أمران أحلاهما مر: الخضوع للديمقراطية أم عرقلة التحول الديمقراطي

لاأظن أحد يريد أن تضعه الظروف في موقف المؤتمر الوطني وقيادته، إذ أنهم يواجهون خيارين "أحلاهما مر"، فإما الخضوع  لمتطلبات التحول الديمقراطي وتغيير القوانين المخالفة للدستور وإتفاقية نيفاشا وللمواثيق الدولية التي جعلها الدستور جزءا وبالتالي تطلق الحريات العامة ويقل يد جهاز الأمن وتخضع البلاد لحكم قانون مستمد من المبادئ الديمقراطية، مما يعني تصفية نظام الإنقاذ حتى ولو أستمر المؤتمر الوطني في الحكم، فنظام الإنقاذ لا يتميز بأنه حكومة لحزب المؤتمر الوطني، بل أنه نظام شمولي لا يسود فيه حكم القانون وتصادر فيه الحريات الأساسية، ولن يستطيع حزب المؤتمر الوطني في حالة خضوعه لمتطلبات التحول الديمقراطي أن يحافظ على سلطته نفسها إلا بتغيير طبيعة تلك السلطة وإستجابتها لمزيد من المطالب الشعبية في كافة مجال الحياة. أما الخيار الثاني أمام المؤتمر الوطني فهو أن يستمر في  عرقلة التحول الديمقراطي وبالتالي أن يختار معركة مفتوحة ليس فقط مع تجمع أحزاب جوبا وجماهيرها بل مع معظم جماهير الشعب السوداني، ومع ضامني إتفاق نيفاشا الإقليميين والدوليين، وسيؤدي ذلك لعزلته وسقوطه آجلا أم عاجلا.

ولكن رغم أن الخيارين واضحين، وأن العقل والتكتيك السليم كانا يتطلبان أن يختار قادة المؤتمر الوطني الخيار الأول ليحافظوا على وجودهم كلاعبين أساسيين في الساحة السودانية، خاصة أنهم يملكون من الثروة والإعلام والوجود في جهاز الدولة على مستوياته المختلفة، ما يضمن لهم دورا مهما لفترة قد تطول أو تقصر في السياسة السودانية وصياغتها. ولكن قادة المؤتمر الوطني  إختاروا المواجهة، وهذا للأسف سيلحق ضررا بالجميع، ولكن محصلة خيارهم النهائية العاجلة أو الآجلة، ومهما كانت التضحيات التي سيقدمها الشعب، هي نهاية دولة الإنقاذ وسلطة المؤتمر الوطني، والشعب سينتصر في النهاية وستسود الديمقراطية ومبادئها.

ولعل القارئ يندهش لإستغراب قادة المؤتمر الوطني لأن هدف المظاهرات هو إسقاط نظام الإنقاذ الشمولي، والذي وقعت نيفاشا لتصفيته وإستبادله بنظام ديمقراطي إنتقالي على رأسه حكومة للوحدة الوطنية، ينجزمهام معينة تمهد لإجراء إنتخابات نزيهة. وعلى المؤتمر الوطني أن يفهم أن نظام الإنقاذ قد إنتهى، وأن محاولة التمسط به أو إعادته لن يؤدي إلا للمواجهة والتي سيخسر فيها المؤتمر الوطني ومهما كانت تضحيات الشعب فإنه سينتصر.

الجاهل عدو نفسه

الجاهل هو وحده الذي يعتقد انه يستطيع خديعة كل الناس كل الوقت، والجاهل هو الذي لا ينظر للتاريخ فيتعظ، ولا ينظر للأمور في حالة سريانها فيرى المتغير والثابت، ومن يرى دوام الحال فهو جاهل وعدو نفسه فالصغير والكبير يعرف أن دوام الحال من المحال وكل شئ تحت الشمس يتغير.

ولنبدأ بأول وصفات الجهل في ان يعتقد شخص او حزب او نظام أنه يستطيع خديعة كل الناس كل الوقت، فالنظام ظل يقول للناس بلسان وزير داخليته ورئيسه ان الأحزاب السياسية المسجلة لا تحتاج لغير إخطار السلطات المحلية وكل ما ستقوم به قوات الشرطة هو حماية التجمع أو الندوة.  ورغم ذلك أستندت السلطات على المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية وهي مادة تقع في الفصل الرابع من القانون والذي يشمل إجراءا وقائية لمنع الجريمة او الإخلال بالطمأنينة أو النظام العام، تقول المادة:

127-يجوز لأي والٍ أو محافظ في حدود دائرة اختصاصه أن يصدر أمراً يحظر أو يفيد أو ينظم بموجبه أي اجتماع أو تجمهر أو موكب في الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدي إلى الإخلال بالسلام العام.

أن مفتاح هذه المادة يكمن في "مما يحتمل أن يؤدي إلى الإحلال بالسلام العام" ولم تبين السلطات حتى الآن كيف أن تجمعا سلميا أمام البرلمان يحدث مثله الكثير أمام برلمانات العالم، يمكن أن يهدد السلام العام.

يقول البوليس أن الموكب لم يتحصل على تصديق، وما ينساه البوليس أن هذه المادة لا تطلب أي تصديق، وليس هناك مادة في قانون تنظم المواكب وكيفية الحصول على تصاديق، والسلطة المصدقة والسلطة المستأنف لها.

