبلاد . هذه القوى لم تكن قد اكتشفت الاداة لإسقاط السلطة بعد وكانت لا تزال تري ان هذه السلطة يمكن أن تسلم مقاليد الحكم والعودة الى ثكاناتها عن طريق الحوار والمفاوضات وحرب المذكرات .
اما القوى الحديثة والمستوعبة لجدل الاقتصاد السياسى السودانى والتى منذ نشأتها االأولى ونضالها الجنينى لتكوين اتحادتها ونقاباتها كانت تدرك وفى كل بياناتها بيانات المزارعين – العمال – المهنين – الطلاب ، بل من قبل الانقلاب العسكرى فى نوفمبر 1958 وما بعد الانقلاب .أهمية التضامن بين هذه القوى فدعت الى ضم الصفوف وخلق جبهة نقابية عريضة لمواجهة أى خطر على الديمقراطية والوطن .
لقد كانت هذه القوى ومنذ ولادتها ومنذ ايام مقاومتها الأولى للحكم العسكرى تدعو لشئ جنينى تعرف كنه لكنها لم تسميه لم تعطيه اسماً لكنها عموماً كانت تحمل جنينه فى احشائها كانت هذه القوى المؤهلة تاريخياً لانجازه كانت تحمل بذوره ، بذور الاضراب السياسى العام فى أحشائها .

البـــــــاب الثــــــــانى
الفصل الثــــــــــانى

الاضــــــراب السيــــــــاسى العــــــــام
أغسطس 1961- أكتوبر 1965

بعد ثلاثة سنوات من النضال الجماهيرى ضد النظام العسكرى بدأ هذا النظام يتحلل واكتملت عزلته بعد أن قفزت القوى اليمينية من سفينة النظام وتركته وحيداً يواجه موج الحركة الشعبية المتنامية .
ففى هذا الوقت بدأ السؤال الكبير الذى اسلفنا يطرح نفسه على الحركة الجماهيرية التى أخذت تتجمع وتبحث عن طريق للخلاص من ذلك النظام ، كيف يمكن توجيه الضربة القاضية للنظام ؟ . لقد كانت الحركة الجماهرية التواقة لإستعادة الديمقراطية تبحث عن أداة لإسقاط النظام المدجج بالسلاح .
وفى هذه الفترة الحرجة من تطور حركة المقاومة الوطنية السودانية كان على القوى الحديثة ان تجيب على هذا السؤال والذى لم ترهق القوى التقليدية نفسها به كثير وبالفعل جاءت الاجابة من الحليف الرئيسى للقوى الحديثة فى ذلك الوقت ، الحزب الشيوعى السوداني. تشير الكثير من الشواهد بأن الشيوعيين السودانيين كانوا علي الأقل منذ عام 1959 مشغولين بالبحث عن أداة للإطاحة بالحكم العسكري الأول ،وكان الإضراب السياسي العام هو الوسيلة التي أتفقت عليها قيادة الحزب رافضة العمل العسكري المسلح ، وكان البديل نظام ديمقراطي مدني تعددي يكفل الحريات في البلاد ويفتح الطريق أمام تطورها . وما أن جاء عام 1961 حتي كان الحزب قد حسم خياره  وذلك بصدور بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في صيف عام 1961 بعنوان( بعد أن تفاقمت الازمة الثورية وتفكك الدكتتاتورية ). 
وبدأ البيان بتحليل الموقف السياسى فى تلك الايام والحركة الجماهيرية تشهد اتساع كبير بعد ان سددت الطبقة العاملة ضربة قوية للنظام ويذهب ذلك البيان مؤكداً على عزلة النظام وتزايد التناقض بينه وبين قوى اليمين (حزب الامة) الامر الذى تستفيد منه القوى الثورية فى نضالها الثابت من أجل الديمقراطية .
وتحدث البيان عن امتداد المعارضة للريف السودانى فى ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة فى ذلك الوقت ، حيث بدأت صفوفهم تتحرك وتعبر عن رغبتها فى مقاومة هذا النظام بدعوة مؤتمر اتحاد مزارعى الجزيرة للانعقاد وبآلاف التوقيعات التى قدمها مزارعوا القاش لوزير الزراعة مطالبين بتحسين أحوالهم .
كل هذه وغيرها عوامل ملاءمة لتطور حركة الاضرابات العمالية والنهوض بحركة موحدة من الجماهير الكادحة تسير فى طريق الإطاحة بالنظام الراهن .(* حاشية).
ومضى البيان قدماً ليطرح سؤالاً يحمل اجابته ألا وهو كيف يمكن احداث هذا التطور فى حركة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة ؟
إن الطبقة العاملة والتى فتح لها الطريق اضراب عمال السكة حديد تعكس الرغبة العميقة لهذه الطبقة فى تحقيق مبادئ الديمقراطية وإنهاء النظام بوصفه نظاماً فرط فى سيادة البلاد وناصب الديمقراطية العداء . ويوجه البيان نداء لعضويته داخل الحركة بالتصدى لكل المحاولات والعناصر التى تحاول ان تعتقل الطبقة العاملة داخل منطقة المطالبة الاقتصادية الضيقة وان يدفعوا الطبقة العاملة خطوات فى سبيل قيادة الحركة الشعبية مشيراً إلى أهمية مزج الحركة الثورية الراهنة مع حركة الطلاب الثورية بتكوين لجان مشتركة من جماهير العمال والطلبة الذين سيكون لهم شأن فى توسيع حركة المزارعين فى النيل الأزرق والقاش على وجه الخصوص وقيام لجان مشتركة بينهم وبين جماهير العمال بلجانهم الثورية . ان الشروع فى حركة الاضراب بين جماهير المزارعين مستندين إلى تأييد الطبقة العاملة سيكون العنصر الحاسم والضربة القاضية للنظام الراهن .
ولم يتجاهل هذا البيان الذى يعتبر الأول من نوعه فى تاريخ السودان الحديث  عن البرجوازية الوطنية التى وصفها بأنها طبقة ضعيفة اقتصادياً وسياسياً وانها تسير وراء قوى اليمين متمنية نهاية هذا النظام ولكنها لا تقوم ببذل أى مجهود تجاه هذا الهدف . وقد أوصى البيان بأن تعمل كل القوى التقدمية لتحريض هذه الجماعات وجذبها من مواقع السلبية الى مواقع النضال الحقيقى . وكذلك جماهير الشعب النوبى التى بدأت فعلا معارك صلبة ضد النظام العسكرى .
ويختتم البيان نفسه بدعوة للتقدم الشجاع  الى الامام لتنظيم حركة الطبقات الثورية للاطاحة بالنظام الراهن وفتح الطريق امام التطورات الداخلية الوطنية والديمقراطية فى بلادنا .
