صدقي كبلو

 

ذكريات معتقل سياسي 1971-1983

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الاعتقال الخامس والأخير

 

 يوليو 1979-نوفمبر 1983

  

تنظيم المعتقل

 

وكالعادة وبسرعة أنتظم المعتقل وتكونت لجنة المعتقل ولجان تموينه وثقافته، وقد كلفت ضمن لجنة التموين باستلام الطعام وخلال هذه الفترة إستطعنا أن ننال حق أن نطبخ طعامنا ونسبة لأن نميري كان قد فرض عدم ذبح اللحوم وبيعها يومين في الإسبوع فقد إستطعنا  أن نقنع إدارة السجن أن تذبح في اليومين للمعتقلين وكنت أخرج لحضور الذبيحة في باحة السجن أمام المطبخ، وأستطعت أن أقيم علاقات طيبة مع العساكر والمساجين والعاملين بالمطبخ ووفقا للائحة السجن فكنا كمعتقلين نستحق ثلاث وجبات (في كل المعتقلات التي لم تطبق فيها لائحة السجن كان نصيبنا وجبتين)، فرتبنا وجبة فول عشاء تأتي مع قفل السجن. وقد طلبت إعفائي من مسؤلية الطعام نسبة لزحمة وقتي فقد كنت عضوا في اللجنة الثقافية وأسرة تحرير المجلة ومحاضرا للإقتصاد السياسي في المدرسة الحزبية وطالب ماجستير يحضر من داخل السجن كما ياتي السرد، وتم تكليف الزميل محجوب داؤد بالمهمة والتي قام بها على أحسن وجه حتى إطلاق سراحه في عام 1980 عندما كلف بها الزميل عبدالرؤوف على أبنعوف.

 

العمل الثقافي بالمعتقل

 

 

وبدأت اللجنة الثقافية التي كان يقودها الزميل الدكتور مراد تقديم المحاضرات العامة وإصدار المجلة وبدأنا الإستعداد لذكرى مرور مائة عام على إندلاع الثورة المهدية منذ ذلك الوقت رغم أن السمنار لم يعقد إلا بعد سنة.

 

وكان أول إسهام لي في العمل الثقافي العام قد بدأ بمحاضرة لي عن  إجراءات 15 سبتمبرالإقتصادية والمالية التي أعلنها بدر الدين سليمان وزير المالية لجديد، وقد أدت المحاضرة لمناقشة واسعة وسط المعتقلين.

 

وبدأت المجلة أعدادها بمستوى رفيع وإني لأتذكر حتى الان بعض صور الغلاف المدهشة خلال عام 1979. والصورة الأولى التي أتذكرها جيدا من إعدادي وإخراج كمال الجزولي، وهي عن أوغستينو نيتو الرئيس الأنجولي السابق. وكانت المادة الأساسية منشورة في مجلة أفريقيا الجديدة في عدد أكتوبر 1979 بمناسبة وفاته وانت مكونة من سيرة حياته بعض أشعاره وقد قمت بترجمتها منالإنجليزية للعربية وقام كمال الجزولي بإخراجها   بشكل مدهش مستعملا الإمكانيات البسيطة في السجن بما في ذلك الزنازين نفسها، حيث جعل النقابي ميرغني عطا المنان يقرأ قصائد أغستينو نيتو من خلف الغضبان التي تغطيها عمة ويسطع النور من خلفها مما يجعل طل ميرغني يظه على العمة خلف الغضبان. وقدم حياة أوغستينو نيو من خلال توزيعها على عدد من الرفاق ينهضون بين المشاهدين.

 

أما الصورة الثانية فكانت صورة تضم الجنرال أوبسانقو والرئيس شيخو عثمان شقاري بمناسبة إنتخابه رئيسا بعد الإنتخابات التي نظمها الأول في عام 1979 وكان من المفترض أن يتم تنصيبه في أول أكتوبر 1979. وقام بتقديم هذه الصورة الثلاثي المدهش التجاني حسن إدريس وعلي عسيلات وميرعني عطا المنان وكتبت السناريو لها. وبعد أن أداروا حوارا حول شخصيتي أوبسانقو  وشقاري وما أنجزته السلطة العسكرية في نيجريا تساءلوا عما إذا كانت البرجوازية النيجرية تستطيع الحفاظ على تلك المنجزات، وكانت الإجابة بلهجة عربية نيجيرية "اللهو تألم" أي (الله يعلم) ولم تكن الإجابة في السيناريو ولكن من إبداع الثلاثي المدهش.وعقد سمنار مئوية الثورة المهدية فقدم ألياس صعيل ورقة عن أصول فكرة المهدية وأيدولوجية الثورة وقدمت أنا ورقة عن إقتصاديات الدولة والثورة المهدية (نشرت فيما بعد بواسطة مجلس الأبحاث الإقتصادية وصدرت ككتيب من دار عازة في 2007) وقدم الدكتور محمد مراد ورقة عن أسباب الثورة المهدية.