وعندما لا تكون هناك قوانين أو لوائح أو أوامر محلية تحتوي على إجراءات طلب التصديق وإجراءات الإحتكام عند الإختلاف مع السلطة المصدقة، يصبح الأصل هو إباحة التجمع والتظاهر والإستثناء هو إستعمال المادة 127 عند وجود إحتمال  لإختلال السلام العام. وهذا الإحتمال لم يكن موجودا إطلاقا في حالة تجمع الإثنين 7 ديسمبر، فالقوى التي دعت إلى التجمع أعلنت إرضه وأعلنت انه سيكون سلميا، ولقد كان فعلا سلميا والإعتداء جاء من قوات  الشرطة.

والقضية التي يهملها المؤتمر الوطني وممثلي السلطة أن المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية نفسها هي أحد أمثلة مخالفة القوانين للدستور فهي تعطي سلطة إدارية تقديرية مطلقة غير خاضعة للإستئناف أو المراجعة القضائية (إلا فيما يتعلق بالمحكمة الدستورية) بل أن الفصل الرابع نفسه قد نص فيما يتعلق بالإجراءات الخاصة بالأفراد بالإستئناف بينما في الفرع الثاني الخاص بالسلام العام فإنه يعطي سلطات واسعة بما فيه إستعمال القوة وضرب الرصاص.

والمؤتمر الوطني لا يريد أن يتعلم من دروس التاريخ، أنه يستحيل إستمرار الدكتاتوريات في السودان، وأن الشعب السوداني رغم طول باله وقدرته على مد حبال الصبر، إلا أنه عندما يبدأ في تجميع صفوفه لمواجهة ديكتاتورية ما، فإن ذلك يحدث في حالة تصاعدية، قد تقصر أو تطول لكنها لا تتراجع ويزيدها العنف إصرارا، وهناك فرق بين أن تنفرد الديكتاتورية بفئات من الشعب في حالة تشتتها وبين مواجهة الشعب وهو في حالة مزاج الوحدة وإنتزاع الحقوق.

والمؤتمر الوطني لا ينظر للتغييرات التي حدثت في الساحة السودانية، وإنتظام حركة سياسية جادة، إستطاعت أن تجمع صفوفها وتتصل بقواعدها وهي تجمع جماهيرها في حالة وحدة، تنتقل من وحدة القيادات، إلى وحدة وسط القواعد، إن كل ذلك يخلق قوانين جديدة للعبة، الساحة السياسية ليست هي الساحة في التسعينات ولا في الأربعة سنوات التي تلت نيفاشا،  ونكران المؤتمر الوطني لمتغيرات الواقع، لن يؤدي غلا لإتخاذه تكتيكات خاطئة ترسله لمتحف التاريخ السياسي.

يعتمد المؤتمر الوطني على إحتكاره لعنف الدولة مستعملا القوى النظامية، ولقد أعتمدت أن الأنظمة السابقة على القوات النظامية ولكن، هذه القوات رغم تدقيق حزب المؤتمر في إختيار أفرادها وقيادتها في نهاية المطاف، لن تتبع المؤتمر الوطني في أي إجراء يتخذه، لأن وحدة هذه القوات مع النظام التي كانت تعتمد على الأيديولوجيا إنهارت منذ 1999 عندما إنقسم المؤتمر، وحينما وضح للجميع أنها ليست للله بل للدنيا وللجاه.

تقدم الملازم فاروق عثمان حمدنالله في أكتوبر 1964 وحيا قائده المباشر الأميرآلاي حينها عوض عبد الرحمن صغير، معلنا له أنه لن يأمر قواته بضرب الجماهير، ترى كم فاروق حمدنالله في القوات النظامية اليوم؟ ترى كم من صباط الأمن والشرطة والجيش يسألون أنفسهم هل ما يفعلونه صحيحا أخلاقيا ومبرر دستوريا ويرضي ضمائرهم ويستطيعون الإطمئنان لثوابه أمام الله؟ إن المؤتمر الوطني مهما يفعل لن يستطيع أن يعزل هؤلاء الضباط والجنود من باقي الشعب فهم سودانيون يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام ويذهبون لبيوت الأفراح والبكيات ويستمعون للناس في منتدياتهم الإجتماعية ويستمعون لعائلاتهم وأصدقائهم، إنهم ليسوا خاضعين فقط للخطاب الأيديواوجي للمؤتمر الوطني والذي يصبح فجا وفاجرا عندما يفقد قادة المؤتمر أعصابهم ويتحدثوا وكأنما هم أصحاب الحق المطلق وينسون أنهم مجرد إنقلابيين خرقوا الدستور وأستولوا على السلطة بالقوة في 30 يونيو 1989. وما لم يدرك هؤلاء أن الفرصة التي أتاحتها لهم إتفاقيات نيفاشا والقاهرة وأسمرا ,ابوجا هي أن يضعوا خطا فاصلا بين حقبتين: حقبة الإنقاذ الشمولية الإنقلابية، وحقبة ما بعد نيفاشا، الفترة المفترض أن يكتمل فيها التحول الديمقراطي.

إن المؤتمر الوطني ينبغي أن يدرك أن قوانين اللعبة قد تغيرت، وما يطالب به الجميع هو أن تصاغ هذه القوانين الجديدة  في تشريعات هي ما يسمى بالتشريعات الديمقراطية المعبرة عن الدستور الإنتقالي. هذا هو الضمان الوحيد للتطور السلمي الديمقراطي للسودان، ولوجود المؤتمر الوطني نفسه ولقيام إنتخابات ديمقراطية ونشر ألوية السلام في بقاع البلاد المختلفة وإنهاء الحرب في دارفور وخوض معركة وحدة البلاد بشكل ديمقراطي عبر إستفتاء حر لا تلعب فيه المكائد القانونية الدور الرئيسي، بل تقول فيه الإرادة الحرة لمواطني الجنوب كلمتها عن قناعة كاملة.