وهكذا تتلمس القوى الحديثة وحليفها الحزب الشيوعى طريقهم تجاه نقطة الخلاص من نظام عبود . فقد كان هذا البيان هو بداية التفكير فى وضع شعار الاضراب السياسى العام من جانب الحزب الشيوعى السودانى بوصفه طريقاً  للخلاص من النظام العسكرى الرجعى .
وهكذا تزامنت فكرة تجمع القوى الحديثة فى جبهة واحدة لتأكيد دورها فى الصراع الاقتصادى والسياسى والاجتماعى الدائر فى البلاد منذ مطلع الاستقلال ، هذه الفكرة فكرة الاضراب السياسى العام ، ولا نكون قد جانبنا الصواب إذا قلنا انها ظلت فكرة غير واضحة فى مخيلة القوى الحديثة منذ 1956 بل منذ 1948 صرخة مكتومة واحساس عميق لدى هذه القوى الناهضة بأن لها دور كبير محتوم ان تلعبه وان قوة هائلة تكمن فيها على ان تبحث عنها ، وكأن صوت سقراط كان يحفزهم للبحث والتنقيب ( اعرف نفسك).
ان ارهاصات الاضراب السياسى العام وفكرته قد وضحت تماماً امام القوى الحديثة واصبحت واضحة المعالم والاداة والهدف .
فى أول أغسطس 1961 حين صدر أول بيان فى تاريخ السودان الحديث يفضح النظام العسكري الأول  ويبشر، ويدعوا الي توسيع حركة المقاومة الشعبية ، كما  كشف البيان عن الدور الذى يقوم به السودان فى ضرب حركات الثورة فى افريقيا والوطن العربى . 
وينتقل البيان الى نقطة هامة وهى مسألة مصادرة الحريات الديمقراطية والاعتقالات العشوائية ومصادرة حق الكلام  والتنظيم ، مما دفع أقسام كثير من البرجوازيين الي الإنضمام للقوي المنادية بإسقاط النظام  ، وأضاف البيان "، وما اضرابات التجار إلا مؤشر لعزلة النظام ".وأشار البيان    الى أن  الحوادث الجارية أمامنا تدل ا أكثر من أى وقت مضى صحة تقديرات الحزب وتحليلاته حول ضرورة التغيير بتوحيد قوى المعارضة (الاحزاب) وتوحيد القوى الثورية فى جبهة وطنية ديمقراطية.
ويتسأل البيان نفسه عن ضعف ردة فعل اعتقال قادة  قوى المعارضة ويجيب البيان "ان ذلك كان لضعف تنظيم قوى المعارضة ".. ونوه البيان ألى أن القوى الحديثة الثورية قوى الطبقة العاملة والمزارعين قوى البرجوازية الوطنية والمثقفين الوطنين كانت متحفزة للصدام المباشر مع السلطة بعد حوادث اعتقال زعماء المعارضة ونفيهم الى جوبا ، إلا أن الاحزاب التقليدية لم تستوعب حركة جماهيرها فاعتقلت جماهيرها . أما القوى الحديثة فقد كانت تحس أنه آن الأوان للانطلاق من نقطة الضعف هذه نحو آفاق تنظيم القوى الحديثة الثورية وتنظيمها فى نشاط جماعى ثورى . ويضع هذا البيان التاريخى الهام النقاط الرئيسية التى ترتكز عليها القوى الحديثة الثورية فى معركتها الحاسمة للاطاحة بسلطة العسكر .
أولاً: انها ترتكز على الطبقة العاملة وتنظيمات الجبهة النقابية ولجانها الثورية الواعية لحملتها الاساسية المتضمنة برنامج النقاط الأربعة المتمثل في عودة الحياة الديمقراطية ، والغاء قانون الطوارئ  ، والغاء قانون العمل والعمال لعام 1960 ، وعودة قانون 1948 ورفع الاجور بنسبة 45% . وهو بطبيعة الحال برنامج يجمع بين الكفاح السياسى والكفاح الاقتصادى .
ثانياً: جماهير المزارعين وخاصة فى النيل الازرق والقاش والتى اثبت من خلال كفاحها من أجل اعادة اتحادات المزارعين وتحقيق مبدأ المشاركة وجمع مئات التوقيعات حول مطالبها انها يمكن أن تلعب دوراً اساسياً فى الاطاحة بالنظام الراهن لو وجدت المساعدة من الحزب ولجان الجبهة النقابية على الخصوص .
ثالثاً: جماهير الطلبة التى عرفت بصمودها النضالى الرائع منذ تحركات نوفمبر 1959م.
رابعاً: البرجوازية الوطنية التى عبرت عن امكانياتها فى المقاومة (حركة قفل السوق الجزئية) .  اذا كانت هذه القوى الاساسية التى ينبغى الاستناد عليها فى معركة تنظيم القوى الحديثة فما هو الخط الذى ينبغى تنظيم هذه القوى حوله لانجاز مهام المعركة الحاسمة ضد النظام العسكرى .
ويمضى البيان قائلاً موضحاً هذه النقطة (ان الحزب ربما يرى انه بالعمل النشط اليومى المستمر وسط هذه القوات يمكن ان تعبأ فى نضال سياسى عام من شأنه اذا وقع ان يشل النظام الراهن شللاً تاماً) ان حركة مثل هذه لو حدثت ستكون الأولى من نوعها ولذلك فهى تختلف كل الاختلاف عن الحركات الاقتصادية التى الفتها البلاد من قبل .
وعن المعارك الجزئية التى تنشب هنا وهناك فالحزب يشجع أى عمل للمقاومة مهما كان صغيراً فالعمل الصغير عندما تتوفر له قيادة ثورية قد يتحول الى عمل كبير فى مفعوله . الشرط الضرورى لنجاحه وقوة تأثيره  كى يكون عاملاً مساعداً فى نجاح الإضراب السياسى العام هو ان تتوفر له القيادة التنظيمية الثورية التى ترتكز على خط الجبهة الوطنية الديمقراطية .
ويمضى البيان متسائلاً هل تعتبر الظروف الحاضرة ملائمة لحركة عامة موحدة ؟ يجيب البيان بإمكانية القيام الآن بحركة عامة موحدة فقد انعزل النظام الراهن عن الشعب وعن الاغلبية من قوات الجيش كما أن الاضراب الاخير لم يعكس رغبة العمال فى مكافحة الازمة فحسب بل عكس الرغبات العميقة فى استرداد الديمقراطية وانهاء النظام الراهن . ثم  ان ازدياد حدة التنقاص فى قوى اليمين واحتدام الصراع داخل هذا المعسكر يعتبر عنصراً هاماً عند وقوع الاضراب السياسى العام . 