 

المناقشة مع البعثيين

 

 

وكانت من نشاطات العمل الثقافي الحوار المفتوح بين الشيوعيين والبعثيين حول قضايا التحالفات والديمقراطية والمركز القومي وأشترك في المناقشة كل البعثيين الموجودين في الشرقيات: عمر مهاجر ويوسف همت ومحمد أحمد جادين وعزالدين الطيب وأحمد حمزة وأحمد الطيب وكان النقاش مثمرا أدى لتفهم الجانبين بعضهما البعض ووضح لهما نقاظ إتفاقهما وإختلافهما.

  

تنظيم فرع الحزب

 

 

وتم تنظيم فرع الحزب وكان التقليد أن يتولى التجميع والفحص مكتب قائد يتكون من أعضاء اللجنة المركزية بالمعتقل، وإن لم يوجدوا فأعضاء المكاتب المركزية أو قيادة المناطق (بما في ذلك مديرية الخرطوم التي كانت تشكل منطقة)، ولقد كان في المعتقل وقتها من أعضاء اللجنة المركزية: سليمان حامد (والذي أطلق سراحه بعد حوالي ستة شهور لوفاة والده)  ومحجوب عثمان (الذي أطلق سراحه بعد حوالي 4 شهور)  ويوسف حسين (الذي أستمر في المعتقل حتى تصفيته في إنتفاضة مارس أبريل 1985، أي أنه مكث حوالي خمسة سنين وثمانية شهور) وكان من بين أعضاء المكاتب المركزية: الدكتور محمد مراد، النقابي مختار عبدالله.

 

 وبدأت فورا المدرسة الحزبية التي كلفت فيها بتدريس الإقتصاد السياسي وكلف الزميل الزميل سليمان هباش بإدارتها، وقد أبدى الزميل هباش حماسا وقدرة تنظيمية فائقتين ساعدتا في نجاح المدرسة والتي كان من بين طلبتها صديقي الزميل النقابي سليم أبوشوشة والذي كان له الفضل في أن يدفعني لتجويد معرفتي بالإقتصاد السياسي عندما ألتقيته في شالا كما ورد في هذه الذكريات من قبل. وكان من بين الطلاب المنتظمين النقابيين علي الماحي (أو عم علي كما كنت أدعوه) و مختار عبدالله و ميرغني عطا المنان وعلي العسيلات والفاتح الرشيد (الفاتح المواطن) وجون لوك (النقابي الجنوبي من باتا والذي لم يكن شيوعيا) عبد الفتاح الرفاعي.

 

وخلال هذه الفترة كانت صلتنا بالحزب منتظمة وتصلنا المطبوعات الحزبية بإنتظام وكنا نقرأها ونناقشها في إجتماعاتنا ونرسل مناقشاتنا للحزب بالخارج.

 

طلاب يمتحنون الشهادة من السجن:

 

 

أبدى عدد من المعتقلين رغبتهم في الجلوس لإمتحان الشهادة السودانية فبدأنا فصلا لتدريسهم قام فيه سليمان حامد بتدريس اللغة الإنجليزية ويوسف حسين بتدريس اللغة العربية والشيخ الجيلاني بتدريس الكيمياء، وقمت أنا بتدريس الرياضيات والفيزياء.

 

وكان الفصل يضم بدرالدين عبدالتام، أحمد حمزة، احمد الطيب وميرغني عطا المنان.

 

العائلات تقاوم الإعتقال التحفظي

 

 

خلال هذه الفترة نشطت حركة لعائلات المعتقلين تناهض الإعتقال وتدعمها حملة عالمية تقودها آمنستي إنترناشونال ونظمت العائلات مظاهرات وأعتصامات أمام وزارة الداخلية وقدمت مذكرات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وكان شعار الحملة بسيطا "أطلقوا سراحهم أو قدموهم لمحاكمة عادلة", واعتقلت سلطات الأمن بعض زوجات المعتقلين وحققت مع عدد كبير منهن.