ويتساءل البيان هل يمكن تحديد يوم معين للاضراب العام فى كل البلاد ؟ ان هذا بالطبع لا يمكن عمله الآن – ومرة اخرى تبرز أهمية التنظيم – انه لايمكن تحديد يوم بعينه لحركة الاضراب دون تأسيس التنظيمات الثورية التى تقود الاضراب . كما أنه فى داخل هذه القوى الثورية تفاوت ما . منها من هو أكثر تقدماً يبدأ بالحركة الموحدة، ومنها المتأخر الذى يلحق بعد البداية . وعلى كل حال ان التعبئة التنظيمية والسياسية للاضراب العام هى التى ستقرر ما ينبغى عمله فى اللحظة المناسبة .
يمكن القول ان نجاح الاضراب العام يتطلب شيئين أساسين :
أولاً: ان تكون برامج الحركة الشعبية  تجمع بين خبرة الحركات الاقتصادية وبين طبيعتها السياسية الفريدة .
ثانياً: ان تكون قيادتها التنظيمية فى أيدى تنظيمات ثورية تستفيد من كل فرصة لدى التنظيمات الاقتصادية (النقابات ، الاتحادات) .
إن تحقيق تلاحم صفوف العمال والمزارعين والطلبة وجماهير المدن يشكل مركز الثقل فى نشاطنا التنظيمى والسياسى لانجاح الاضراب السياسى العام وليكن شعارنا : كل شيء للجان الجبهة النقابية ، كل شيء للجان الطلبة والعمال ،اكل شيئ للجان لعمال والمزارعين .      كما أشار البيان الى اهمية الاهتمام الجدى بموضوع كفاح الجماهير النوبية فى الشمالية وتنظيمها واقناعها بأن حل مشاكلها انما يتوقف على الاطاحة بهذا العهد وعودة الديمقراطية . 
ويشير البيان الى قوى أخرى يمكن ان تلعب دوراً مساعداً وهاماً وهى : المحامون ، الاساتذه ، الادباء ، الفانون ، النساء والشباب .. ألخ .
ان خلق حركة منظمة وسط هذه الفئات على أساس الحريات الديمقراطية يمكن ان تنعش قوى التجمع الثورى وترفع من روحه المعنوية ان هذه الفئات يهمها أمر حرية الفكر وسيادة القانون .
تلقفت القوي الوطنية والديمقراطية هذا البيان الذي مثل  الدرس الأول فى نظرية الاضراب السياسى العام فى السودان  وبدأت حلقات نقاش جادة وسط النقابات المهنية وإتحادات الطلاب والمزارعين وحتي بين كوادر الحزب الشيوعي السوداني  إستمرت لثلاثة أيام لتدارس البيان ومحاولة فهمه  ، إلا أن أسئلة كثيرة قد برزت حول كيفية القيام بأضراب واسع يؤدي لإسقاط النظام ، وما هي القوى التي ستشترك في تنفيذم وكيف يتم  ذلك وغيره من الأسئلة التي لم تجد لها قيادات الحركة النقابية أجوبة ناجعة لها  هذه الأسئلة حتي عند كوادر الحركة الشيوعية النقابية العاملة في أوساطها، طالبين من الحزب صاحب البيان تقديم توضيحات أكثر .
وهذا ما حدث ، ففى اليوم الرابع من شهر أغسطس أصدر المكتب التنظيمى المركزى التابع للحزب الشيوعي السوداني الخطة التنظيمية التى سوف يسير عليها الحزب والقوى الديمقراطية الملتفة حوله والمتعاونه معه وتلك التى قد ترى ان طريق الاضراب السياسي العام طريق الخلاص من النظام العسكرى الأول . وكانت الخطة بعنوان (فى سبيل تنفيذ شعار الاضراب السياسى العام لنرفع عالياً راية التنظيم. 
وتحتوي هذه الوثيقة الهامة علي أكثر من 80 صفحة مشيرة فب فكرة محورية الى أن توحيد كافة القوى الوطنية وتجميعها لمواجهة الديكتاتورية ليس أمراً خيالياً . وتري الوثيقة أن القوى الديمقراطية قريبة من الحزب الشيوعى السودانى ونشطة في صفوف  الطبقة العاملة والطلاب والمزارعين وسكان المدن وكافة الفئات الاجتماعية . وتستطرد الوثيقة فتقول ان نهوض حركة الطبقة العاملة ساعد على نهوض اقسام اخرى من الجماهير الكادحة التى تكتوى اليوم بلهيب الأزمة الاقتصادية وقد دخلت حركة الاحتجاج الراهنة مرحلة جديدة اكثر عمقاً وهذه الحركة اذا توفرت لها الشروط المعنية ستقضى على النظام الراهن . وأضافت الوثيقة ، ومن هنا اصبح على حزبنا الذى يقود هذه الحركة ان يضع شعاراً أكثر تقدماً وأكثر تحديداً ومن هنا كان قرار المكتب السياسى بالسير بالحركة الشعبية المتعاظمة فى اتجاه الاضراب السياسى العام الذى يهدف الى القضاء النهائى على الطغمة العسكرية .   وأكدت الوثيقة علي الدور الهام للحركة العمالية فى الإضراب السياسى وقالت "  هو دور طليعى وحاسم الشئ الذى أكده اضراب عمال السكة حديد فى شهر يونيو الماضى . لقد احدث ذلك الاضراب آثاراً سياسية بعيدة المدى على القوى المناهضة للنظام الراهن واضعف هيبته وزاد من عزلته القاتلة . فهل يمكننا ان نتصور نجاح الاضراب السياسى دون قيادة الطبقة العاملة ؟ .  
وتشير الوثيقة الى المزارعين الذين أرهقتهم الأزمة الاقتصادية خصوصاً مزارعى القطن فى الجزيرة والقاش ، تقول الوثيقة "إن المزارعين يمثلون احدى القوات الاساسية فى معركة الاضراب السياسى العام .    وكذلك الطلاب والمثقفين المنظمين فى نقابات المحامين والاطباء والمعلمين .
وهكذا واصلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى وهيئاته القائدة مناقشة وتطويرنظرية الإضراب السياسي العام بوصفها الخط السياسى الرئيسى للحزب الشيوعى وأداته للإطاحة  بالنظام العسكرى . ولذلك كانت قضية الاضراب السياسى العام فى مقدمة القضايا التى بحثتها اللجنة المركزية للحزب فى دورة يناير 1963 . وجاء تقرير اللجنة تحت عنوان( كيف يمكن تغيير هذا النظام )  ليجيب علي أسئلة الحركة الجماهيرية وينير أمامها طريق الخلاص الوطني يومذاك  قال التقرير (وضعنا شعار الجبهة الوطنية الديمقراطية – لماذا – لانها وحدها الكفيلة بتغيير النظام الراهن بطريقة فورية حاسمة تفتح الطريق أمام التقدم) ويعنى هذا الشعار ان الحزب الشيوعى وحده لايستطيع الاطاحة بهذا النظام ، كما يعنى ان تجمع المعارضة الراهن (أى تجمع الاحزاب) ليس فى امكانه تغيير هذا النظام بطريقة جذرية .  وتقول التقرير عن الجبهة الديمقراطية" والجبهة الديمقراطية هى جيش سياسى والمهم فى الأول اعداده والخروج به من السلبية فى اتحاده ووضوح أهدافه وهذه هى مهمتنا المركزية بين جماهير شعبنا اليوم وقد تهيأت لها ظروف أكثر ملاءمة بتزايد النفوذ الادبى للحزب الشيوعى وتدهور مركز جبهة المعارضة والقوى اليمينية وشروع الجماهير فى الانصراف عنها . هذ1ا الجيش السياسى اذا تهيأ سيسقط النظام . " وأضاف التقرير "وفى كل الأحوال لابد ان يوضع النظام الراهن فى موقف لا يستطيع فيه ان يحكم أو يواجه أزمة حقيقية لهذا فلا طريق للجبهة الوطنية الديمقراطية غير الاضراب السياسى العام الذى يعنى انهيار النظام ووضع السلطة فى متناول الجماهير ".
ويعرف التقرير الاضراب السياسى العام بأنه" توقف الجماهير الثورية عن العمل . ويتم تنفيذه عندما تصل الجماهير الثورية الى وضع لا تحتمل فيه العيش تحت ظل النظام الراهن . ولهذا فهو تغبيراً كيفياً فى وضع الجماهير وعقلياتها . انه عملية مسلسلة وليس ضربة واحدة – عملية من الدعاية والعمل الفكرى المبدع ضد تهريج النظام الراهن ومن اجل تعميق الاتجاهات الثورية لدى الجماهير ، وهى التعلم من التجارب من المعارك اليومية المختلفة والتآزر حولها من بناء قوة كافية للجبهة الوطنية الديمقراطية ، من نضال قانونى وغير قانونى من حيث تأهيل الحزب الشيوعى السودانى وحقه فى القيادة وارتقاء لنفوذه الادبى . وكل ما يسير فى طريق هذه العملية ثورى ومفيد ويقرب الناس من الاقتناع بالاضراب والاستعداد له ثم تنفيذه .
لاشك أن الحزب الشيوعى السودانى قد ظل يسير فى طريق العمل بين مختلف الاوساط الجماهيرية من عمال وزراع ومثقفين بهدف الوصول بالحركة الشعبية الى نقطة الإنفجار الشامل الى الاضراب السياسى العام . وكان الحزب الشيوعى قد قاد بروح المسئولية والجدية شعار الاضراب السياسى العام ولذلك فقد ظل يكافح فى داخل صفوفه ضد الاتجاهات الخاطئة التي لم تستوعب بعد طبيعة الاضراب السياسى العام والإمكانيات الجبارة الكامنة فيه .
ففى مديرية النيل الازرق مثلاً دعي  يوسف عبدالمجيد أحد القياديين المعروفين في صفوف الحركة الشيوعية السودانية  للدخول فى معركة الاضراب السياسى العام بالرغم من أن الظروف الثورية فى البلاد لم تكن ناضجة ولم تصل الازمة الثورية الى نقطة الانفجار . كما ان قيادة الحزب فى تلك المديرية كانت تعتقد ان الاضراب السياسى العام يمكن ان يكون فى مديرية واحدة. وان أى إضراب اقتصادى يمكن ان يتحول مياشرة الى اضراب سياسى عام دون التنسيق مع كافة منظمات القطر وقواة الديمقراطية . وقد عالج الحزب الشيوعى هذا التيار ذو التقديرات اليسارية الخاطئة  بحزم بتجميد نشاط كل الذين خرجو عن خط الحزب بل وفصلهم فى كثير من الاحيان  من عضوية الحزب  ، كما تعامل مع الإضراب الذى دعت له بعض العناصر الانتهازية وسط العمال عقب الغاء مؤتمر العمال من جانب وزير الاستعلامات ، وكن تقدير الشيوعيون السودانيون أن الظروف  الموضوعية والذاتية لم تنضج بعد وأن الإضراب لو تم  سيضعف حركة الاضراب السياسى العام فيما بعد .
وهذا امتلكت القوى الحديثة سلاحها الذى ابتكرته قواها الخلاقه مستفيدة من تجارب شعبنا منذ الأربعينات ضد المستعمر البريطاني ومن  كل التراث الثورى العالمى . وبعد بيان الأول من أغسطس 1961م لم تعد القوى الحديثة القائدة لحركة المقاومة فاقدة الاتجاه ولم تعد الاضرابات الجزئية وحركات الاعتصام والاحتاج والمواكب العمالية  والطلابية حركات مشتتة ، انها الآن تمضى قدماً نحو هدفها المرسوم نحو إسقاط النظام عبر (الاضراب السياسي العام).
ويتقدم الحزب الشيوعى الملتفه حوله النقابات والقوى الديمقراطية الاخرى ليطرح فكرة الاضراب السياسى على احزاب المعارضة فى آواخر عام 1961م وبعد خروج زعماء المعارضة من المعتقل فى آواخر يناير 1962م  .  مؤكداً لهم أن الاضراب السياسى العام هو الطريق الوحيد أمام شعبنا للاطاحة بالنظام العسكرى ولكن الاحزاب ولمرتين متتايتين لم تقبل الفكرة ولم تر فى الاضراب السياسى العام طريق الخلاص .إلا أن الحزب لم يأس في إمكانية قيام جبهة عريضة توحد قوي الشعب السوداني بإتجاه الإضراب السياسي والإنتفاضة الشعبية . ومضى الحزب الشيوعى السودانى فى طريقه ينظم طبقات الشعب والقوى الحديثة لتعبئتها فى طريق الاضراب السياسى العام .
وقادت القوي الحديثة وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوداني خلال الفترة من أول أغسطس 1961م حتى السادس والعشرين من اكتوبر 1964 نضالاً صبوراً وبنفس طويل بإتجاه  ساعة الصفر ساعة الاضراب السياسى العام . وطوال هذه الفترة كانت القيادات النقابية فى صفوف القوى الحديثة تدرك تماماً ما تقوم به واعية لهدفها البعيد فى اسقاط النظام عبر الاضراب السياسى عاملة على تحويل أى معركة ذات طابع اقتصادى الى معركة سياسية ضد النظام داعية لتوحيد كافة القوي الوطنية والديمقراطية الداعية لإسقاط النظام .
ففي هذا الإتجاه إتجاه الإضراب العام  واصلت  الطبقة العاملة معاركها. فبعد النكسة الحادة التى اصابت جسم الحركة العمالية بعد اضراب عمال السكة حديد فى يوليو 1961م وبعد الركود الذى اصاب الحركة العمالية بدأت هذه الطبقة الثورية تلملم قواها ونظمت سلسلة إضرابات  ناجحة لتتسع دائرة المطالب الاقتصادية لتأخذ بعداً أعمق .