 

ونتيجة لتلك الحملة تم إطلاق عدد كبير من المعتقلين وتم تجميع الباقين في المعاملة والكرنتينات والمديرية. وكان نصيبنا أن ننقل للمعاملة.

  إعتقال التجاني الطيب

 

 

ووصلتنا الأخبار الحزينة بإعتقال التجاني الطيب والزميل عبده هاشم والزميل فوزي أمين، ولم نكن نملك أي تفاصيل حول كيفية الإعتقال. ولم يتم تحويل المعتقلين إلى السجن بل تم حفظهم في عمارات الأمن وكنت  آخر مرة ألتقيت فيها الأستاذ التجاني الطيب ليلة 21 يوليو ونحن نستعد لموكب 22 يوليو 1971 وقد بعثت إليه بطلب من قيادة فرع الجامعة بأن يقوم هاشم بإلغاء قرارات نميري التي أعلنها في حنتوب عن الجتمعة وأدت لأحداث الجامعة في مارس 1971 وأبلغني التجاني بعد مناقشة قصيرة لحيثيات طلبنا بأنه سينقله لهاشم وفعلا أعلن هاشم في خطابه في الموكب إلغاء القارات وإخضاع تقري وتوصيات لجنة تطوي الجامعة والتعليم العالي لمناقشة حرة وسط الأساتذة والطلاب وإدارات الجامعات.

تعفت على التجاني في الفاشر وهو خارج من شجن الخير خنقا أيام عبود في عام 1963 وألتقيته بعد ذلك عدة مرات في الميدان وفي إجتماعات وأذكر مناقشة طريفة دارت بيننا في عام 1971 قبل إنقلاب 19 يوليو وكان قادمين من إجتماع في الصحافة وكان هو سائق وأنا راكب بجانبه وكان محمد عوض كبلو الأستاذ بقسم الفلسفة حينها بجامعة الخركوم قد كتب مقالا عن البنائية (وأظنه أول مقال عنها في الصحف السودانية) فسألني التجاني عن المقال فقلت له أنا لا أعف كثيرا عن البنائية فقال لي "يا بختكم الآن لديكم فلاسفة وإقتصاديين مختصين في زمننا كنا نفعل كل ذلك لوحدنا بدون مساعدة متخصصة".

 

قدم التجاني لمحكمة أمن دولة فيما بعد وكان قد طعن أمام المحكمة العليا حول أمر تشكيل المحكمة ولا ئحتها بأنها تتعارض مع دستور نميري المسمى الدائم ولكن المحكمة رفضت الطعن محتمية بححج ثقنية.

 

الإنتقال لقسم المعاملة

 

 قسم المعاملة أطلق عليه ذلك الإسم لأنه كان مخصصا للمعاملة الخاصة والتي إما تقررها المحكمة أو تقررها السلطات الصحية، ثم أصبح قسما لكبار المعتقلين مثل السيد إسماعيل

 

الأزهري رئيس مجلس السيادة الذي أطاحت به مايو.

 

كانت المعاملة تتكون من سبعة غرف ومخزن ومطبخ وحمام ودورة مياه واحدة بالجردل مثل باقي سجن كوبر وتبدو المباني  كثلاثة مجموعات ست غرف في صف في الجانب الشمالي والغرفة السابعة والمطبخ وبرندة صغيرة والمخزن في الجانب الجنوب ويبدون في شكل الأل الإنجليزية المنكفئة وتوجد فسحة بين الصفين بها نجيلة، بينما يوجد الحمام ودورة المياه في الركن الغربي الجنوبي من القسم.

 

نقلنا للمعاملة في نفس الوقت الذي نقل فيه زملاء آخرين في الكرنتينة ب والكرنتينة ج.

 

وكنا في المعاملة: سليمان حامد،عبد المنعم سلمان، علي الماحي، مختار عبدالله، ميرغني عطا المنان، نادرمحمد الأمين، أحمد محمد الأمين، علي العسيلات، الفاتح المواطن، كمال الجزولي، محمد السيد، التجاني حسن، إسماعيل راسخ، محجوب داؤد، يوسف حسين، محمد أحمد طه، وألياس صعيل وشخصي.