وخوفاً من إتساع حركة المقاومة وسط العمال وتقييدها  رأت القوى الانتهازية والمتحالفه مع النظام العسكرى ان تعقد مؤتمراً سريعاً تحشد له كل عناصرها وان يعلن عن موعد انعقاده قبل يوم واحد . ورغم ذلك استطاعت القوى الديمقراطية ان تنفخ فى جسد المؤتمر روح المقاومة لتخرج قراراته واضحة فى ادانتها لحالة الطوارئ القائمة والمطالبة بعودة نقابة السكة حديد وتعديل قانون 1960 الذي حرمهم من حق تكوين النقابات ومن حق الاضراب  وطالبوا بتكوين اتحاد عام للنقابات 
ولكن السطة قامت للاسف بالإلتفاف علي مقررات المؤتمر ولكن كانت جماهير العمال والشعب السودانى قد عرفت كل شئ .
وبعد فضيحة ترتيب قرارات مؤتمر اغسطس ـ 1963م والتى فضحتهاالقوي الوطنية والديمقراطية  على أوسع نطاق تراجعت السلطة خطوة مصدرة قرار المجلس الأعلى فى نوفمبر 1963 والخاص بالحركة العمالية والذي وافق على عودة نقابة عمال السكة حديد وعلى قيام اتحاد عام للنقابات وعلى تعديل قانون العمل والعمال لسنة 1960م.
لقد كانت تلك القرارات انتصاراً كبيراً للحركة العمالية الصاعدة ، وبدأت معركة الاعداد للانتخابات النقابية ونزل النظام بكل قواه فى المعركة بما فيها جهاز الدولة وخزينتها وأجهزة الدعاية الرسمي والأجهزة الأمنية وتمت الانتخابات في أجواء إرهاب غير مسبوق حيث نفذت السلطة قبيل الإنتخابات حملة ‘إعتقالات واسعة شملت عشرات النقابيين ومحاصرة الاحياء الشعبية بمدينة عطبرة وتدخل العمدة السرور السافلاوى فى جانب الحكومة لتهديد العمال للتصويت  لصالح مرشحى الحكومة . بالفعل أعلن في  26/5/1964 فوز نقابيين علي علاقة طيبة بالحكومة وفي مقدمتهم موسي متي *
إلا أن الحركة النقابية لم تستسلم ، وبدأت تستعد للمؤتمر العام الذي كان من المقرر عقده فى 15/8/1964.  وكان من الواضح أن الحركة العمالية ستسترد زمام المبادرة وتقصي العناصر المتحالفة مع الديكتاتورية . إلا أن الحكومة ونتيجة للانهيار الاقتصادى والاجراءات المالية المتوقعة قامت بحل اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال السودان وتشكيل لجنة تنفيذية من رؤساء اكبر عشرة نقابات عمالية فى السودان . ففى نفس يوم صدور هذا القرار شهدت البلاد موجه اعتقالات في صفوف الحركة الوطنية شملت نقابيين وغير نقابيين مثل السكرتير العام للحزب الشيوعى السيد/ عبدالخالق محجوب ووزعوا فى سجون المديريات المختلفة .
إلا أنه رغم حملات التضليل والقمع وأساليب التنزيف ظلت الحركة العمالية صامدة  متمسكة بسلاح الاضراب السياسي العام منتظرة ساعة الصفر التى حان أوانها .
وعلى صعيد جبهة المزارعين فقد واصلت حركة المزارعين نهوضها حيث دخل مزارعو مشروع الجزيرة والمناقل فى عدة اضرابات ذات طابع اقتصادى سياسى فقيادات المزارعين مثلها ومثل حلفاءها في الحركة العمالية لم تعد إضراباتها فاقدة الهدف ، فالعناصر المتقدمة فى صفوف المزارعين والتى كانت قد تلقفت شعار الاضراب السياسى العام منذ الاول من اغسطس والتفت حوله محولة حركة الاضرابات الاقتصادية الى اضرابات سياسية الى حركة مقاومة مستمرة ضد السلطة العسكرية الحاكمة متوجة نضالها باضراب ديسمبر 1963 الشهير والذى اضطرت الحكومة العسكرية تحت ضغطه للاستجابه لمعظم مطالب المزارعين ومنها تمثيل المزارعين فى مجلس ادارة مشروع الجزيرة ورفع نصيب المزارع الى 44% . 
وكان من الواضح أن  أهم مكسب كسبه المزارعين من اضراب 1963 هو الوحدة ووضوح خط العمل داخل حركتهم المتجهة نحو انتزاع الديمقراطية واطلاق الحريات . وتجدر الاشارة الى ان حركة المزارعين طيلة الخمسة السنوات ما بين 1958- 1963 كانت تعمل فى وضع صعب اذ فرضت السلطة العناصر الانتهازية على اتحاده وداومت على اعتقال قادة المزارعين المخلصين ورغم ذلك فقد تجاوزت حركة المزارعين القيادات الانتهازية وعقدت مؤتمرها ونفذت اضرابها وانتزعت حقوقها .
ورغم ان السلطة حاولت تأخير الانتخابات ولكن المزارعين بتضامنهم سدوا الطريق امام اعدائهم وفرضوا انتخاب الشيخ الامين محمد الامين ممثلاً لهم فى مجلس الادارة . 
نلاحظ ان المزارعين قد فرضوا اجراء الانتخابات فى 9/7/1964 وحاولت العناصر الموالية للسلطة تحريض المزارعين علي عدم التصويت لصالح  الشيوعين وحلفائهم ن إلا أن نتيجة الانتخابات جاءت مخيبة لآمال الحكومة وعناصرها ونصراً ساحقاً للعناصر الديمقراطية والموالية للشيوعين .  
وهكذا حررت جماهير المزارعين نفسها من قبضة النظام الحاكم وانضمت الى طلائع الاضراب السياسى القادم من عمال ومثقفين ومهنيين وغيرهم  .وفي إتجاه الأضراب السياسيي العام واصل المحامون والقضاة معاركهم ضد النظام الحاكم وكشف فساده ، فأثارت  فى أوائل عام 1962 قضية قتيل المقرن والتى كانت اصابع الاتهام فيها تشير الى وزير الداخلية فى ذلك الوقت . كما طالبت النقابة فى 7/8/1964 إبان إنعقاد الجمعية العامة الحكومة بموقف واضح تجاه التدخل الامريكى فى كوبا ودعم  كل حركات التحرر فى افريقيا والعالم العربى .فيما واصل القضاة معاركهم للدفاع عن إستقلالية القضاة .
وفي جامعة الخرطوم هذا الصرح التعليمي والوطني الكبير خاض الاستاذة معركة ضد قرار ضم الجامعة الى وزارة المعارف ، حيث رفض الأساتذة القرار وقدموا إستقالاتهم المشروطة بسحب قرار ضم الجامعة الى وزارة المعارف . كما انهم قدوما فى 16/10/1964 مذكرة احتجاج على اعتقال اللجنة التنفيذية للاتحاد والتدخل السافر للعساكر فى حرم الجامعة .
واصلت الحركة الطلابية رأس الرمح للمقاومة الشعبية صراعها مع الديكتاتورية . وكانت الحركة وخصوصاً بعد اضراب نوفمبر 1961 الناجح والمظاهرة المشتركة فى 13/11/1961 ،ونجاحها فيعام 1962 تسيير عدد من المواكب الطلابية فى العاصمة والاقاليم قد زادت ثقتها في نفسها وأنكشف ضعف النظام امامها . 
وفى ديسمبر 1963 دخل اتحاد طلاب جامعة الخرطوم فى اضراب احتجاجاً على قرار مجلس الوزراء فى 5/11/1963 القاضى بضم الجامعة الى وزارة المعارف . وبدأت الحركة الطلابية عملاً تحرضياً جاداً طوال الفترة ما بين 10/9/1964 حتى 21/10/1964 حيث قام الطلاب بعقد عدة ندوات عن مشكلة الجنوب التى وصلت في تلك االفترة الي مرحلة شديدة التعقيد حيث واصل النظام سياسة الأسلمة والتعريب وإستخدام القوة المسلحة ضد الرافضين لسياساته في الجنوب لتتسع الحرب ، وقد تصدت الحركة الطلابية لسياست الحكومة في الجنوب داعية لوقف الحرب والإستماع للمظالم والمطالب المشروعة للجنوبيين . وفى 10/10/1964 اقامت جمعية الفلسفة التابعة لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ندوة عن الجنوب إلا أن السلطة منعتها لترفع  اللجنة التنفيذية فى يوم 14/10/1964 عريضة احتجاج لوزير الداخلية تطالب بضرورة عودة الحياة الديمقراطية للبلاد ، فاعتقلت السلطات أعضاء اللجنة التنفيذية للإتحاد . 
ورغم اعتقال اللجنة التنفيذية إلا أن الحركة الطلابية واصلت مقاومتها للدكتاتورية لتدفع بالأزمة الثورية الي ذروتها. ليبلغ الإحتقان أعلي مراحله وذلك أثناء ندوة 21 اكتوبر التى دقت أهم مسمار فى نعش الدكتاتورية العسكرية ، فبعد منع الدكتاتورية لقيام ندوة 10/10/1964 قرر الطلاب عقد الندوة فى يوم 21 اكتوبر 1964 وفى سبيل الحصول علي أكبر إجماع ودعم لقيام  الندوة عقد الطلاب إجتماعاً حضرة العديد من مندوبى المعاهد والمدارس فى العاصمة واقر المؤتمر قيام الندوة .
وفى يوم الثلاثاء 20 اكتوبر عقد اجتماع عام لطلاب جامعة الخرطوم نوقشت فيه مسألة الندوة وكل الاحتمالات التى قد تترتب عليها وقرر الطلاب اعداد العدة لمواجهة أية طاريء بما فيه مواجهة قوات الشرطة والأمن إذا قررت إقتحام الجامعة وفض الندوة  . 
وبالفعل بدأت الندوة وحاصر البوليس الجامعة آمراً بفض التجمع بالغاء القنابل المسيلة للدموع على الطلاب وتطور الامر الى اطلاق الرصاص وكان أن سقط الشهيد الأول للثورة احمد القرشى وواصلت الشرطة حصارها للجامعة رغم سقوط القتلى والجرحى وحمل الطلاب واساتذة الجامعة نعش الشهيد. وبعد صلاة الجنازة ومن ميدان عبدالمنعم انطلقت المظاهرات فى كل مكان حتى عمت الاقاليم والمدن فى جميع انحاء السودان وبعد استشهاد القرشى أصدر الحزب الشيوعى السودانى بياناً قال فيه (بالامس اعتدت العصابة العسكرية على طلبة جامعة الخرطوم وقتلت الطالب احمد القرشى . ان النظام العسكرى يعيش هذه الايام آخر ساعته ولكي نثأر لدماء شهدائنا يجب فضح المجزرة وتعبئة الجماهير فى كل مدينة وكل مصنع وكل مؤسسة ولتتحد القوى الديمقراطية فى البلاد من طلبة وعمال ومزارعين ومثقفين فى كل ارجاء بلادنا لتنظيم الاضراب السياسى العام والاطاحة بالنظام ومعاقبة كل المسئولين بانتهاء هذا النظام الرجعى البغيض). 
ومنذ مقتل القرشى انطلقت المظاهرات تملأ الشوارع ليلاً ونهاراً وكانت العاصمة تعج بالحركة الدائبة للكوادر العمالية فى الخرطوم بحرى وام درمان يعقدون الاجتماعات المتصلة لمناقشة قضية الاضراب السياسى العام . وكانت أحزاب الاتحادي الديمقراطى وحزب الأمة ، والحزب الشيوعى ، والاحزاب الاخرى يصدرون العديد من المنشورات والبيانات فى اليوم الواحد موجهين جماهيرها بالإلتزام  على العمل لتنفيذ الاضراب السياسى العام .
ولم تكن الحالة فى الاقليم بأحسن فقد انتظمت مدن واو وجوبا المظاهرات ، وفى مدن عطبرة وكوستى وبورتسودان ومدنى والابيض وكسلا فشل البوليس فى تفريغ المظاهرات بالقنابل المسيلة للدموع فاطلق الرصاص الحي . 
ويواصل الحزب الشيوعى السودانى تعبئته للاضراب السياسى كاسراً حاجز الخوف مستهزئاً بقوة النظام مؤكداً فى بيان آخر (انه من الممكن ازالة هذا النظام اذا اتحدت قوتنا فى جبهة ديمقراطية تستهدف القيام باضراب سياسى عنيد لايتراجع امام مظاهر القوى الكاذبة حتى يطيح بالنظام الرجعى الراهن ). 
وما ان بزغ صباح الجمعة 23 اكتوبر حتى عقد اجتماع فى مكتب الاستاذ عابدين اسماعيل المحامى وقد اشترك فى الاجتماع عابدين اسماعيل المحامى ، شيخ الدين الهادى ، فاروق ابوعيسى ، احمد النور ، عزالدين على عامر ، احمد عبدالحليم ، شوقى ملاسى ، جابر محمد جابر والرشيد نايل وعدد من الطلاب . وقد ناقش الاجتماع الاضراب السياسى العام لإسقاط النظام  كاقتراح مقدم من الحزب الشيوعى السودانى . 
ويحدثنا السيد عابدين اسماعيل نقيب المحامين فى ذلك الوقت عن نواة جبهة الهيئات فيقول (ان النواة تكونت بعد موكب القضائية ، حيث اجتمعنا فى مكتبى بنقابة المحامين ، حيث كان على رأسها شخصى وفاروق ابوعيسى ، ونقابة اساتذة الجامعة ، وممثلين من نقابة عمال السكة حديد . وأذكر ان احدهم كان النقابى عيد بين وكان ايضاً معنا ممثلين للقضاء ) .   ويضيف وفى ذلك الاجتماع قدمت نقابة المحامين فى شخصى وشخص السيد فاروق ابوعيسى اقتراحاً بالاضراب السياسى العام الذى نُفذ بعد ذلك وللحقيقة ان الاضراب السياسى العام كان قد نادى به الحزب الشيوعى السودانى منذ أوائل الستينات . 