 وكان في الكرنتينة ب و وفي الكرنتينة ج : سعودي دراجو محجوب شريف وسيدأحمد سمعريت وعبد العزيز التوم و وبخيت مساعد  وآخرين

وكانت إدارة السجن قد سمحت لنا بفتح الأقسام الثلاثة بالنهار وقفلها عند التمام.

 

وكنا محمد أحمد طه والتجاني حسن وشخصي نشترك في غرفة واحدة. وكان كمال الجزولي وإسماعيل راسخ ومحجوب داؤد في غرفة الزعيم أزهري.

 وقد سارت الحياة بشكل معقول في الثلاثة أقسام وأطلق سراح بعض المعتقلين لظروف خاصة كسليمان حامد ومحجوب شريف وكمال الجزولي. ولكن في نفس الوقت تمت إعتقالات جديدة وأرسلوا للمديرية كصلاح قرينات، الفنان التشكيلي الراحل أحمد البشير، والمهندس أبراهيم بشار، والفنان التشكيلي حسن حسين، والمهندس الباقر حسن موسى، كمال حسين، والمهندس علي الكنين، عبالرؤوف أبنعوف و وعوض الصافي،.

وتواصل العمل الثقافي في المعاملة وكان البرنامج يشمل كثير من المحاضرات في الإقتصاد والفلسفة والتاريخ وكانت هناك مناقشات ثرة وأذكر أن كمال الجزولي أتى لغرفتي ذات يوم وقال أنه بصدد بحث مسأل العلاقة بين البنية الفوقية والقاعدة، وأخذ مني كتبا تساعده في البحث من بينها كتاب أوسكار لانجة في الإقتصاد السياسي والمجلد الأول لرأس المال ومساهمة لنقد الإقتصاد السياسي لماركس  وبعض المختارات لأنجلز وماركس، وانكفأ على تلك الكتب وكتب أخرى طلبها من الخارج وكان يأتي من حين إلى آخر ليتناقش معي، وذات يوم أتى يحمل بع وريقات في يده وأشار إليها قائلا "بالنسبة لي فقد حسمت هذه المسألة"، وأستعرض معي إستنتاجاته، فشكرته ولكنه طلب مني أن أنظم سمنارا ليشرك باقي الزملاء في إستنتاجاته. وكان أن نظمنا له السمنار وهو من أرقى السمنارات التي عقدت في المعتقلات التي حضرتها.

 

كتابة الماجستير وعلي عبدالقادر يشرف علي في السجن

 

 

تقدمت أول ما أستقر بي المقام بطلب لسلطات الأمن بالسماح لي بالذهاب للجامعة لأعداد وأدخال المادة التي جمعتها للكمبيوتر لأني كنت أستعمل نموذجا رياضيا لتحليل متغيرات الوارد من الحبوب الزيتية كمتغير مستغل يعتمد على أسعار العام السابق. وكنت قد جمعت الوارد والأسعار للسمسم والفول من أسواق النهود والأبيض والرهد وأم روابة وتندلتي. ولم أكن أتوقع إستجابة جهاز الأمن ولكن يبدو أن وجود السيد كمال حسن أحمد كنائ لمدير الجهاز وهو إبن عم امرحوم خالدالكد قد أثر في القرار، وهذا مجرد تخمين مني، وكان أن سمح الجهاز بذهابي مرة في الأسبوع للجامعة وكان الأستاذ محمد الحسن المشرف على الكمبيوتر متعاونا بشكل مدهش. وأذكر أنه أثناء ذهابي للكمبيوتر كنت أذهب لشعبة الإقتصاد فألقى الأستاذين الجليلين المرحوم محمد صفي الدين عوض والبروفسير محمد هاشم عوض وكانا يكرما وفادتي، كما أني أذكر أحد طلابي الأستاذ أحمد علي عبدالله والذي كان يندفع لملاقاتي ويطلب من حرسي من الأمن أن يسمحوا له بإكرامي لأنني أستاذه وكان الحرس يعجب بشجاعته ويقول لي أن الأستاذ أحمد رجل يستحق الإحترام.

 

وكنت إلى جانب تحليل المادة التي جمعتها أقوم بالكتابة وأرسل فصل أكتبه للأخ المحترم الأستاذ عباس شريف مدير الإدارة بمجلس الأبحاث الإقتصادية وكان هو يقوم مشكورا بإعطائها للأستاذ عبدالله عباس موظف الطباعة بمركزالدراسات الإنمائية الذي يطبعها ومن ثم ترسل للدكتور علي بدالقادر بجامعة الجزيرة حيث يقرأها ويعلق عليها وتعاد لي لأجري التعديلات وهكذا حتى فوجئت ذات يوم بالدكتور علي عبد القادر يأتي لزيارتي في السجن ويعقد معي إجتماع إشراف في مكتب حكمدار السجن. ويزودني بنصائحه الأخيرة.

 

لم يكن من واجب اي واحد من هؤلاء أن يفعل ما فعل، فلا الأستاذ عباس شريف كان من ضمن مهام وظيفته أن يقوم بما قام به، وليس من مهام عبدالله عباس أن يقوم ما قام به. وبالطبع لم يكن من واجب الدكتور علي عبدالقادرعلي  أن يشرف على طالب دراسات عليا وهو معتقل ويزوره في السجن. لهذا أنا ممتن لكل م عباس شريف وعبدالله عباس والدكتور علي عبدالقادر علي. ومهما أكتب او اقول فلن أعبر عن شكري وامتناني لما فعلوا.

 

إضراب القضاء فبراير 1981

 

 

 

دخل القضاء  في إضراب عن العمل إحتجاجا  على تطبيق التقويم والترتيب الوظيفي الذي أدى لإلغاء بعض مكاسب شروط خدمة القضاة وقد أخذ الإضراب شكل إستقالة 350 قاضيا بما فيهم 3 من قضاة محكمة الإستئناف العليا، وكان رد نميري هو إعتقال قادة الإضراب  حوالي 12 من القضاة  وتم إحضارهم لقسم الشرقيات في سجن كوبر. وجاءنا العساكر بالخبر بل أن بعضهم سمح لنا بزيارتهم وكان في مقدمة القضاة المعتقلين مولانا عمر الصديق البشير ومولانا أنور.

 

موجة جديدة من الفصل التعسفي في أبريل 1981

 

 

إنطلقت في أبريل 1981 حملة جديدة من الفصل التعسفي شملت حوالي 1000 موظف ورغم أن الحملة قد شنت بإعتبار أنها ضد المفسدين وغير الأكفاء ولكنها تركزت على المعارضين خاصة الشيوعيين والديمقراطيين واليساريين.

 

ووجهت الحملة خلافا لحملات الفصل التعسفي السابق بمقاومة شديدة في مواقع متعددة كالسكة حديد وكانت سببا في الإضراب الذي سنتحدث عنه بعد قليل، ووسط الأطباء وفي الإدارة المركزية للكهرباء. وقد تلقى بعض المعتقلين خطابات فصلهم ف السجن.

 

الإضراب عن الطعام

 

 لقد كان الملفت في هذا الإعتقال منذ بدايته إدارة السجن المختلفة، فكان القومندان الجديد العميد مدثر يدير السجن من خلال طاقم من الضباط منسجم فيه العقيد عبدالقوي حكمدار السجن  و المأمور (المقدم) عبد الحميد بروزة وهو من شندي لأنني وجدته مع دكتور علي عبدالقادر عندما زارني وقال لي الدكتور علي أنه من شندي. وكان ضمن الطاقم النقيب حسن محمود والملازم عماد والملازم عثمان وآخرين لا تزعفني الذاكرة

منذ البداية قررت الإدارة الجديدة التعامل معنا وفقا للائحة السجن وبالتالي سمح لنا بالسراير والأقلام واورق والكتب والجرائد والمجلات والتلفزيون والراديو، وسمح لنا بلإستلام موادنا الغذائية طازجة ونقوم بطبخها، بل كا قلت سمح لنا بالخروج لإستلامها من الميزان قرب مكتب الصول.