وقد قرر ذلك الاجتماع بأن تكون ضربة البداية توسيع موكب القضاة والمحامين واساتذة الجامعة ، كما قرر الاجتماع دعوة الاطباء واساتذة المعهد الفنى،  كما صدر قرار تسيير الموكب ، وبهذا سجل ذلك الإجتماع تشكيل القيادة الجماهيرية التى كانت تفتقدها الحركة الثورية . ان ساعة الاضراب العام قد أزفت.
وفى يوم السبت 24 أكتوبر خرج وزير الداخلية للناس ببيان يعلن ان قوات الامن ستغرق أى مواكب بالرصاص ورغم ذلك تدفق القضاة والمحامون واساتذة الجامعة والمعهد الفنى والطلاب وآلاف من المواطنين نحو دار أساتذة جامعة الخرطوم حيث تم اعلان الاضراب السياسى العام هناك وقد أعلنه نقيب المحامين السيد عابدين اسماعيل . وتم تشكيل وفد يضم مناديب من مكتب النائب العام لتسليم مذكرة للقصر الجمهورى يطالبوا فيها باقالة الحكومة وتشكيل الحكومة الشعبية الجديدة وكان على رأس الوفد عابدين اسماعيل المحامى ودكتور طه بعشر .
وفى تمام الساعة الثانية عشر بعد ظهر يوم السبت الموافق 24/1/1964 تم الاجتماع الثانى لقيادات حركة الإضراب بمكتب السيد/ عابدين اسماعيل واقر المجتمعون صياغة اعلان الاضراب العام وقد التزم اساتذة الجامعة والمعهد الفنى والحزب الشيوعى بطباعته وتوزيعه . واصدروا نداء للشعب السودانى والهيئات الموقعة على النداء السياسي يدعوهم فيه لتنفيذ الإضراب السياسي العام وقد ناشد البيان جماهير الشعب بالابتعاد عن التخريب ، ومن الهيئات الموقعة كانت هيئاتونقابات وإتحادات القضاء والمحامون وأساتذة الجامعة والأطباء والعمال والمزارعين والمعلمون والطلاب . 
ومنذ الأحد 25 أكتوبر بدأ تنفيذ الإضراب العام ، حيث نفذ الطلاب والمعلمون والممرضون والأطباء والأساتذة الإضراب السياسي ، كما نفذت بعض النقابات العمالية إضرابات. وكذلك شهدت الأقاليم موجة الإضرابات والمظاهرات وسقط المزيد من الشهداء فى يومى السبت والأحد .
وفى هذا اليوم الأحد 25 اكتوبر 1964 عقد أول اجتماع رسمي للجبهة الوطنية للهيئات والتى ضمت اثنى عشر هيئة تلك القيادة التى ولدت فى لهيب المعركة والتى وحدت القوى الثورية الحديثة كما لم تتوحد من قبل .
إلا أن ذلك اليوم شهد ايضاً أول محاولة لتقسيم صف الثورة وخلق بديل منافس لتجمع القوى الحديثة التى قادت الإضراب  .
ففى ذلك اليوم اجتمع قادة الحزب الوطنى الاتحادى وحزب الامة والاخوان المسلمين وشكلوا جسماً جديداً أطلقوا عليه  (الجبهة الوطنية الديمقراطية) .  وأصدروا اعلاناً بالدعوة للاضراب السياسى العام متجاهلين الدعوة التى صدرت قبل 24 ساعة .
حتى هذا اليوم لم تدخل الطبقة العاملة فى المعركة . فقد كانت القيادات الانتهازية تحاول جاهدة عرقلة مشاركة الطبقة العاملة فى الاضراب العام . ولكن تكونت لجان سرية تعمل منفردة بقيادة الجبهة النقابية كنقابة ظل بديلة  متجاوزة النقابة الانتهازية . 
ويشير هاشم سعيد أحد أنشط النقابيين في ذلك الوقت "  ان الطبقة العاملة كانت سباقة فى مسألة لم الشمل للاطاحة بالنظام فقد حاولنا نحن فى اللجان السرية والجبهة النقابية وكنت عضواً فى الحزب الشيوعى حاولنا ان نتصل ببعض الاحزاب لتكوين الجبهة الوطنية للإطاحة بالنظام الا ان بعض الاحزاب ابلغت عنا البوليس " .
وبالتعاون مع لجان الطلاب والجبهة النقابية – قامت الجبهة النقابية بقيادة موكب فى 26 اكتوبر ، وخطب أعضاء الجبهة النقابية فى الناس – حيث تم اعتقالهم جميعاً – ومنذ ذلك اليوم استمرت المظاهرات لاسبوع كامل فى عطبرة وقد كان الشيوعين فى قيادة معركة الاضراب العام فى عطبرة – حيث قاد الحاج عبدالرحمن ومحجوب على ومحمد احمد سالم المظاهرات فىى الورش والسوق والاحياء الشعبية ويؤكد الحاج عبدالرحمن هذه الحقائق مشيراً الى ان حركة الاضراب السياسى العام اساساً قوامها الشيوعين ورغم ان قيادة الحركة النقابية كانت مفصولة عن العمل فى ذلك الوقت الا انهم كانوا يقودون المعركة من الخارج ولقد ظللنا خلال عام 1964 ندعوا للاضراب العام وفى يوم 26/10/1964 استطاعت الجبهة النقابية ان تقود العمال من داخل الورش حينما صدحت هتافات الديمقراطين وقادت الجبهة النقابية متخطية كل القيادات العمالية الزائفة معلنة بدء الاضراب السياسى العام الى أجل غير مسمى . 
وفى ذلك اليوم تم اعتقال كل القيادات النقابية في مدينة عطبرة وإندفعت كل المدينة فى مسيرات اشتركت فيها النساء والاطفال وربات البيوت اضافة لآلاف العمال والطلاب ، فى ذلك اليوم يقول الحاج عبدالرحمن" كانت قيادات الشيوعين وقد كنت من بينهم نسمع المكالمات التلفونية عن طريق احد اعضاء الحزب الشيوعى الذى كان يعمل فى البوسته قسم التلفونات بين الحاكم العسكرى لمدينة عطبرة  والفريق عبود بعد ان نجح هذا العضو فى توصيل تلفون الى منزل المتفرغين الشيوعين وقد استفسر عبود عن الموقف فى المدينة فذكر له الحاكم ان المدينة قد دخلت فى اضراب عام ).