 

بدأت مشاكلنا عندما ذهب العميد مدثر في إجازته السنوية وأخذ العقيد عبدالقوي مكانه كقمندان بالإنابة، فأكتشف عبد القوي بعض التلاعب في توريدات السجن، وخاصة فيما يخص الألبان فطب من المتعهد أن يقوم  بسد النقص فيتوريده وتوريد ما تأخر عليه، ولن يبدو أن المتعهد كان نافذا وذا حظوة لدى إدارة السجون، فقرروا أن يرسلوا العميد الصاوي ليغطي لفرة إجازة العميد مدثر، ولكن عبد القوي أصر على موقفه من المتعهد فدخل في صدام مع عبدالرحمن الصاوي، وأنتصر الصاوي للمتعهد وابعد عبد القوي وجاء في مكانه العقيد محي الدين وهوشخص عسكري يجيد تنفيذ التعليمات وقرر الصاوي عدم إستلام المعتقلين موادهم التموينية من الميزان وأن ترسل لهم في أقسامهم وأحتج المعتقلون عى ذلك فرفض القومندان الاستماع لهم فرفضوا المواد وأعلنوا الإضراب عن الطعام، فأرسل الصاوي قواته لأقسام المتقلين لأخذهم للزنازين وتجريدهم من كافة مكتسباتهم. وقد بدأ الإضراب يوم السبت وكانت الزيارة الأسبوعية يوم الأحد، فمنعت الزيارة عن المعتقلين مما دفع الأسر للتظاهر.

 

ولم يحقق الإضراب أي مكاسب بل أدى لخسارة المعتقلين لعدد من المكاسب التي نالوها وبدأوا من جديد النضال للعودة لظروف ما قبل الإضراب. وكانت اهم هذه المكاسب التي صودرت منعنا من طبخ طعامنا لفترة، ومصادرة كتبنا وأوراقنا مما أدى لضياع بعض الأورق الهامة التي كتبناها، وكاد مشروع رسالتي للماجستير أن يضيع لولا حسن الحظ.

 

إضراب السكة الحديد يونيو 1981

 

 

بدأ التحضير الفعلي للإضراب في إجتماع ابريل للهيئة النقابية لعمال السكة الحديد بالخرطوم حيث ناقش العمال الفصل التعسفي الذي لحق ببعض اعضاء الهيئة وأصدروا توصية بمقاومته وأرسلوا مناديبهم لعطبرة يحملون مذكرة للنقابة المركزية حول ذلك الموضوع. وكان الجو في عكبرة يتجه نحو التصعيد ولإضراب  ذلك أن الحكومة تجاهلت مذكرة النقابة  ومذكرة نقابات موظفي السكة حديد والنقل النهرسي ومهندسي خريجي الجامعات ومهندسي المعهد الفني وألاداريين العمومين ولتي قدمت في 30 لإبريل. ووصل التصعيد مداه عندما لم يرد على المذكرة خلال ال3 أسابيع التي حددتها القيادات النقابية فقررت نقابة عمال السكة حديد الاضراب لمدة 5 أيام إبتداء من 30 مايو معطية بذلك إنذارا لمدة 9 أيام (صد القرار في 21 ماو 1981).

 

وفي اليوم المحدد نفذ الإضراب فأعتقلت السلطات قيادات النقابة في كل أنحاء السودان وكان نصيبنا في الشرقيات كل من عبيد إدريس، مصطفى قمر الدين،عبد الغفار عبد المجيد، الصادق زكريا، حسن كنترول ومحمد عبدالله صالح.

  

إعتقال الخاتم عدلان

 

 

اعتقل الخاتم عدلان يوم الثلاثاء 28 إبريل 1981 من جامعة الخرطوم حيث كان يحضر لدرجة الماجستير بمنحة من شعبة الفلسفة بعد أن رفضت إدارة الجامعة قرار تعيينه كمعيد بعد تخرجه.

 نقل الخاتم فورا للشرقيات وألتحق بالمكتب القائد وفقا للتؤتيبات في المعتقلات في ذلك الوقت حيث يتولى القيادة أعضاء الهيئات العليا في الخارج وكان في قيادة مكتبنا حينها: يوسف حسين، عضو اللجنة المركزية ومحمد مراد ومختار عبدالله من أعضاء المكاتب المركزية.

بداية الكشات في سبتمبر 1981

 وبدأت السلطات على نطاق واسع ما عرف في السودان بالكشات والمقصود بها قيام السلطات في الخرطوم إستهداف القادمين من مناطق الهامش وإعتقالهم وترحيلهم خارج الخرطوم، وكان ذلك يتم على أساس الشكل والسحنة واللون واللبس، مما يعني إستهداف الفقراء من  غير أبناء الشمال أو الوسط، وكانت الأخبار تصلنا في المعتقل عى ذلك فكنا نرى في ما يحدث توسيع لشرخ يتعمق في المجتمع السوداني بفضل عمى المصالح الطبقية فوق المصلحة الوطنية ووحدة البلاد.