وحتى مساء السادس والعشرين من اكتوبر كانت السلطة تأمل في إستعادة زمام المبادرة والسيطرة علي الأوضاع ، إلا أن الطبقة العاملة السودانية وكما دقت المسمار الأول فى نعش النظام فى مايو 1958 قررت دق المسمار الاخير عندما اعلنت الاضراب العام مصدرة بياناً فى 24/10/1964 الى جماهير العمال والشعب السودانى تدعو للدخول الفورى فى الاضراب السياسى العام . وقد أكد البيان ان هذا الاضراب سيكون خطوة كبيرة للاطاحة بهذا النظام معلنين التفافهم حول جبهة الهيئات ومحذرين من مؤامرات الاستعمار الخارجى والقوى الرجعية فى الداخل.  وهكذا اصبحت مواقف الطبقة العاملة واضحة .
وليمتد هذا العملاق – الاضراب السياسى العام – ينشر جناحيه على كل أدوات الانتاج ولتبدوا ملامح شل النظام واضحة .
وفى هذا المنعطف التاريخى الهام  تقضى جماهير المزارعين على آخر آمال  الدكتاتوريه فى البقاء في السلطة لتلحق بحليفتها الطبقة العاملة ولتصدر بيانها الرسمى فى يوم 26/10/1964 معلنة ان حركة المزارعين لا ترى مفراً من الانضمام الى حركة الشعب الذى اعلن الاضراب السياسى العام حتى نهاية النظام العسكرى . 
وهكذا وبدخول العمال والمزارعين رسمياً وعملياً فى حركة الاضراب السياسى العام فى يوم 26 اكتوبر 1964 شلت جميع اجهزة الدولة ، وكان كما أشرنا سابقاً القضاة والمحامون واساتذة الجامعة والأطباء والمدرسين والطلاب ً قد بدأوا تنفيذ الاضراب منذ 24/10/1964 .
وكان آخر من توقف عن العمل موظفوا وعمال محطة الاذاعة السودانية بامدرمان . 
وهكذا شل الاضراب العام كل السودان واصبح النظام عاجزاً عن الحكم .
وفى خضم الغليان الشعبى الرهيب تقدمت القوى الحديثة الثورية داخل الجيش بقيادة الضباط الاحرار فى يوم 26 اكتوبر وحاصرت  بقواتها القصر الجمهورى واجبرت عبود على حل المجلس العسكرى الاعلى ومجلس وزرائه وتكوين حكومة انتقالية . وكانت تلك خطوة هامة فى طريق انتصار الشعب ولم يكتفى الضباط الاحرار – بذلك وانما اشتركوا بصورة فعالة فى احباط مؤامرة خطط لها كبار ضباط الجيش الذين حاولوا فى مفاوضات يوم الخميس 29 اكتوبر 1964 ان – يفرضوا احد كبار الجنرالات  وزيراً للدفاع تمهيداً للانتكاسة بالثورة  ، ولكن الضباط الاحرار حاصروا مبنى قيادة القوات المسلحة ومرة اخرى فرضوا ارادتهم وارادة  الشعب . 
وبالرغم من التحولات الهامة في مسيرة الثورة الشعبية وحركة الإضراب السياسي العام بإنضمام ضباط الجيش الي صفوف الثورة ، إستمرت المسيرات وحركة الأضراب السياسي العام المصاحب بحركة عصيان مدني ترفض الإنصياع لنداءت السلطة المتهاوية في كل مدن السودان . وفى العاصمة المثلثة دعت الجماهير الثائرة الى حل المجلس المركزى و كل مؤسسات الحكومة العسكرية مطالبة بحكومة ديمقراطية تمثل الفئات التى اشتركت فى الاضراب السياسى العام من عمال ومزارعين ومهنيين ، كما تكونت الجبهة القومية من ممثلين عن الاحزاب السياسية ومن ممثلين للجبهة الوطنية للهيئات وشرع ممثلي هذه الجبهة االموحدة فى مفاوضة مندوبى القوات المسلحة وقبل ان يتوصل الجميع الى حل للخروج من الازمة ملأت العاصمة اشاعة تشير الى ان مندوبى القوات المسلحة يتآمرون للاحاطة بالثورة فحاصرت الجماهير القصرالجمهوري  وأخذت تهتف بسقوط عبود . وقبل ان يحاول المتظاهرين اقتحام القصر اطلقت عليهم وحدات الحراسة النار فسقط اثنا عشر شهيداً أمام القصر الجمهورى . 
وملأت مواكب الغضب السودان مرة اخرى وأتسعت حركة العصيان المدني واخيراً استجابت الحكومة العسكرية وشكلت الحكومة الانتقالية حكومة اكتوبر الاولى ،  وهكذا سقط النظام وأصبح الميثاق الذى وضعته القوى الوطنية هو المنهاج المرحلى للعمل وبداية الدخول الى مرحلة الحكم المدنى الديمقراطى . وقد ضمت حكومة اكتوبر الاولى ممثلاً لكل من حزب الامة والحزب الوطنى الاتحادى وحزب الشعب الديمقراطى وجبهة الميثاق الاسلامى والحزب الشيوعى ، كما ضمت سبع وزراء يمثلون النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين من الجنوب هم كلمنت أمبوروا وازيونى فييرى . 
وهكذا شكلت حكومة اكتوبر الشعبية الاولى مهتدية بميثاق من سبعة بنود وافقت عليه القوي السياسية ويقوم هذا الميثاق على تصفية الحكم العسكرى الحالى واطلاق الحريات العامة ورفع حالة الطوارئ والغاء جميع القوانين المقيدة للحريات وتأمين استقلال القضاء واستقلال الجامعة واطلاق سراح كافة المعتقلين السياسين والمسجونيين فى قضايا سياسية وان تلتزم الحكومة الانتقالية بانتهاج سياسة خارجية معادية للاستعمار . 
وهكذا نري كيف طورت الحركة الجماهيرية وقوي المجتمع الحية ومفكريها فكرة أو نظرية الاضراب السياسى العام . إن هذا الجزء من الكتاب يؤكد بدلائل واضحة أن الإضراب السياسي العام المصاحب بالإنتفاضة الشعبية الذي تم في 21 أكتوبر لم يكن وليد لحظة إحتقان عابرة ، لقد كان عملاً ثورياً مدروساً بعناية و تراكم لنضال متواصل وطويل خاضته  الجماهير المتقدمة فى مواقع الانتاج وكل القوي الوطنية والديمقراطية ودفعت بحركة المقاومة الشعبية بإتجاه تحقيق نظرية الاضراب السياسى العام كأداة جديدة وفاعلة وسلاح مدني قادر علي إسقاط النظام الأمر الذي تم بالفعل عندما أنضم في 26 أكتوبر 1964 العمال والمزارعين الي القطاعات التي بدأت بالفعل حركة الإضراب لسياسي العام الذي انتهى باسقاط السلطة العسكرية المدججة بالسلاح .